ص1      الفهرس      21-30 

 

الجنيالوجيا وكتابة تاريخ الأفكار

 

عبد الرزاق الدواي

بدأنا نلاحظ في السنين الأخيرة، وفي الكتابات الفلسفية بصفة خاصة، انتشارا ملحوظا لمصطلح "جينيالوجيا" وتداوله خارج سياق دلالته المألوفة، بحيث أصبح يستعمل كبديل منافس لكلمة "تاريخ الأفكار". فما الجديد الذي تحمله هذه المنافسة؟ سنحاول في الصفحات التالية أن نفكر في هذا السؤال، وأن نعقد مقارنة نقدية بين منظور هذين المصطلحين بخصوص مسألة كتابة تاريخ الأفكار. وقبل ذلك يجمل بنا أن نمهد بإلقاء نظرة على تاريخ الأفكار وميدانه.

1 – عن مفهوم تاريخ الأفكار:

إن التاريخ كما نفهمه علم يعنى بتسجيل ودراسة جملة الأحداث والأحوال التي يمر بها كائن ما، ويصدق هذا على الفرد والمجتمع والظواهر الطبيعية ونحوها، كما يمكن أن يصدق أيضا، وفي الاستعمال الواسع، على الأفكار ذاتها. فمعالم التاريخ لا تتألف من الأحداث الكبرى فقط، بل هي تتألف أيضا من أفكار عظيمة أسهمت في التمهيد لتلك الأحداث أو صاحبتها أو تمخضت وتبلورت عنها فأثرت تأثيرا متفاوتا في معاصريها، وشكلت منعطفات تاريخية سواء في زمانها أو في فترات لاحقة. ومن هنا تبدو أهمية كتابة تاريخ الأفكار.

والمقصود بالأفكار في هذا السياق مجمل الآراء والنظريات والمفاهيم والتصورات العامة المجردة التي يكونها الفكر البشري في مجالات مختلفة قصد التعبير عن ماهية واقعة من الوقائع، أو ظاهرة من الظواهر أو معنى من المعاني. وتاريخ الأفكار بهذه الدلالة يعنى بدراسة نشأة الأفكار وظروفها ومضامينها وتطورها وصراع المدارس والتيارات الفكرية، في ارتباط مع التطور العام للتاريخ وللمعرفة العلمية، وذلك بهدف التحليل والفهم والنقد بدون شك، ولكن أيضا بحافز من اهتمامات الحاضر وإلحاحاته.

وعندما نستشير القواميس والموسوعات المختصة حول مصطلح "تاريخ الأفكار" نجدها تؤكد على أن مضمونه واسع وعام: فهو يدل على مجموعة من الأبحاث والدراسات التاريخية تكاد تشمل جميع ما هو إنتاج فكري وفي ميادين مختلفة، أي جميع أنواع الأفكار سواء كانت فردية أم جماعية، فلسفية منظمة أم عامية شائعة، مبتكرة ومبتدعة أم مكتسبة. ولذلك كانت حدود هذا الفرع المعرفي التاريخي غير واضحة، وتتداخل وتتشابك بالضرورة مع حدود معارف أخرى كثيرة.

وقد ظهر مصطلح تاريخ الأفكار (History of ideas) في البداية وإلى جانب مصطلح "التاريخ الفكري" (Intelectual history)، في حقل الثقافة الأمريكية في العقود الأولى من هذا القرن. وكانت الغاية من اقتراح هذين المصطلحين هي تحديد ميدان جديد للبحث التاريخي يهتم بشكل خاص بنشأة الأفكار ودلالاتها واستعمالاتها وتطورها وتأثيرها عبر العصور.

والظاهر أن هذين المصطلحين لم يستطيعا الحلول مكان المصطلحات التقليدية الدالة على نفس الموضوع والمتداولة آنذاك في الثقافة الفرنسية كتاريخ الفلسفة وتاريخ الأدب، وتاريخ العلوم… ولا منافسة المصطلحات الجديدة البديلة التي كانت مدرسة الحوليات الفرنسية قد اقترحتها من خلال مؤلفات مؤسسيها: مارك بلوخ (Marc Bloch) ولوسيان فيبر (Lucien Febvre) مثل تاريخ العقليات (Histoire des mentalités) والتاريخ الاجتماعي والثقافي.

ونتوقف قليلا عند مصطلح تاريخ العقليات (Histoire des mentalités) الذي عرف رواجا ملحوظا في الثقافة الفرنسية بصفة خاصة. لقد استعير هذا المصطلح في الثلاثينيات من حقل الدراسات الاجتماعية والنفسية الذي كان آنذاك مهيمنا، ونقل إلى ميدان علم التاريخ. وكانت الغاية من ذلك في المقام الأول هي نقد تاريخ الأفكار كما كان يدرس في كليات الآداب الفرنسية. لقد آخذت مدرسة الحوليات على هذا التاريخ كونه يسجن نفسه في مجادلات مجردة وخارج الزمان والمكان، ويقرأ الماضي ويؤوله من خلال منظورات متنافرة وعتيقة. كما تصدت للمسلمات التي يقوم عليها. ويمكن أن نجمل تلك المسلمات في ما يلي:

ـ تعتبر الأفكار إبداعا وإنتاجا شخصيا للعباقرة والمفكرين.

ـ تتحدد دلالات الأفكار فقط بالإحالة إلى نوايا المفكرين المعلنة والصريحة.

ـ يفسر التشابه والاتفاق الملاحظ بين أفكار مختلفة في حقبة معينة إما بالاستعارات والتأثيرات المتبادلة، وإما "بروح العصر" التي تطبع جميع أنواع السلوك والتفكير.

وهكذا بدلا من هذا النمط التقليدي لتاريخ الأفكار، تقترح مدرسة الحوليات من خلال مصطلح تاريخ العقليات (Histoire des mentalités) مشروعا لتاريخ مغاير يحاول أن يدرس الأفكار والمؤلفات وأنواع السلوك في إطار الشروط الاجتماعية التي تظهر فيها والتي تجعلها ممكنة؛ ويفهم مجموع الظواهر الثقافية لحقبة من الحقب كإحدى مكونات شبكة معقدة ومتحركة من الوقائع الاجتماعية…

ويمكن القول إجمالا إن التحليل الذي يقوم به تاريخ الأفكار من هذا المنظور الجديد له بعدان: البعد الأول أفقي وزماني، وهو يسجل إنتاج فكرة ما في سجل التاريخ الخاص لجنس المعرفة الذي تنتمي إليه؛ أما البعد الثاني فهو عمودي ومتزامن يعرض الفكرة في علاقاتها مع الإنتاجات الثقافية الأخرى المعاصرة لها، ويضع الكل في سياق الحقل الاجتماعي العام لفترة معينة


[1].

2 – "الجنيالوجيا": دلالة المفهوم وتطورها

أما مصطلح "جنيالوجيا" (Généalogie) فيرجع الفضل في تداوله في الفكر الفلسفي المعاصر بدون شك إلى الفيلسوف الألماني نيتشه. ولكن من المؤكد أن الكلمة استعملت من قبله بزمن طويل، فهل واصل نيتشه من خلال استعماله المتجدد للكلمة نفس الإشكالية التي كانت تدل عليها من قبل؟

من المثبت أن مصطلح (Généalogie) قد ظهر في اللغة الفرنسية في القرن الثالث عشر الميلادي، وهو مشتق من الكلمة اللاتينية (Généalogia) المتداولة آنذاك والمنحدرة بدورها من الكلمة الإغريقية (Genealogos). وتعني كلمة (Généa) في اللغة الإغريقية "الأصل"، بينما تعني كلمة (Logos) "علم". أما فعل (Genealogein) فيدل على "ذكر الأصول وتعدادها". وقد أصبحت الكلمة المركبة (Généalogie) تدل بصفة عامة، وفي غالبية اللغات الأوروبية، على سلسلة من الأسلاف تربطهم قرابة نسبية يفترض أنها تنحدر من أصل مشترك واحد. وتشكل تلك السلسلة شجرة النسب لأسرة أو لشخص ما، كما تدل في الوقت ذاته على العلم المتخصص في البحث عن أصول ونسب العائلات.

ويبدو أن المضمون العام الذي تعبر عنه كلمة "جنيالوجيا" موجود في جل الثقافات البشرية، ونجد أقدم استعمال معروف لهذا المضمون في مجال الفكر الأسطوري بصفة خاصة. ومن المعلوم أن الأساطير اليونانية القديمة مثلا قد أسهبت كثيرا في الحديث عن أواصر النسب والقرابة التي تربط الآلهة أبطال تلك الأساطير، وكانت كلمة (Théogonie) هي المتداولة في هذا السياق.

ومنذ القرن السابع عشر صار المصطلح يدل في الثقافة الغربية الحديثة على فرع من فروع علم التاريخ له مناهج بحث خاصة به، وتقوم مهمته الأساسية في ذكر وتعداد سلسلة أسلاف فرد من الأفراد أو أسرة من الأسر لغاية إقامة شجرة الانتماء والنسب.

أما في قواميس الترجمة إلى اللغة العربية فقد أضحى من المألوف ترجمة مصطلح (Généalogie) بـ"علم الأنساب" الذي حظي عند العرب بمكانة مرموقة كما نعلم. وهي ترجمة موفقة تؤدي تماما ما أريد بهذا العلم في التراث الثقافي العربي الذي يعتبر علماء الأنساب مؤرخين جديرين بهذا الاسم، ومهمتهم هي تتبع ودراسة القرابات والأنسال في الأسرة الواحدة أو في السلالة الواحدة.

ومع العقود الأولى من القرن التاسع عشر بدأت دلالة هذا المصطلح تغتني تدريجيا وتتسع، ولكنها ظلت في أغلب الأحيان لصيقة بميدان التاريخ وإن لم يعد مجال دلالتها محصورا في ميدان التأريخ لأصول الأفراد والأسر من البشر فحسب، بل امتد ليشمل تاريخ تطور الحيوان والمؤسسات والأفكار. وفي هذا الصدد نذكر مثلا أن المصطلح اكتسب مضمونا جديدا أكثر دقة في مؤلفات العالم البيولوجي الإنجليزي شارل داروين (1809-1882) التي تعرض نظريته عن أصل الأنواع الحية وتطورها.

ورغم أن داروين لا يستعمل في كتبه صراحة مصطلح (Généalogie) فإنه يعتبر ضمنيا أحد المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها نظريته. وكان قد عبر عن مضمون هذا المصطلح بواسطة مصطلحين خاصين به هما: (Evolutionnisme) الدال على النظرية التي تفسر التطور التاريخي لأشكال الحياة وللأنواع الحية عبر العصور اعتمادا على عوامل الوراثة والتحول والانتقاء؛ و(Phylogenèse) الذي يفيد دراسة تاريخ نشوء وتطور نوع معين من الكائنات الحية ونموه.

ولقد كان هناك تأثير واضح لنظرية داروين على الفكر الفلسفي الغربي في منتصف القرن التاسع عشر. ومن المرجح أن الفيلسوف الألماني نيتشه ذاته، الذي يرجع إليه الفضل كما أسلفنا في التداول الجديد للكلمة في الحقل الفلسفي المعاصر إذ جعل منها عنوانا لأحد كتبه: جنيالوجيا الأخلاق، قد تأثر بالمسلمات العامة لنظرية داروين وسعى إلى استثمارها في كتاباته الفلسفية. وبتأثير تلك الكتابات عرف المصطلح بداية رحلة جديدة في الخطاب الفلسفي المعاصر.

وبعد نيتشه أصبح مصطلح "جنيالوجيا" يعني في الخطاب الفلسفي عموما تتبع أصول موضوع ما أو فكرة، وتقديم عرض تاريخي متسلسل لظهوره ونشأته وتطوره، والغاية من ذلك هي إما الرغبة في تبريره وإضفاء طابع المعقولية والمشروعية عليه وهذا هو المنظور الذي أصبح كلاسيكيا؛ وإما انتقاده وإبراز طبيعته النسبية لغاية الحط من القيمة المعطاة له، وهذا هو المنظور الحديث.

لقد تراكمت أمامنا حتى الفترة الراهنة ثلاث دلالات لمصطلح "جنيالوجيا":

1 ـ هناك أولا دراسة سلسلة الأنساب والأسلاف والسلالات العرقية، وهي دراسة تعد عند المؤرخين إلى الآن فرعا من الفروع المعرفية المساعدة لعلم التاريخ؛

2 ـ وهناك ثانيا تتبع أطوار نشوء الأنواع الحية ومراحل تطورها وهو أحد اختصاصات علم البيولوجيا؛

3 ـ وهناك ثالثا، نوع من التفكير الفلسفي النقدي يتميز بإثارة التساؤلات عن أصل نشأة الأحكام والقيم الأخلاقية وقد دشنه نيتشه، وعنه تولدت كما نرجح "جنيالوجيا" المفاهيم والأفكار التي تمارس اليوم في الفكر الفلسفي المعاصر، وهي نوع من "الاستنساب" الفكري إن جاز هذا التعبير: فيه توصف الأفكار وتذكر "أنسابها" وظروف نشأتها وأصولها وعناصر تشابهها والقرابة فيما بينها من حيث المضامين، وآليات تحقق التنوع والاختلاف فيها. وغني عن التذكير أن هذا المعنى الأخير الذي يهمنا كثيرا في هذه الدراسة لم يحظ بعد بشرف التسجيل في المعاجم العربية.

وإذا كنا نلاحظ أنه في الاستعمال المألوف لمصطلح "جينيالوجيا" قد تغلبت فكرة التنقيب والتقصي التاريخي في حقل الاستنساب عموما، من أجل التعرف على أصل ينظر إليه على أنه مصدر للنقاء وللشرف وللجاه وللقوة؛ فإننا نلاحظ مع داروين في ميدان البيولوجيا، ومع نيتشه في ميدان الأخلاق، أن دلالة المصطلح أصبحت لها وظيفة أميل إلى النقد بحيث يبدو وكأن غاية "الجنيالوجيا"، وهي تبحث عن النشأة والأصول، باتت بالأحرى هي تذكير الإنسان بحقيقة كونه كائنا متناهيا، وبأن دعائمه الأخلاقية والثقافية لها تاريخ وبالتالي فهي ذات طابع نسبي[2].

3 – "الجنيالوجيا" في الفلسفة، بين هيجل ونيتشه

إذا توقفنا قليلا عند الخطاب الفلسفي الحديث نستطيع أن نميز فيه بين شكلين مختلفين من الجينيالوجيا:

1 ـ يتعلق الأمر في الشكل الأول بـ"جنيالوجيا" تاريخية للأفكار تتميز باعتماد منظور زماني متسلسل منطقيا وعقلانيا، وتمثل الفلسفة الهجيلية بدون شك نموذجا بارزا لها. وبالفعل فإن كتاب هجيل "فينومنولوجيا الروح" المؤلف سنة 1807، يعتبر محاولة لاستعراض الأشكال المختلفة التي اتخذها الوعي في صيرورته التاريخية انطلاقا من أبسط مظاهره إلى أرقاها. إنه تاريخ جنيالوجي منطقي يحكي قصة مراحل ظهور الوعي وتطور الأفكار وسيرورة الحقيقة. وفيه تتشابك الأفكار وتتولد عن بعضها وترتبط فيما بينها ارتباطا منطقيا. ويقوم هذا التاريخ الجنيالوجي الهجيلي على مسلمة النمو والتقدم من خلال تسلسل الصراع بين الأفكار المتناقضة الذي يفضي دائما إلى خلاصات جديدة شاملة وغنية. وواضح أن هذه "الجنيالوجيا العقلانية" للأفكار تسمح بإمكانية النظرة الشمولية والتراكم الثقافي والروحي للبشرية وتنميته.

2 ـ أما الشكل الثاني من "الجنيالوجيا" فقد مارسه الفيلسوف الألماني نيتشه في كتابه: جنيالوجيا الأخلاق كما أشرنا إلى ذلك سابقا. وقد نشر هذا الكتاب سنة 1887…، ويعرض فيه نيتشه منهجا جديدا لفلسفة نقدية تهدف إلى إعادة النظر في جميع القيم السائدة في الثقافة الغربية الحديثة، كما يطرح تساؤلات عن أصل نشأة الأحكام والقيم الأخلاقية مثل الخير والشر، وعن الظروف التي يبتدعها الإنسان فيها؛ وعما تخفيه في حقيقتها.

ولا شك أننا مع نيتشه نوجد أمام طريقة فريدة في كتابه تاريخ القيم والمفاهيم؛ طريقة تتابع مراحل نشأتها وتطور دلالاتها، لا من حيث تسلسلها المنطقي والعقلاني كما لاحظنا ذلك عند هيجل، بل اعتمادا على مسلمة رئيسية مفادها أن القيم الأخلاقية والمعاني والأفكار ليست لها أصول ثابتة وشفافة ومتعالية توجد خارج المحيط الإنساني؛ وأن ما يكمن وراء إنتاجها وتطويرها في جميع العصور هو شروط واقعية ووجودية ترتبط بمطالب الحياة والمصالح الشخصية.

تتميز "الجنيالوجيا" عند نيتشه، باعتبارها كتابة لتاريخ الأفكار الأخلاقية، بقراءة الأفكار قراءة شكاكة وسيئة الظن، قراءة تمارس على الأفكار أسلوب التعرية والفضح. وهي لا تعني عنده تاريخا لتعاقب المفاهيم والمنظومات الأخلاقية، بل كشفا لما يكمن خلفها من دوافع. إنها تفكير نقدي ينطلق من الاقتناع بأنه من غير المجدي تماما، في تاريخ الأفكار، الاكتفاء بالبحث عن المبررات المنطقية لظهور الأفكار وانتشارها، بل إن الأمر يتطلب الكشف عما يكمن وراء تلك المبررات ذاتها من دواعي وأسباب شخصية ومصالح مادية يخفيها منتجو تلك الأفكار ومروجوها. إنها تؤول الأفكار وكأنها علامات أو أعراض يتوجب على الباحث أن يميط اللثام عن حوافزها الخفية.

ولقد عرف المنهج الجنيالوجي عند نيتشه بعد ذلك طفرة أخرى في مؤلف له متأخر هو إرادة القوة نشر بعد وفاته انطلاقا من مخطوطات جمعت ونقحت برعاية أخته. والفكرة الأساسية الجديدة في الكتاب بالنسبة لمفهوم "الجنيالوجيا" تتلخص في العبارة التالية: إن "…جميع الظواهر عبارة عن تأويلات، ولا توجد هناك على الإطلاق، أية ظاهرة في حد ذاتها"[3]. وقياسا على هذا المنظور الجديد تصير جميع الأفكار والحقائق والقيم الأخلاقية مجرد نواتج لتأويلات الفلاسفة للوجود؛ تلك التأويلات التي ليست لها أية حدود إلا تلك التي يضعها الفلاسفة أنفسهم.

هكذا يظهر لنا أن الإسهام الأساسي لنيتشه في مجال تاريخ الأفكار والقيم يتحدد في تأكيده بأن هذا التاريخ كله كان دائما عبارة عن تناسل للتأويلات التي لا تحيل في نهاية المطاف إلى أي تأويل صحيح أو أصل أول، ولا إلى أية حقيقة عميقة. فحسب فيلسوفنا يكون السر الكامن وراء جميع التأويلات وخلف "الحقيقة" التي تزعم تلك التأويلات الإفصاح عنها هو إرادة القوة فما يتستر وراء كل تأويل ووراء كل معنى ودلالة؛ وآخر واقعة يمكن الوصول إليها؛ وما يشكل "الماهية الصميمية" للوجود وللعالم وللحياة هو في نهاية المطاف: إرادة القوة، لقد كتب نيتشه: "هل تريدون اسما لهذا العالم…؛ وحلا لجميع أسراره وألغازه؟ إنه إرادة القوة، ولا شيء آخر غيرها!"[4].

لقد جرت العادة على النظر إلى البحث عن "الأصول" و"البدايات" في مجال كتابة التاريخ التقليدي للأفكار على أنه بحث عن موطن الحقيقة ومنبعها، ومحاولة لإماطة اللثام وتجلية لهوية أولى شفافة خالصة من الشوائب والعوارض الزمنية. وها هو التاريخ "الجنيالوجي" للأفكار عند نيتشه يفاجئنا بشذوذه عن هذه القاعدة ويخالف ما تعودناه: فهو يستخف من فكره "الأصول" استخفافا ولا يكل من تكرار عبارة أن ليس هناك أي أصل نهائي على الإطلاق، بل ومن الإعلان صراحة أن هدف تاريخه "الجنيالوجي" ليس هو استرجاع جذور هوية أصيلة مفترضة وإنما هو بالأحرى تقويض فكرة الهوية ذاتها.

إن التاريخ "الجنيالوجي" للأفكار عند نيتشه يستغني عن كل إحالة أو استناد إلى الحقيقة أو إلى أي موضوع للمعرفة. إنه يأخذ شكل فضح وتعرية مقصودة لما يعتقد أنه يكمن وراء سلسلة من التأويلات لا تنتهي. في هذا التاريخ تمت إزاحة العقل من المركز كما تحررت الفلسفة الجديدة المنبثقة عنه من هاجس فكرة المعقولية ومن طقوس المعرفة ومن سائر الإلزامات الأخلاقية. وبات من الواضح وكأن هم نيتشه الأوحد غدا بالأحرى هو الكشف عن أن كل فكرة هي عبارة عن قناع؛ وأن خلع هذا القناع لا يعني الكشف عن أساس أخير أو عن أصل أول، بل فقط عن قناع آخر وهكذا دواليك…

نخلص الآن إلى أن تاريخ الأفكار والقيم ليس بالنسبة لـ"جنيالوجيا" نيتشه سوى لعبة لا تنتهي من التأويلات تتستر خلفها دائما إرادات القوة التي تفرضها. وما عالمنا البشري، الثقافي، والفكري، بما فيه من أحلام وأوهام وتناقضات إلا نتاجا لهذا التناسخ للتأويلات المتراكمة عبر العصور، والتي تخفي وراءها دائما إرادة القوة. ووحده الوقوف على هذه "الحقيقة" والاعتراف بها، يمكن أن يساعد في نهاية المطاف على كشف أن الفضاء الثقافي والفكري، الذي يتشبت به الإنسان ويتيه فيه ويتقلب، لا تناسق فيه ولا استمرارية ولا اتصال!

ومن نافلة القول هنا التذكير بأن التراكم في ميادين تاريخ الفكر وما يمكن أن يسفر عنه من تطور كيفي، يعتبر في سياق هذا الضرب الجديد من الجنيالوجيا عبثا والتقدم مستحيلا. كيف لا وظاهرة الانفصال والتشتت والتنافر التي طالما أرقت مؤرخي الفكر ولا تزال، وحثتهم على الاجتهاد من أجل التقليل من أهميتها وإخفاء معالمها، بل من أجل حذفها من التاريخ لو استطاعوا إلى ذلك سبيلا، أصبح إثباتها وإبرازها هو المسؤولية الكبرى الملقاة اليوم على عاتق "جنيالوجي" الحقبة المعاصرة!

4 – "الجنيالوجيا" في الفكر الفلسفي المعاصر

وماذا عن  "الجنيالوجيا" في الفكر الفلسفي المعاصر؟

بالإمكان أن نلاحظ في هذا الفكر ابتداء من الستينات، وخاصة في المدرسة الفرنسية توجها قويا إلى اعتبار أن النشاط الفلسفي الحقيقي الذي يمارس في عصرنا والجدير حقا بحمل هذه التسمية هو ذاك الذي يستخدم المنهج الجنيالوجي في دلالته الجديدة المستلهمة من الكتابات النيتشوية. وبالفعل ليس من الصعب علينا أن نميز داخل المكونات البارزة لهذا الفكر اتجاها جديدا يعتبر أن فهم أفكار معينة ونصوص معينة، لم يعد يتطلب، كما كان الأمر يستدعي ذلك من قبل، طرح تساؤلات عن المقاصد والمعاني والمضامين لمحاولة استيعابها والإحاطة بها، بل أصبح ذلك يقتضي بالأحرى التساؤل عما يكمن وراء إنتاجها من حوافز وملابسات وظروف خاصة، أي يقتضي التساؤل عن "شروط خارجية" لنشأة وظهور الأفكار والنصوص ذاتها، سواء نظر إلى تلك "الشروط الخارجية" على أنها بنية اجتماعية واقتصادية وتاريخية؛ أو على أنها تجليات للاشعور نفسي تعبر عن دوافع غريزية؛ أو على أنها الوجود والحياة بصفة عامة. وفي عبارة وجيزة نقول إن هنالك نوعا من الاتفاق الضمني بين مجموعة من التيارات الفلسفية المعاصرة على قراءة النصوص ودراستها باعتبارها تمثل أعراضا يتعين فك رموزها وتأويلها![5].

والظاهر أن النجاح الذي حالف المدلول الجديد لمصطلح "جنيالوجيا" المنحدر من الكتابات النيتشوية قد ساهم فيه أيضا وبنصيب وافر الفيلسوف الألماني المعاصر مارتن هيدجر (1889-1976) الذي نعلم أنه أنجز قراءة خاصة لفلسفة نيتشه، والذي يعرف عنه أيضا أنه قد مارس بدوره، وفي مجال تأملاته في فلسفة الوجود، طريقة في التفكير الفلسفي تعد حقا صيغة قريبة من منهج التفكير الجنيالوجي؛ إنها طريقة يصفها أحيانا بأنها "استذكار" ويسميها أحيانا أخرى "بالخطوة إلى الوراء" وقد أفصح عنها في نص الهوية والاختلاف (1957)[6]. ويتعلق الأمر في هذه الطريقة بمحاولات دؤوبة للحفر والتراجع إلى الوراء في ماضي أفكار وحقائق "الميتافيزيقا"، استقصاء واستكشافا للأسس التي أنشئت عليها عبر تاريخ الفلسفة.

ومن اللافت للانتباه أن هيدجر عندما يطبق منهج "الخطوة إلى الوراء" ويتراجع في تأملاته الفلسفية بحثا عن الأسس التي أقيمت عليها "حقائق" الأفكار، فهو لا يتوقف عند أي شيء يصل إليه، ويستمر في التراجع والتقهقر وفي إعادة طرح السؤال؛ وكأن فلسفته لا يعنيها بتاتا أن تتوقف لحظة عند جواب معين قد يكون بالفعل مؤقتا، ولكنه اعتبر حقيقة في لحظته التاريخية؛ وكأن اهتمامها الأساسي ينصب على السؤال نفسه بغض النظر عن الأجوبة المعطاة ومضامينها. حتى ليبدو للقارئ المهتم أن المشروع الفلسفي عند هيدجر مشروع لا ينتهي ولا يتوقف عند شيء أو عند حقيقة ما. ومثله كمثل ثوب بنلوب (Penélope) في الأسطورة اليونانية القديمة: فما كان فكر هيدجر يكتشفه وينسجه في النهار كان يعود في الليل إلى حله وتفكيكه، وذلك حتى يتسنى له معاودة الحبك من جديد في اليوم الموالي.

وتلك هي طبيعة منهج "الخطوة إلى الوراء" في كتابة تاريخ الأفكار الفلسفية بصفة خاصة: فيه يغض الطرف قصدا عن رؤية جميع تلك الخطوات الأخرى التي قطعتها أفكار البشرية إلى الأمام، وفيه لا يكترث كثيرا بما يعتبر تطورا في تاريخ الفكر البشري. إنه يعيد دوما الكرة من جديد ويعيد كل شيء من البداية ولكن لكي لا يفضي بالتالي إلا إلى المتاهات. والمفارقة أن هيدجر في تراجعه إلى الوراء وتحت ذريعة التأسيس الأصيل… لا يلبث أن يفاجئنا بالقول في النهاية وعلى غرار سلفه نيتشه، بأن ليس هناك أي أساس على الإطلاق!

وما دمنا في سياق ذكر المنابع التي استقى منها هذا التداول الجديد لمفهوم "الجنيالوجيا" مشروعية وجوده، يمكن أن نضيف كذلك، أنه فضلا عن الاستلهام من منهج فلسفة نيتشه وفلسفة هيدجر، فقد أصبحت مشروعية المفهوم تبرر أيضا استنادا إلى ما تسمح باستنتاجه نظرية التحليل النفسي عند فرويد ولو بشكل ضمني، كيف ذلك؟

نعلم أن المحلل النفساني يقترح تأويلا معينا للخطاب الظاهري للمريض يهدف من خلاله إلى تحلل أعراضه من أجل الكشف عن مكنوناته اللاشعورية. وبما أنه من المفروض، في نطاق هذه النظرية طبعا، أن يكون كل نشاط نفسي نابعا من اللاشعور، فإن النشاط النفسي للمحلل ذاته يكون خاضعا لتأثير لا شعوره الخاص، وبالتالي فإن التأويل الذي يقترحه لحالة المريض يمكن أن يؤول بدوره للكشف عن دوافعه اللاشعورية… وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية له، بحيث يستحيل الوقوف عند تأويل أخير يكون بمثابة الحقيقة والأصل. وهذا يعني أنه بات من الصعب علي أي مؤول أن يطمئن إلى أنه يحتكر وحده قول التأويل الحقيقي. فالمؤول يؤول انطلاقا من دوافعه اللاشعورية التي يجب أن تؤول بدورها. وإذا كان التأويل لا ينتهي أفلا يعني ذلك استحالة الوصول إلى حقيقة أولى وأصل.. وأن ليس هناك في نهاية المطاف إلا الدال ولا نصل أبدا إلى وضعية أصلية للمدلول؟[7].

5 – دلالة الجنيالوجيا عند ميشيل فوكو:

من المؤكد أن كثيرا من الاتجاهات الفلسفية المعاصرة استقت طريقتها في النقد والتحليل الجنيالوجي من التيار الفلسفي المنحدر من نيتشه وهيدجر، ونجد على رأس تلك الاتجاهات النموذج الذي يمثله المفكر الفرنسي المعاصر ميشيل فوكو (1926-1984).

وبالفعل فإذا كنا قد رأينا "جنيالوجيا" نيتشه تهتم بالتأويل وبالنقد وبالتفكيك، فإننا نرى الآن أن ميشيل فوكو قد تبنى هذا الضرب من "الجنيالوجيا" واقتفى أثره كما يقر بذلك هو نفسه في آخر حوار فلسفي أجري معه قبل وفاته: "يعتبر هيدجر بالنسبة إلي الفيلسوف الأساسي، وقد تحددت معالم مساري الفلسفي كلها من خلال قراءتي له…، ولكني أعترف بأن نيتشه هو الذي تغلب في نهاية المطاف على توجهي الفلسفي"[8] وبذلك أضحى الإطار الذي يتحرك فيه فكره الفلسفي فعليا هو إطارا نيتشويا واضح المعالم. وقد تجلى تأثره بنيتشه بصفة خاصة وبشكل واضح في دفاعه عن النزعة النيتشوية الجذرية المضادة للتاريخ.

ونلاحظ أن تحول ميشيل فوكو نحو ال"جنيالوجيا" قد بدأ يظهر منذ كتابه نظام الخطاب (1972) ولكنه أصبح أكثر بروزا في مقالته عن "نيتشه والجنيالوجيا والتاريخ". أما الخطوة الحاسمة في هذا التحول فيراها النقاد بصفة خاصة في كتابيه: المراقبة والعقاب(1975) والجزء الأول من تاريخ الجنس (1976)، حيث قام ميشيل فوكو بقلب نظام الأولوية لصالح التحليل الجنيالوجي الذي أصبح منذ ذلك الوقت يحتل المرتبة الأولى في سلم اهتماماته.

ما هي علاقة أبحاث ميشيل فوكو بالتاريخ عموما، وبتاريخ الأفكار بصفة خاصة؟ من المعروف في هذا السياق أنه لم يخف أبدا أن المادة التاريخية الفكرية هي الموضوع الأساسي لأبحاثه، ونعلم أنه قد تولى في الكوليج دو فرانس سنة 1971 كرسي تدريس مادة تاريخية هي "تاريخ منظومات الفكر". وفضلا عن ذلك كله فقد وصف هو نفسه في قاموس الفلاسفة مشروعه بأنه "تاريخ نقدي للفكر"[9]. وعلى الرغم من جميع هذه القرائن التي تربطه بتاريخ الفكر فقد حرص فيلسوفنا كل الحرص، في مناسبات عديدة كانت تستدعي منه توضيح الخطوط العامة لمشروعه، على التأكيد بأن دراساته وأبحاثه لا تنتمي إلى مجال تاريخ الأفكار ولا إلى مجال تاريخ العلوم.. بل هي على العكس من ذلك تهدف صراحة إلى طرح تساؤلات نقدية حول هذا التاريخ وحول مناهجه وحدوده وموضوعاته[10].

ومن ناحية أخرى ليس بالخافي أن علاقته ببعض مؤرخي "مدرسة الحوليات" الفرنسية كانت علاقة متينة ومتميزة. فقد استقبلت هذه المدرسة بترحاب كبير أبحاثه الأولى واعتبرتها مسايرة لتصورها الجديد للتاريخ وخاصة "تاريخ العقليات". ولكن تلك الحفاوة لم تمنعه على ما يبدو من السعي إلى كسر الاستمراريات والتواصلات التاريخية وبعض مظاهر النزعة التطورية التي كانت لا تزال سائدة في هذه المدرسة بالذات. إذ بالنسبة إليه إن وراء الاتصال الظاهري للأفكار فيما بينها فإن الممارسات والخطابات والتأويلات تنتج دائما وقائع أخرى مغايرة تماما. ولقد تخلى في "تأريخه" للفكر عن وصف تطور الأفكار ضمن الشبكة المعقدة للحقل الاجتماعي كما تفعل تلك المدرسة… ولا نستغرب في هذا السياق أن تظل علاقته بالمؤرخين عموما مطبوعة بروح السجال ومشوبة بالحذر وسوء التفاهم.

لقد أصبح ميشيل فوكو بعد تبنيه لمنهج النقد والتحليل الجنيالوجي، يؤكد على غرار نيتشه، بألا وجود لمعنى أو لحقيقة أولى يمكن الوصول إليها من خلال تأويل الأفكار؛ فالتأويل لا يصل أبدا إلى معنى أول وإنما ينتهي دائما إلى تأويلات أخرى ليست لها علاقة بالواقع أو بالأشياء، وضعت وفرضت من قبل أناس آخرين. ومهما استمررنا في التأويل فلن نصل أبدا إلى الدلالة الأصلية المتخفية داخل فكرة ما، ولا إلى معنى العالم.. بل إلى تأويلات أخرى. وقد كتب في هذا السياق: "إذا كان التأويل لا يكتمل أبدا.. فمرد ذلك بكل بساطة إلى عدم وجود أي شيء يمكن أن يؤول.. ليس هناك شيء أول بكيفية مطلقة يمكن أن يؤول.. كل الأشياء كانت دائما عبارة عن تأويلات"[11].

وإذا أولى الجنيالوجي عنايته إلى الإصغاء إلى التاريخ الفعلي فماذا سيتعلم؟ إنه سيدرك "..أن وراء الأشياء هناك "شيء آخر" ولكنه ليس هو سرها الجوهري الخالد، بل سر كونها بدون ماهية، أو كون ماهيتها قد أنشئت قطعة قطعة انطلاقا من أشياء غريبة عنها(…) فما نعثر عليه في البداية التاريخية للأشياء ليس هو أصلها المحفوظ وإنما تبعثر أشياء أخرى. إننا نجد التعدد والتشتت"[12].

إن الجنيالوجي من وجهة ميشيل فوكو يصف لنا تاريخ التأويلات المتراكمة للأفكار ولكنه لا يعتبر ذلك التاريخ نموا ولا ازدهارا لفكرة الحقيقة. وعمله يقوم إذن في هدم البداهات الراسخة، في نسف أفكار الأصل والمعنى والتقدم؛ في إعلان الغياب الدائم لأي أساس: "ليس مرمى التاريخ الجنيالوجي إذن هو استرجاع جذور هويتنا، وإنما هو على العكس من ذلك تقويضها وتبديدها…، إنه يسعى لإظهار كل الانفصالات التي تخترقنا"[13].

هناك فقط انقطاع وانفصال حيث يرى الآخرون اتصالا وهميا، واختلاف حيث يرى البعض هوية وتطابقا. بعد هذا الهدم، عليه أن يكشف عن لعبة صراع الإرادات: فحيثما صوب نظره عليه أن يبحث عن مظاهر الخضوع والهيمنة والصراع، وكلما تطرق إلى سمعه حديث عن القيم والفضيلة فعليه أن ينكب على تعرية أساليب السلطة والهيمنة…

هكذا يتضح أن "جنيالوجيا" ميشيل فوكو التي أعتقد أنها بحث في أحد ميادين التاريخ أدارت ظهرها للتاريخ واقترحت نفسها كبديل عنه يقوم بالأحرى على أنقاضه. فهي تفكك تاريخ الأفكار وتفتته إلى مجموعة هائلة من التأويلات والأحداث وتسعى إلى الكشف أنه لا يقوم على أي منطق، وتبرز فيه الانقطاعات والثغرات والتنافر والاختلاف والتبعثر. وهي تفضي في نهاية المطاف إلى حالة من الفراغ الفكري تتساقط فيها القناعات الراسخة وتفرغ الأفكار من كل ما اعتبر حتى الآن مضامين فكرية بشرية ذات معنى ومغزى. لقد حاول فيلسوفنا أن يثبت من خلال النقد الجنيالوجي أننا نتيه في خضم مضطرب من التأويلات، بدون مرتكز ولا دعم، وأننا كما تصنعنا الأحداث والصدف، ويستحيل علينا أن نصل إلى تكوين صورة موضوعية عن أنفسنا وعن أفكارنا وعن التاريخ.

6 – استخلاصات:

1 ـ نستخلص مما تقدم أن هذا المنظور الجديد لدلالة "الجنيالوجيا"، المستهلم من التراث الفلسفي الألماني النيتشوي والهيدجيري منه بصفة خاصة، والذي تبنته تيارات فلسفية معاصرة وصفت بأنها تمثل فلسفة ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، يختلف اختلافا بينا عن مضمون التاريخ التقليدي للأفكار. ويمكن إبراز عناصر ذلك الاختلاف فيما يلي: إنه منظور لا يهتم بتاتا بإبراز الروابط المنطقية لتسلسل الأفكار؛ ولا يحيل مضامين الأفكار بعضها إلى بعض ويقارنها؛ ولا ينظر إلى تعاقبها على أنه تدقيق وتطوير للمعنى وتعميق للحقيقة، ويؤمن بأن الفراغات والقطيعات تخترق دائما ما يبدو لأعيننا تطورا متصلا ومستمرا لفكرة ما أو لمعنى من المعاني؛ إنه يتضمن تصورا لهذا التاريخ وكأنه مجرد تعاقب عشوائي وعبثي لأفكار أو بالأحرى لتأويلات يحل بعضها محل بعض بدون أي ارتباط منطقي ومعقول بين فكرة وأخرى، ويعتبر أن التنافر والاختلاف هو العلاقة الوحيدة التي تجمع الأفكار فيما بينها.

وهناك بالتأكيد فرق جوهري بين هذا الموقف من تاريخ الأفكار الذي تنفرد به "الجنيالوجيا" الفلسفية المعاصرة، وبين الموقف الآخر الذي يقر بأن تاريخ الأفكار مرتبط بالتاريخ الفعلي للبشر وهو لا يبحث عن أصل مطلق تصدر عنه الأفكار وإنما عن بداية نسبية لنشأتها، ويسلم بأن دلالة الأفكار لا تخلق كاملة مع الفكرة ولا تقدم دفعة واحدة معرفة شاملة بالموضوعات التي تشير إليها: فكل دلالة تحتوي بالضرورة على عناصر تكون قابلة للتغير ولأن تصبح ربما أكثر دقة وعمقا مع تطور المعرفة؛ كما تحتوي في الوقت ذاته على عناصر معرضة لأن تدحض في المستقبل ولأن تحل محلها أخرى.

إن هذا الموقف الثاني لا يتجاهل إذن بأن التعدد والتفاعل والتداخل واقع تاريخي لا مناص من الاعتراف به، ولكن ذلك لا يعني بالنسبة إليه تأكيد الاختلاف الجذري والقطيعة المطلقة بين الأفكار! فليس بإمكان أية فكرة أن تعيش في المستقبل ولا أن تستمر إن لم تتغذ وتستمد بعضا من دلالتها من أفكار أخرى قريبة منها توجد في عصرها أو وجدت في الماضي. وإذا ما كانت الفكرة بنت الحاضر وحده، ولم تكن لها جذور تمتد إلى الماضي فإنها ستندثر لا محالة باندثاره ولن تستطيع الحياة في المستقبل. فمهما بلغت شدة ارتباط فكرة من الأفكار بظروف نشأتها، فربما كان خير ما يرشحها للاستمرار هو قابليتها لأن تطير بعيدا وتحلق عبر الأجيال والأزمان.

2 ـ ونعود مرة أخرى إلى مسألة التأويل وحدوده وهو كما نعلم حجر الزاوية الذي تعتمد عليه "الجنيالوجيا" الجديدة في بسط أطروحاتها حول تاريخ الأفكار. إن الدارس أو الباحث الذي يستعصي عليه الكشف عن معاني ومقاصد أفكار واردة في خطاب ما، سيجتهد بالتأكيد ليجد لتلك الأفكار تفسيرا يرضى به، واجتهاده هذا هو ما نسميه عادة بعملية التأويل، وهي عملية تستند في غالب الأحيان إلى كثير من القرائن والمبررات والاستشهادات الوجيهة التي تعطي الأولوية في نهاية المطاف لمعنى معين يفترض الباحث المؤول أنه هو المعنى الصحيح.

ومن الضروري في هذا السياق الاعتراف بأن اجتهاد المؤول سيظل على أية حال اجتهادا نسبيا مهما خلصت نواياه، والدلالة التي يقترحها دلالة محتملة وراجحة فقط، إذ الخاصية الغالبة على كل تأويل أيا كان هي الاحتمال والظن. ونعتقد أن هذا عنصر هام من شأنه أن يساعدنا كثيرا على فهم لماذا يتسم تاريخ الأفكار عادة بكثرة المجادلة. وتدفعنا خاصية الاحتمال والرجحان هاته، التي تلازم كل تأويل، إلى إقرار أننا لسنا البتة في التأويل أمام علاقة بين فكرة هي أصل خالص وفكرة أخرى هي نسخة أمينة. فما أن تصاغ الفكرة، أية فكرة كانت، وتكتب وتتداول حتى تدخل في دوامة التأويل، وحينئذ لا يبقى لعبارة: فكرة متطورة عن أصل أهمية كبيرة.

ولا نأتي بجديد عندما نقول بأن الفكرة الناتجة عن التأويل تتدخل في حبكها وصياغتها بكل تأكيد مجموعة متضافرة من العناصر: منها نظرة المؤول ذاته وهي محكومة بالمسلمات الضمنية لمكوناته الثقافية والمعرفية وقد تنضاف إليها حساسيات أخرى طرفية تزيد الأمر تعقيدا؛ ومنها كذلك عامل الزمن الذي يؤدي بالطبع إلى حدوث تغييرات دلالية تلحق تدريجيا بالأفكار فتغنيها بإضافات جديدة تتيحها خلاصات المعارف الفكرية والتجارب البشرية المتوفرة في العصر. وقد تستمر تلك التغييرات في غالب الأحيان لتفضي في نهاية المطاف إلى حدوث تغيير كيفي ملحوظ يصح أن نقول معه حقا بأن فكرة جديدة قد انبثقت!

يبدو لنا على ضوء هذه الاعتبارات أنه إذا كان من المشروع الحديث عن تاريخ للأفكار المرتبط بالتاريخ الفعلي للبشر ومتميز عن هذا الضرب من الجنيالوجيا غير التاريخية، فمن الصعب على أي تاريخ من هذا النوع أن يدافع عن فرضية الأصول المكتملة للأفكار، إذ لن يتسنى له أبدا تكوين تصور وفي كامل لدلالات "أصول" الأفكار التي يحدثنا عنها التاريخ، وما هو ممكن فعلا هو فقط تكوين تصور تقريبي يتجدد ويتحسن بفعل تراكم العناصر والتأويلات وبفضل رصد الانتقالات والمراجعة المستمرة. ومن اشتد إلحاله على الأمانة والوفاء للأصل في مجال تاريخ الأفكار فلن يجني إلا المزاعم والأوهام.

ويتبادر إلى ذهننا في هذا السياق المثال التالي: عندما نلقي نظرة على تاريخ فكرة "اللاشعور" وعلى الأقل منذ ظهورها الصريح في خطاب فلاسفة القرن التاسع عشر، سنلاحظ أنه قد طرأت على دلالتها تغييرات كثيرة بعد ذلك، وخاصة عندما انتقلت عبر ميادين معرفية مختلفة كالتحليل النفسي والأنثروبولوجيا البنيوية وتاريخ العلوم والأفكار… وخلال هذه الانتقالات فقدت هذه الفكرة كثيرا من عناصر دلالتها "الأصلية" الأولى واكتسبت بالتدريج مضامين جديدة، وأنيطت بها في كل انتقال مهمة مقاربة ملائمة لمشكل من طبيعة مغايرة. وفي كل مرة كانت وراء نقلها وتوظيفها الجديد شروط معرفية مستجدة وغايات محددة صريحة أو على الأقل ضمنية. فهل يتعلق الأمر في هذه الحالة فقط بتراكم للتأويلات المعطاة لفكرة اللاشعور أم باكتشافات معرفية ملموسة هي التي أدت في كل مرة إلى نقلة نوعية على مستوى دلالة المفهوم؟

ربما يسمح لنا المثال السابق بالتأكيد على أن دلالة أية فكرة من الأفكار لا تولد معها تامة ودفعة واحدة، وبأن الأفكار تكتب لها حياة جديدة من خلال المساهمة بواسطتها في التعبير عن مواقف جديدة في الحياة وبالتالي في إنتاج معارف جديدة. إن المنعطفات التاريخية الكبرى التي تحدث في تاريخ الحضارات الإنسانية والتي تحمل معها تصورات جديدة للعالم من شأنها أن تساعد على تكوين قراءة جديدة للأفكار السابقة وتفضي بالتالي إلى إنتاج أفكار جديدة تتلاءم مع تلك المنعطفات أو التحولات الكبرى.

وعندما نجد أنفسنا في نهاية المطاف أمام موقف نضطر فيه إلى الاختيار بين تاريخ للأفكار يقول بثبات دلالة الفكرة مع أصلها، وتاريخ آخر يقول بتغيرها واختلافها حسب كيفية تأويلها وتداولها و"استهلاك" العصور لها، سنختار بدون أدنى تردد المنظور الثاني، لماذا؟ أولا، لأننا نسلم أنه لا يوجد هناك تاريخ للأفكار بدون منظور خاص للقراءة، وبدون افتراضات ولا استنتاجات، كما نفترض أن أبحاث المؤرخ مشروطة دائما بالمجتمع الذي يعيش فيه وبالفترة التي يكتب فيها. وثانيا لأننا نعتقد بأن الموضوعات الفكرية ليست موضوعات "طبيعية" معطاة مرة واحدة وإلى الأبد. والأفكار لا تتحدث عن نفسها فمؤرخ الأفكار هو الذي يعيد اكتشافها ويجعلها تتحدث. وثالثا، لأن موضوعات العلوم التاريخية بصفة عامة ليست معطاة مع المصادر ولكنها منشأة من طرف المؤرخين انطلاقا من اهتمامات وإلحاحات الحاضر، إن الماضي والحاضر ينيران بعضهما ابتداء من اللحظة التي يقيم فيها التحليل التاريخي بينهما علاقة توليد ومقارنة.

ولكن اختيارنا لهذا الموقف الثاني لا يمنعنا بتاتا من أن نميزه عن الموقف الذي يدافع عنه المنظور "الجنيالوجي" التفكيكي الذي عرضنا بعض معالمه في الصفحات السابقة. إذ أننا نفترض أن الارتباطات بين الأفكار ليست عشوائية ومجانية إلى الحد الذي تقول به "الجنيالوجيا" الفلسفية. فهي مبنية على مقدار أدنى ضروري من المعقولية تفرضه مسألة كونها تعبيرا عن ارتباطات بين الأحداث والوقائع والأشياء… وفي عبارة واحدة لأننا نفرق بين النزعة التاريخية النسبية التي يفضي إليها تاريخ الأفكار وبين النزعة العدمية التي تفضي إليها "الجنيالوجيا" الفلسفية  n

 

المراجع:

1 ـ ميشيل فوكو، جنيالوجيا المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي وعبد السلام بنعبد العالي، الدار البيضاء، دار توبقال، 1988.

2 ـ الترجمة والتأويل، مؤلف جماعي، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1995.

3 ـ فرانسوا دوس، "عالم ميشيل فوكو"، بدون ذكر اسم المترجم، مجلة المنار، لندن، عدد 2، فبراير 1985.

Michel FOUCAULT, Dits et écrits : 1954-1988, 4 tomes, Paris, Gallimard, 1994.

Eric BLONDEL, La question de la généalogie in Encyclopédie philosophique, Universelle, tome 1, Paris, PUF, 1990.

Jean WAHL : Le mouvement des idées philosophiques depuis 1900, in Dictionnaire des idées contemporaines, Paris, Editions universitaires 1964.

André BURGUIERE, Dictionnaire des sciences historiques, Paris, PUF, 1986. Encyclopédie Universalis, VIII, Paris, 1968.

Nietzsche, Généalogie de la morale, Traduction d’Henri Albert, Paris, Libraire Générale Française, 1990.

Jean EHRARD, Histoire des idées et histoire littéraire…, Paris, A.Colin, 1974.

 

 



[1]  - André Burguière, Dictionnaire des sciences historiques, Paris, PUF, 1986.

وتراجع فيه الصفحات التالية: 46 – 52، 372-377، 450-456.

[2]  - Eric Blondel, La question de la généalogie in Encyclopédie philosophique universelle, tome1 : L’univers philosophique, Paris, PUF, 1989, p1046.

[3]  - Nietzsche, La volonté de puissance, Traduction de Généviève Bianquis, Paris, Gallimard, 1947-48, tome II, p146.

[4] - نفس المرجع، الجزء الأول، ص216.

[5]  - Luc Ferry... La Pensée 68, Essais sur l’anti-humanisme contemporain, Paris, Gallimard, 1985, p43 + …

[6]  - Martin Heidegger, Identité et différence, in Question I, Paris, Gallimard, 1979.

[7]  - Luc Ferry… La Pensée 68, op.cit., p46.

[8] - أجرى هذا الحوار في 29 ماي 1984 ونشر في مجلة Les nouvelles littéraires، عدد 5 يوليوز 2984. راجع:  Michel Foucault, Entretiens, in M.Foucault dits et écrits, tome 4, p703.

[9] - كشف أخيرا أنه هو الذي حرر بنفسه المقال عن "م.فوكو" في قاموس الفلاسفة، تحت اسم مستعار Maurice Florence. يراجع في هدا الصدد المصدر السابق، ص631.

[10] - مثلا في:

Michel Foucault, Les mots et les choses, Paris, Gallimard, 1966, p13.

Michel Foucault, Archéologie du savoir, Paris, Gallimard, 1969, p25.

[11]  - M.Foucault, Nietzsche, Feud et Marx in Michel Foucault : Dits et écrits, Tome 1, p564.

[12]  - M.Foucault, Nietzsche, La généalogie, l’histoire in M.Foucault ; Dits et écrits, tome 2, p138.

[13] - نفس المصدر، ص154.