ص1      الفهرس   المحور 

ماهية التناص:

قراءة في إشكاليته النقدية

 

عبد الستار جبر الأسدي

يعرف بارت النص بأنه "نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء من اللغات الثقافية السابقة أو المعاصرة التي تخترقه بكامله"[1].  فهو يتحدث عن النص بوصفه جيولوجيا كتابات، منطلقا من مفهوم كرستيفا للنص التي ترى أنه "مبني على طبقات وتتكون طبيعته التركبية من النصوص المتزامنة له والسابقة عليه"[2]، حيث تحلينا هذه التعاريف إلى مفهوم جديد في لغة النقد المعاصر هو التناص، إلى الدرجة التي يرى فيها الكثير من الدارسين حتمية التناص إزاء كل نص، معتبرينه "قانون النصوص جميعا"[3] وأن "كل نص هو تناص"[4]. لأن النص الجديد يقوم بفهم وتمثل وتحويل النصوص التي سبقته، لذا فهو لا يستطيع الخلاص من الوقوع في شرك جدلية القراءة-الكتابة التي تعتبر مرجعية الإنتاج النصي، وتحدد علاقة النص الجديد مع النصوص الأخرى التي تفاعل معها، ولا يمكننا الكشف عن طبيعة هذه العلاقة إلا عن طريق التناص. يرى تودوروف أن من بين اللوائح التي يمكن وضعها لدى دراستنا نصا من النصوص هو حضور أو غياب الإحالة على نص سابق، فهذا النوع من لوائح الكلام يساعدنا على ضبط القراءة ويجنبنا مغبة إهمال العمليات المعقدة التي تكمن وراء نسيج النص"[5]. فالإحالة هي عبارة عن تقنية متجسدة في بنية النص الجديد يتفاوت حضورها أو غيابها حسب الآلية الإجرائية التي يستخدمها الكاتب. يؤكد ريكور أن النص ليس بلا إحالة، وستكون مهمة القراءة بصفتها تفسيرا متمثلة بإحداث الإحالة بالضبط"[6]، ويشاركه غادامير وجهة النظر نفسها حين يشير إلى أن النص يكون إحالته الخاصة، وريكور يترك لقلمه حرية الانجراف وراء علاقة النص بالنص التي ينتج عنها كما يرى عالم النصوص أو الأدب الذي تتجلى فيه ظاهرة التناص منذ الخطوات الأولى لنشوئه. وقد اندفع بلوم تحت ضغط الأفكار التي روجتها مدرسة التحليل النفسي بريادة فرويد في بداية القرن العشرين إلى "إعادة كتابة التاريخ الأدبي من خلال عقدة أوديب". حيث يعتقد أن الشعراء يعيشون تحت هاجس القلق المستمر إزاء شاعر عظيم سبقهم سجلت قصائده حضورا تأثيريا لديهم، فيرى أن القصائد التي يكتبونها ليست سوى محاولة للخلاص من هذا التأثير وإزاحة ظل الشاعر العظيم والتنافس أو التماهي معه مثلما يفعل الأبناء الذين تطغى في لا وعيهم عقدة أوديب إزاء آبائهم، ومن هذا المنطلق يمكن قراءة القصائد كلها باعتبارها إعادة كتابة لقصائد أخرى"[7]. إلا أن التناص في حقيقته وضمن إطار رؤيوي خاص، هو: مجموعة من آليات الإنتاج الكتابي لنص ما، تحصل بصورة واعية أو لا واعية بتفاعله مع نصوص سابقة عليه أو متزامنة معه… إن كلمة التناص تحيلنا إلى ثلاثة مفاهيم هي (المصطلح، الظاهرة، المنهج)، سنفتح أبواب كل واحدة منها لنحددها بدقة ونرسم الفروق والاختلافات فيما بينها بوضوح، لأن أية دراسة نقدية في هذا المضمار عليها أن لا تخلط بين التناص مصطلحا وظاهرة ومنهجا بل أن تتعامل معها بدراية وتمحيص وأن لا تقع في دائرة التشويش الإجرائـي لها…

لقد ظهر مصطلح التناص حديثا في تاريخ النقد الأدبي تحديدا في منتصف الستينات من هذا القرن في أبحاث متفرقة نشرتها الناقدة جوليا كرستيفا في مجلتي تيل-كيل وكرتيك في فرنسا[8]، ثم استثمرته من بعدها جماعة تيل كيل التي طرحت من خلاله صيغة النص المتعدد الذي "يتوالد في الآن عينه من نصوص عديدة سابقة عليه"[9]، بينما كانت كريستيفا تدمجه مع كلمة أخرى هي Idéologème التي تعني لديها "عينة تركيبية تدخل في تنظيم نصي معطى بالتعبير المتضمن فيه أو الذي يحيل إليه" فيصبح التناص من وجهة نظرها هو "التقاطع داخل نص لتعبير مأخوذ من نصوص أخرى"[10]. وقد شاع تعريفها المحدد للتناص باعتباره التقاطع والتعديل المتبادل بين وحدات عائدة إلى نصوص مختلفة"[11]. بينما يرى د.شجاع العاني أن شكلوفسكي يعد أول من أشار إلى التناص عندما قال "إن العمل الفني يدرك في علاقته بالأعمال الفنية الأخرى وبالاستناد إلى الترابطات التي نقيمها فيما بينها"[12]. ويعد زميله تشيتشرن أيضا من أوائل من أشار إلى المصطلح في دراسته عن الأساليب الأدبية بقوله: "مفهوم الأسلوب يفترض تاريخيا وجود التتابع والصراع والروابط المتبادلة بين الأساليب"[13]. وحاول بعدهم الكثير من الباحثين تعريف التناص بصورة أكثر تحديدا مثل "أرفي، لورانت، رفاتير، سولرس، جينيت" وغيرهم، لكن تعريفاتهم باختلافاتها غير المذكورة ظلت تحوم حول النقطة الجوهرية التي طرحتها كرستيفا المتعلقة بإنتاج النص وعلاقته مع النصوص التي سبقته. ويرى د.محرر مفتاح أن كل تلك التعاريف لم تصغ تعريفا جامعا محددا للتناص محاولا استخلاص مقوماته على شكل نقاط من خلال تلك التعاريف في كتابه استراتيجية التناص. وقبل كرستيفا كان باختين في كتاباته المتأخرة قد تناول هذا المفهوم بطريقة أخرى وهو يعالج الشكل الحواري حيث كان يرى أنه مهما كان موضوع الكلام فإن هذا الموضوع قد قيل من قبل بصورة أو بأخرى". فهو يؤكد حتمية السقوط في دائرة التناص. ويرى تودوروف أن باختين يعتبر التناص "بعدا ضروريا وجوهريا في جميع أنواع الخطاب: المحادثة اليومية، القانون، الدين، العلوم الإنسانية" بينما يتضاءل دوره في العلوم الطبيعية، غير أن باختين يستخدم لهذا المفهوم مصطلح الحوارية بدلا من التناص "للدلالة على العلاقة بين أي تعبير والتعبيرات الأخرى"[14]، على العكس من نورثورب فراي الذي سعى إلى نبذ أي تاريخ باستثناء تاريخ الأدب، فالأعمال الأدبية عنده "مصنوعة من أعمال أدبية أخرى وليست من أية مادة خارجة عن النظام الأدبي نفسه"[15]. فهو ينظر إلى الأدب كما يشير تيري إيجلتن على أنه "دوران بيئي مغلق للنصوص". هذا المفهوم الرئيسي لمصطلح التناص الحديث يجعلنا نتعامل معه باعتباره ظاهرة قديمة شهدها تاريخ الحقل الأدبي، بل إنها أصبحت قانونه الطبيعي الذي لا مفر منه للنصوص المستقبلية، فهي أحد شروط الإنتاج الأساسية للعمل الأدبي التي سنمنحها مصطلح التناصية الذي يعرفه د.عبد الملك مرتاض بأنها "تبادل التأثر والعلاقات بين نص أدبي ما ونصوص أدبية أخرى"، ويؤكد بأن هذه الفكرة كان النقد العربي قد عرفها بصورة تفصيلية تحت باب السرقات الشعرية. فالتناص عنده عبارة عن "حدوث علاقة تفاعلية بين نص سابق ونص حاضر لإنتاج نص لاحق"[16]. ولم يتوقف النقد المعاصر عند حدود المصطلح الحديث والظاهرة القديمة بل جهد في تأسيس خطوة عملية وفي تحويل التناص إلى طريقة أو منهج إجرائي له أدوات ووسائل تحليلية تساعد الناقد أو القارئ المتخصص في كشف البنى التحتية للنصوص وتعرية دواخلها، حيث يقوم بعدة عمليات إجرائية مختلفة بينها د.خليل الموسى وهي: "الاستدعاء القصدي أو اللاقصدي التغايري أو التوافقي، والامتصاص الإسفنجي الموظف، والتداخل، والتحويل"[17]. وحاول د.محمد مفتاح تفصيلها ضمن تسميته لها بآليات التناص كالتداعي بقسميه التراكمي والتقابلي وبتفرعاته كالتمطيط بأشكاله المختلفة والتي من أهمها: 1) الأناكرام (الجناس بالقلب والتصحيف)، 2) الباكرام (الكلمة-المحور)، وكالشرح والاستعارة والتكرار، ثم الإيجاز المضاد للتمطيط[18]… وهي عمليات أركولوجية تتغلغل في حفريات النص وبواطنه العميقة، تدرس نسيجه الفني وعلاقاته الداخلية. ويرى أحد النقاد المعاصرين أن التناص، مفتاح لقراءة النص، لفهمه، لتحليله، لتفكيكه وإعادة تركيبه لمعرفة كيف ثم إنتاج الخطاب"، حيث يؤكد على ضرورة استخراج المصادر اللاواعية للنص، لأنها ستمكن الناقد من "ربط سياق النص الذي هو موضوع التحليل بسياق الثقافة التي تشكل النص في إطارها"[19]. ويشاركه ناقد آخر الرؤيا التي تضيف إلى مهام النقد مهمة جديدة هي البحث في مصادر النص، وفي وسائل التوظيف والاستشهاد أو ما يسمى بالتضمين أو استخدام التنصيص الذي هو طريقة من طرائق ربط نص بنص آخر وإدماجه في سياقه"[20]. وقد سبقهما الجرجاني في الوساطة في حثه النقاد على أهمية التسلح بالمعرفة الدقيقة في تعاملهم مع النصوص الشعرية، فهو يقول: "ولست تعد من جهابذة الكلام ولا من نقاد الشعر حتى تميز بين أصنافه وأقسامه وتحيط علما برتبه ومنازله، فتفصل بين السرقة والغصب، وبين الأغارة والاختلاس، وتعرف الألمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه، والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه، واجتباه السابق فاقتطعته"[21]. إن كلام الجرجاني هذا يحيلنا إلى مسألة مهمة وهي ضرورة التفرقة في التعامل مع المصطلحات التي تتقارب أو تختلف مع التناص ومفهومه، حيث لا زال الخلط مستمرا من قبل كثير من النقاد المعاصرين الذي يحاولون التوفيق بين مصطلحات النقد العربي القديم والمصطلحات الحديثة الوافدة من ساحة النقد الغربي المعاصر فيقومون بعملية تبادل الأمكنة والمواقع والمصطلحات دون الاهتمام والتركيز على التدقيق في حدود المصطلح وتعيين أبعاده المعرفية بوضوح، ومن أهم هذه المصطلحات هو: السرقة، فقد كان نقاد العرب القدامى قد فتحوا مجالات واسعة في الكثير من مؤلفاتهم لما أسموه بباب السرقات الأدبية وأدرجوا ضمنه معظم ما استطاعوا حصره من آليات إنتاج النصوص المرتبطة بنصوص سبقتها على مستوى الشكل والمضمون، وما ندرجه نحن الآن ضمن مفهوم التناص وآلياته وأقسامه، وحددوا للسرقة أصولا وقواعد أحصاها د.محمد شعيب منها: 1) أن السرقة لا تكون في المعاني العامة بل في الخاصة، يقول الجرجاني: "المعنى إما مشترك لا ينفرد أحد منه بسهم، فإن حسن الشمس والقمر ونحو ذلك مقرر في البداية وهو مركب في النفس، وصنف سبق المتقدم إليه ففاز به ثم تدوول بعده فكثر واستعمل فصار كالأول في الجلاء والاستشهاد، فحمى نفسه عن السرقة وأزال عن صاحبه مذمة الأخذ كما في تمثيل الطلل بالكتاب والبرد والفتاة بالغزال في جيدها وعينيها"[22]، 2) أخذ معنى وعكسه إلى ضده لا يعتبر سرقة، 3) أخذ معنى والزيادة عليه بتوليد شيء جديد لا يعد سرقة… يقول ضياء الدين بن الأثير في كتابه المثل السائر: "واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا، وكنت ألفت فيه كتابا وقسمته ثلاثة أقسام: نسخاوسلخا ومسخا، أما النسخ فهو أخذ اللفظ والمعنى برمته من غير زيادة عليه، وأما السلخ فهو أخذ بعض المعنى، وأما المسخ فهو إحالة المعنى إلى ما دونه"[23]: فشرعت عندهم السرقة أذرعها لاحتضان آليات التفاعل مع النصوص السابقة ضمن بعدها القصدي الواعي باستثناء آليات التوليد والإبداع. فها هو الحاتمي في حلية المحاضرة يحاول لم شمل أطراف عديدة (آليات) بمسمياتها ينسبها تحت باب السرقة وهي: "أ) الإصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، ب) الاجتلاب: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه على جهة المثل ويسمى ذلك أيضا الاستلحاق، ج) الانتحال: أن يدعي الشاعر شعر غيره وينسبه إلى نفسه على غير سبيل المثل، د) الاهتدام: هو السرقة فيما دون البيت، هـ) الإغارة: أن يصنع الشاعر بيتا ويخترع معنى مليحا فيتناوله من هو أعظم منه ذكرا وأبعد صوتا فيأتي به دون قائله، و) المرافدة أو الاسترفاد: أن يستوعب الشاعر غيره بعض ما يعجبه من شعره"[24]، إلى الدرجة التي أصبحت فيه كالهواء الذي يتسرب ويتغلغل في أغلب منافذ الكتابة كما هو حال التناص وطبيعته الحتمية في عملية الكتابة. فابن رشيق يقول: "هذا باب متسع جدا لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه"[25]. غير أنهم استخدموا مفهوم السرقة كمعيار أخلاقي وليس كمعيار نقدي صرف في التعامل مع النصوص، وحولوا استخدام الآليات الإنتاجية التي أدرجوها ضمن باب السرقة إلى قضية أصولية تستند إلى أعراف أدبية قد اتفقوا عليها مسبقا لذا يجب أن تخضع النصوص لميزانها، فمن خرقها يستحق الذم والاستهجان، والنصوص السابقة يسجل لها التاريخ قاعدة الأفضلية، دون التركيز على الشكل الجديد والاهتمام بتقنيته الأسلوبية. ويرى د.خليل الموسى في سعيه للمقارنة بين مفهومي التناص والسرقة وإقامة الفواصل الحدودية بينهما أن هناك ثلاثة فروق أساسية بينهما، أولا على مستوى المنهج: فالسرقة "تعتمد المنهج التاريخي التأثري والسبق الزمني، فاللاحق هو السارق، والأصل الأول هو المبدع والنموذج الأجود" بينما يعتمد التناص على "المنهج الوظيفي ولا يهتم كثيرا بالنص الغائب"، ثانيا على مستوى القيمة: فناقد السرقة الأدبية إنما يسعى لاستنكار عمل السارق وإدانته، في حين أن ناقد التناص يقصد إظهار البعد الإبداعي في الإنتاج، وثالثا على مستوى القصدية: ففي السرقة تكون العملية قصدية واعية بينما في التناص تكون لا واعية"[26]. ونحن لا نشاطر د.خليل في اختلافه الأخير لأنه ليس التناص لا واعيا فقط بل هناك قسما منه ذو طبيعة قصدية واعية، وهو لا يرى وجها للتشابه بين مفهوم السرقة العربي ومفهوم التناص الغربي، حيث يرى أن مفهوم التأثر والتأثير الذي بنيت وفق مبدئه مدرسة الأدب المقارن الفرنسية هو الأقرب إلى مقولة السرقات الأدبية في نقدنا العربي القديم اعتمادا على المبدأ التاريخي الذي يعطي أولوية الفضل للسابق قبل اللاحق.."[27].

إننا لو محصنا قراءتنا في معجم النقد العربي القديم للاحظنا أكثر من مصطلح يتعامل مع علاقة النصوص فيما بينها غير مفهوم السرقة الأدبية مثل:

1 ـ توارد الخواطر: سئل أبو عمرو بن العلاء عن شاعرين يتفقان على لفظ واحد ومعنى واحد فقال "عقول رجال توافق على ألسنتها"، وقيل للمتنبي: معنى بيتك هذا أخذته من قول الطائي؟ فأجاب: "الشعر جادة، وربما وقع حافر على حافر"[28]، فقد أزال توارد الخواطر شبهة السرقة عن النص اللاحق لاعتماده على احتمال وقوع المصادفة على مستوى المعنى أكثر من اللفظ لتقارب لغة التعبير، ويمكننا إدراجه في التناص اللاواعي.

2 ـ التوليد: يقول مؤلف أسس النقد الأدبي عند العرب: المقصود بهذه الظاهرة أن "يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه أو يزيد فيه زيادة"[29]، وقد فلت هذا المفهوم من طوق السرقة بتجاوزه السقوط في شرك التشابه والأخذ أو القصور عن البلوغ بقطعه شوطا متميزا في تحسين المعنى المتناص أو القياس بإخصابه وتكثيره.

3 ـ الإبداع: وهو تناول معنى سابق "وإخراجه في أسلوب جديد وعبارة لم يسبق إليها" لتتنحى عنه مذمة السرقة لكونه فاق اللاحق وتميز عليه بجدة المعنى…

4 ـ التضمين والاقتباس: وهو أخذ لفظ أو معنى وتنسيقه داخل النص الجديد لغايات متعددة كالاستشهاد أو التشبيه أو التمثل أو سوى ذلك، ولا تقترب منه السرقة لأنه واضح التصريح والتلميح، يقول د.خليل: "يظل النص التضميني دخيلا أو ثقافيا تزيينيا، ويظل المقطع التضميني أو الاقتباس هو الذي يتكلم في النص الجديد وهو الذي يشرح ويفسر"[30]

إن هذه المصطلحات النقدية وبضمنها السرقة هي عبارة عن آليات تتعلق بعملية إنتاج النصوص وعلاقتها فيما بينها، لذا فهي من حيث المبدأ ووفق طبيعتها الإجرائية الكتابية يجب أن تنضم إلى مجال تخصصي واحد يشرف عليها ويعتبرها جزءا من اهتماماته الأساسية وهو علم التناص الذي يهتم بدراسة وبحث كيفية كتابة النصوص وكشف آلياتها الإنتاجية في إطار علاقتها المتفاعلة مع النصوص الأخرى، حيث يجب الآن إعادة النظر في الكثير من المصطلحات النقدية ذات الاهتمامات المتقاربة…

لقد سعى الكثير من النقاد المعاصرين إلى وضع التناص في تقسيمات ثنائية وثلاثية لتحديد أبعاده والإلمام بطرائقه، ومن التقسيمات الثلاثية للتناص ما قام به كل من كريستفا وجان لوي هودبين بملاحظتهما أن للتناص أو لإعادة كتابة النص الغائب ثلاثة قوانين هي: 1) الاجترار: عملية إعادة كتابة النص الغائب بوعي سكوني وتمجيد بعض المظاهر الشكلية الخارجية، 2) الامتصاص: عملية إعادة كتابة النص الغائب وفق حاضر النص الجديد ليصبح استمرارا له متعاملا معه بمستوى حركي وتحولي، 3) الحوار: عملية تغيير النص الغائب ونفي قدسيته في العمليات السابقة[31] بينما حصر جينيت في كتابه استراتيجية الشكل التناص في ثلاثة أصناف وهي: "1) التحقيق: إنجاز معنى أو مضمون كان في تراث النصوص السابقة يشكل وعدا، 2) التحويل: أخذ معنى والذهاب به إلى أبعد مما هو عليه، 3) الخرق: التجاوز على معنى ما والتضاد والتناقض معه[32]. واشتهر تقسيم ثنائي للتناص هو: 1) الظاهر أو الصريح، 2) المستتر. لكن د.شجاع العاني آثر أن يرفده بضلع ثالث هو: 3) نصف المستتر  ويعني به "النوع الذي يلمح له المؤلف تلميحا لا تصريحا، وغالبا ما يتم هذا التلميح في عنوانات النصوص وبطريقة مموهة"[33]، غير أن د.شجاع يعود إلى الرؤيا الثنائية التي يلاحظها في طبيعة التناص، حيث يرى أن هناك تناصا داخليا يعيد فيه الكاتب إنتاج ما سبق أن كتبه، وتناصا خارجيا يعيد فيه إنتاج ما أنتجه غيره[34]، فهو يضع الكتابة في محيط مغلق ذو دائرتين متداخلتين، وهو أيضا لا يكتفي بهذا التقسيم، فينظر إلى التناص من زاوية أخرى تحيله إلى فرعين هما: التناص غير الواعي، والتناص الواعي، ويعتبر الأول هو المهيمن على النصوص أكثر من الثاني، فيضفي بعدا نفسيا في عملية إنتاج النصوص أما د.محمد مفتاح فيشير إلى وجود تناصين: الأول–العشوائي وهو الذي تغيب فيه الإحالة، والثاني-الواجب وهو الذي ينطوي على إحالة صريحة[35]، وهو نفس التقسيم الذي أضاف له د.شجاع فرعا ثالثا ليمنحه دقة موضوعية. وهناك تقسيم مشترك بين فورلشينوف وباختين للتناص إلى: خطي –وهو الذي يقترب من التضمين والاقتباس بوجود الإحالة أو غيابها، وتصويري- وهو مستتر يخفي النص الغائب في نسيجه[36]، وهو أيضا لا يختلف عن التقسيم السابق في طبيعة الإشارة، والفارق هو اختلاف المسميات. إن التقسيم الأساسي الأولي للتناص هو الذي يمنحه بعدين تفريقيين من حيث الطبيعة الإجرائية هو معيار القصدية إلى تناص واعي وتناص لا واعي، فلا زال الكثير من النقاد المعاصرين يعتقدون أن التناص ذو طبيعة لا واعية فقط لأنه نتاج القراءة الأثرية المطموسة في أعماق الكاتب. يقول د.عبد الملك مرتاض: "التناص هو الوقوع في حال تجعل المبدع يقتبس أو يضمن ألفاظا وأفكارا كان التهمها في وقت سابق ما دون وعي صريح بهذا الأخذ المتسلط عليه من مجاهل ذاكرته ومتاهات وعيه"[37]، ويشاركه الرأي د.خليل الموسى في تعريفه للنص الغائب: "يمتص ويتحول ويذوب ولا يعود له إلا وجود إيحائي، فإذا زاد وجوده على ذلك خرج عن حدود التناص والإبداع إلى حدود التأثر والتأثير والمحاكاة والتقليد لأن حضور الأصل يظل مطموسا وطاغيا"[38]. بينما تظهر لنا قراءة كثير من النصوص آليات تناصية متعددة مقصودة في تعاملها مع النص الغائب/المرجع، مثلما أظهرته التقسيمات السابقة، غير أن بعض النقاد المعاصرين يعتبرون أن الإبداع شرط التناص لكونه لا واعيا منطلقين من مقولات مدرسة التحليل النفسي التي تؤكد أن اللاوعي هو منبع الإبداع، وفي هذه الحالة تسقط صفة الإبداع عن التناص الواعي القصدي الذي قد يبتكر أشكالا جديدة عبر آلياته المختلفة وتقنياتها في التوازي أو التقاطع مع شبكة النصوص الغائبة. وإذا ما اعتبرنا أن كل أدب أو كل نص هو تناص كما يجزم الكثير من الباحثين[39]، فهل سيكون الأدب كله أو كل نص إبداعيا؟ إن الإبداع أو الأصالة "لا تنحصر في ابتكار أفكار جديدة بقدر ما تنحصر في التأليف بين أفكار قديمة أو إدخال بعض التعديلات على ما انحدر إليه من طرز فنية قديمة"[40]، والإبداع في نظر لالاند هو "إنتاج شيء ما على أن يكون هذا الشي جديدا في صياغته وإن كانت عناصره موجودة من قبل"…

هذه القراءة العجلى أتاحت لنا إلقاء نظرة سريعة على المشهد النقدي للتناص مصطلحا وظاهرة ومنهجا، وسعت إلى كشف وإزالة الضبابية التي شوشت عليها، ودعت إلى ترسيخ دعائم علم للتناص وتعزيز دوره في المناهج النقدية المعاصرة، آملين أن تكون قد نجحت في إضافة خطوة جديدة في هذا الطريق…n

 

 



[1] ـ بارت، (من الأثر الأدبي إلى النص)، ت.عبد السلام بنعبد العالي، مقال من مجلة الفكر العربي المعاصر، ع28، آذار 1989، بيروت، ص115

[2] ـ حسين خمري، (إنتاج معرفة بالنص)، مقال في مجلة دراسات عربية، ع11-12، السنة 23 أيلول-تشرين أول 1987، بيروت، ص115.

[3] ـ د.شجاع العاني، (الليث والخراف المهضومة دراسة في بلاغة التناص الأدبي)، مقال في مجلة الموقف الثقافي، ع17، السنة الثالثة 1998، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ص84-105.

[4] ـ بارت، (نظرية النص)، ت.محمد خير البقاعي، مقال في مجلة العرب والفكر العالمي، ع3، صيف 1988، بيروت.

[5] ـ محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، ط2، 1985، دار التنوير بيروت، ص252.

[6] ـ ديفيد هوي، (النص والسياق)، ت.خالدة حامد، مقال في مجلة الثقافة الأجنبية، ع1، 1998، السنة 19، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ص43-46.

[7] ـ تيري إيجلتن، مقدمة في النظرية الأدبية، ت.إبراهيم العلي، دار الشؤون الثقافية، 1992، ص197.

[8] ـ (إنتاج معرفة بالنص)، ص102.

[9] ـ مارك أنجينو، في أصول الخطاب النقدي الجديد، الفصل الخامس بمفهوم التناص في الخطاب النقدي الجديد، ت.أحمد المديني، ط1، 1987، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ص99.

[10] ـ إنتاج معرفة بالنص، ص102.

[11] ـ الليث والخراف المهضومة، ص84.

[12] ـ الليث والخراف المهضومة، ص82.

[13] ـ خيرة حمر العين، جدل الحداثة في نقد الشعر العربي، منشورات اتحاد كتاب العرب، 1996، دمشق، ص116.

[14] ـ تودوروف، المبدأ الحواري، ت.فخري صالح، ط1، 1992، بغداد، ص82-85.

[15] ـ مقدمة في النظرية الأدبية، ص102.

[16] ـ د.خليل الموسى، (التناص والأجناسية في النص الشعري)، مقال في مجلة الموقف الأدبي، ع205، أيلول 1996، السنة 26، دمشق، ص83.

[17] ـ التناص والأجناسية، ص81.

[18] ـ د.محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)، دار التنوير، ط1، 1985، بيروت، ص125.

[19] ـ أصول الخطاب النقدي الجديد، ص82-99.

[20] ـ إنتاج معرفة بالنص، ص84.

[21] ـ د.محمد شعيب، المتنبي بين ناقديه، دار المعارف بمصر 1964، ص183.

[22] ـ المتنبي بين ناقديه، ص186-188.

[23] – المتنبي بين ناقديه، ص184.

[24] المتنبي بين ناقديه، ص182-183.

[25] – تحليل الخطاب الشعري، ص122.

[26] ـ التناص والأجناسية، ص84.

[27] ـ التناص والأجناسية، ص82.

[28] ـ المتنبي بين ناقديه، ص186-187.

[29] ـ المتنبي بين ناقديه، ص186-187.

[30] ـ التناص والأجناسية، ص82.

[31] ـ ظاهرة الشعر، ص253.

[32] ـ الليث والخراف المهضومة، ص85.

[33] ـ الليث والخراف المهضومة، ص96.

[34] ـ الليث والخراف المهضومة، ص83-84.

[35] ـ الليث والخراف المهضومة، ص96.

[36] ـ الليث والخراف المهضومة، ص96.

[37] ـ التناص والأجناسية، ص83-84.

[38] ـ التناص والأجناسية، ص82.

[39] ـ جدل الحداثة، ص116.

[40] ـ د.أبو طالب محمد سعيد، علم النفس الفني، مطبعة التعليم العالي، الموصل-العراق، 1990، ص50-176.