ص1      الفهرس    21-30

حرية المتكلم؟

مصطلح الاتساع والمفاهيم المرتبطة به في النحو العربي

 

كيس فرستيغ Kees Versteegh

ترجمة  : بوشعيب برامو بمراجعة المؤلف

 

 

ما يمكن عده جد ممتع في تاريخ مصطلح الاتساع هو تطوره من مصطلح تركيبي Syntactic Term خاص بمجال ضيق(17)، إلى مصطلح عام General Term يشير إلى الاختيار الفردي Individual Choice ويشير، فضلا عن ذلك، إلى مرونة اللغة العربية. يتعايش معنيا المصطلح معا، لهذا يمكن أن نجد نفس الاصطلاح في سياق مختلف جدا(18): إذ نجده في مناقشة ابن السراج التقنية للبنيات التركيبية الأصل، Original Syntactic Constructions ونجده كذلك في مناقشة الثعالبي لمختلف إمكانات الاتساع في اللغة العربية ضمن كتابه "فقه اللغة وسر العربية".

 

إن الفرضية الأصلية الثاوية خلق هذا العمل، هي اعتقادي أن مفهوم الاتساع يرتبط، بشكل من الأشكال، بالحرية الفردية للمتكلم. إلا أنني توصلت، الآن، إلى نتيجة مفادها أنه لم توجد أية علاقة من هذا النوع، على الأقل، في المرحلة الأولى للنحو العربي. وبالمقابل، أوحي بالحرية الفردية، إلى حد ما، في أفكار أحد النحاة، وهو تلميذ سيبويه قطرب (انظر فرستيغ 1983).

سأنطلق –حسب ما أعرف- من الورود الأول لمصطلح الاتساع والكلمات المشتقة من نفس الجذور (توسع-سعة) في كتاب سيبويه (ج1، ص108) في الفصل المعنون بـ (باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام والإيجاز والاختصار).

استعمل مصطلح الاتساع من لدن سيبويه ليشير إلى ثلاث ظواهر تركيبية Syntactic Phenomena خاصة، إذ العلاقة بينهما ليست واضحة للوهلة الأولى وهذه الظواهر الثلاث هي:

1 ـ تعويض المضاف إليه كما جاء في الآية القرآنية: "اسأل القرية" يوسف/28 (حيث بنيتها الأصل) هي: اسأل أهل القرية.

2 ـ استعمال ظرفي الزمان والمكان كمفعول به للفعل مثل:

*سرت يوما

3 ـ استعمال المصدر كمفعول به للفعل مثل:

*ضربت ضربا شديدا

لنبدأ بالتركيب الأول الذي يصفه سيبويه كحالة بسيطة للاختصار. إن التعبير اللفظي للآية هو "اسأل القرية"، لكن ماذا يقصد الله تعالى بقوله؟ (إنما يريد) "اسأل أهل القرية"، ونفس الصنيع يقع في آيات أخرى (البقرة/171، 177 سبأ/33) ولكن هناك اختلافا بين هذه الحالات والحذف العادي Ordinary Deletion، كما يشير إلى ذلك ابن السراج (الأصول، ج 2، ص255)(1)، يختفي في الحذف العادي العامل Gouverning Word من التركيب ويبقى المعمول Gouverned Word، في حين تظل العلاقة الإعرابية Declensional relationship بينهما دون أن تتغير. إلا أنه في التركيب الذي نحن بصدده، لم تفقد العلاقات الإعرابية فيه شيئا، إذ التغيير طال المعنى: في المثال المستشهد به أعلاه غرابة، لأنه لا يمكن الحديث مع القرية في الواقع الفعلي.

إذا قمنا، الآن، بإطلالة من الكتابة إلى شرح السيرافي له نلفي السيرافي يصف نفس التراكيب من خلال الحقيقة والمجاز(2). يكشف هذان المصطلحان نفس الاختلاف المحال إليه من لدن سيبويه حين يقول إن ما يقصده الله تعالى، حقا، بالآية "اسأل القرية" هو "اسأل أهل القرية". إذ يتبدى أن هناك تعارضا بين مرجع الكلمات المتلفظ بها والمرجع المقصود. حيث يشير إلى أن هذا الأخير، أي المرجع قبل أن يطاله تغيير على مستوى المعنى، يطابق الحقيقة. في حين أن مرجع الكلمات المتلفظ بها قد استعملت كمجاز، أي خروج الكلام على مقتضى الظاهر، مطابقا لما يسميه سيبويه الاتساع.

يعد التركيبان الآخريان، إلى حد ما، أكثر تعقيدا. إذ يمكن في حالة العبارات الظرفية Adverbial Expression أن يؤول النصب Accusative بطريقتين اثنتين: يمكن أن يحمل على الظرفية، وفي هذه الحالة، نكون بصدد ظرف حقيقي مثل:

*قمت اليوم

ويمكن أن يحمل على المفعولية. ونفس الشيء يقال بالنسبة للمصادر Infinitives كما في الجملة التالي:

*ضربته ضربا

يمكن أن تؤول هذه الجملة على أنها تحتوي على مفعول به ومصدر كما يمكن أن يقال إنها تتوفر على مفعولين.

إلا أن هذا الاختلاف في التأويل غير جلي في الجملة المحققة، كما تلفظ بها المتكلم، إنه خاضع للتأويل الدلالي للجملة Semantic Interpretation. بالرغم من هذه الوضعية، هناك طرف للكشف أنحن أمام ظرف كمفعول فيه أو مصدر كمفعول مطلق من جهة، أم أمام مفعول به، من جهة أخرى؟ وهي كما يلي:

1 ـ يظل، عند البناء للمجهول Passive Construction، الظرف الحقيقي أو المصدر الحقيقي محتفظين بحالة النصب، في حين يصبح المفعول به مرفوعا Nominative (نائب الفاعل) كما في:

*قيم اليوم

*ضرب ضرب.

2 ـ يتبدى في حالة الإحالة العائدة، Anaphorical référence المعنى الضمني Implied meaning للعبارات الظرفية (الزمان أو المكان)(3)، في حين يظل المفعول به مفعولا به في حالة وروده ضميرا متصلا كما يلي:

*قمت فيه

*قمته

أما في حالة المصدر فيمكن أن نستشهد بمثال لأبي حيان (شرح التسهيل، عن السيوطي، الأشباه، ج1، ص15).

*الكرم أكرمته زيدا

3 ـ يمكن لهذه العبارات (الظروف والمصادر) أن ترد في حالة الجر Genetive كما هو الحال بالنسبة لمفعول اسم الفاعل(4)، في حين تظل الظروف والمصادر الحقيقية منصوبة كما في:

*أنا ضارب الضرب زيدا

والعبارة المقتبسة من سيبويه،

*يا سارق الليلة الثوب زيدا(5).

لقد أضحت، الآن، العلاقة جلية، بين التراكيب الثلاث، مادام كل هذه الحالات تضمنت خرقا للعلاقة العادية بين الصورة Form والمعنى Meaning، أي أن هناك تعارضا بينهما، أو كما صاغها Heinrchs (1984: ص122 وما بعدها) قد خرقت الوظيفة الانعكاسية للغة. لقد عد، ضمن كتاب سيبويه، هذا الجانب من استعمال اللغة، ظاهرة طبيعية في اللغة العربية بسبب سعة هذه الأخيرة. ولقد أشير إلى كل هذه التراكيب في كتاب سيبويه بعبارات اشتقت من نفس الجذور (على السعة، اتساعا، يتسعون، توسع)(6). فالحكم على قول أينتمي إلى مقولة الاتساع أم لا يتأسس على معنى هذا القول، لهذا فإن للحس المشترك دورا كبيرا في هذا الحكم: إننا نعرف، انطلاقا من التجارب اليومية، أنه ليس من الممكن أن "نسأل القرية" أو أن "نسير اليوم" بنفس الطريقة التي نضرب بها شخصا.

سينصب اهتمامي، أولا، فيما سيأتي، على تراكيب الاتساع داخل النسق التركيبي لسيبويه، وبعد ذلك سأحاول الإجابة على سؤال آخر حول ما حدث بين سيبويه والسيرافي لتفسير الانتقال من اصطلاح الاتساع إلى ثنائية الحقيقة والمجاز. رأينا سابقا أن الاتساع استعمل في العملية التي تخرج بمقتضاها الكلمة عن الحدود من كتاب سيبويه (ج1، 89 .22) ليشير إلى ضد سعة الكلام (انظر Levin  1979: 211) لنستعمل الاصطلاح المحلي: يمكننا القول إن الكلمة تهجر منزلتها وتحتل موضعا آخر (انظر فرشتيغ 1978).

انطلاقا من تحليل Levin  فحد الكلام يعني الاستعمال العادي للكلام، لكن معنى المصطلح، على الأصح، في الفقرة المستشهد بها، هنا، هو التقييد الذي تفرضه اللغة على المتكلمين –يمكن أن نحيل إلى مصطلح "ضاق" الذي يرد عادة في نفس السياق- والذي يمكن أن يترخص فيه بواسطة الاتساع. فسيبويه لا يعيد بناء التراكيب الحذفية المفترضة Supposedly Elided Construction، كما يعتقد (بعلبكي 1983: 16) في عمل الجرجاني، ولكنه –سيبويه- يعيد بناء المعنى المقصود بوصفه مختلفا عن المعنى البديهي أو العادي للقول Utterance. ويمكن أن نقول، من خلال هذه الأمثلة، إن النحوي قد شغل نفسه بالتطابق الدلالي Semantic Counterpart للفظ كعامل تفسيري Explanatory Factor لتأويل الجملة.

إن الانطباع العام الذي نستشفه من خلال هذا الاصطلاح المحلي Local Terminology يتجلى من خلال الحقل، بنية محلية، Local Structure الذي تحوم حوله الكلمات. وفي أكثر من مناسبة أشار كارتر (كارتر 1968/1974) إلى ترابط المصطلحات النحوية Grammatical Terminology والمصطلحات الفقهية Legal terminology. أتفق معه، إلى حد بعيد، في وجود هذا الترابط. لكنني أخالفه الرأي حول الأسبقية الزمنية. في نظرنا، لقد تطور المصطلح النحوي قبل توطيد المذاهب الفقهية المقننة Formalized Legal Doctrines وعلى الأقل، تطور كلا الاصطلاحين في نفس الزمن. وما أختلف فيه مع كارتر، فضلا عن ذلك، هو الهدف ومجال الاصطلاح الفقهي في النظرية والتحليل النحويين. يقول كارتر إن النحو مجموعة من القواعد التي تأمر أو توجه، في نفس الوقت، السلوك اللغوي للمتكلم، غالبا، بنفس الطريقة التي تضبط بها القواعد الأخلاقية Ethical rules  سلوكه الاجتماعي (انظر كارتر 1983).

من الواضح، الآن، أن المتكلم يلعب دورا مهما في الكتاب، ويعد المصدر والمعيار الأساس على صحة الكلام. ويشارك، بطبيعة الحال، في تحقيقه. ليس هذا فحسب، بل يلعب حكمه أيضا دورا مهما في التأويل: تحليل الجملة من مستوى التحقيق (البنية السطحية) إلى البنية التحتية، كما هو باد من خلال مفاهيم مثل: استكراه، كثرة الاستعمال، وكذلك الإضمار والاختصار. وفي مستوى آخر فإن المتكلم مسؤول عن تضمين الكلام Implication speech كما توضح ذلك G.Ayoub(7). لكن قواعد النحو لا تحيل إلى المتكلم بقدر ما تحيل إلى عناصر اللغة. إن تصور اللغة كنسق تتصرف مكوناتها بشكل ذاتي (بوصفها نسق) وتتوفر على تناسق داخلي قد تم بلورته من لدن (Weil 1915). طبقا لهذه النظرة، يمكن القول إن القواعد النحوية Grammatical rules تصف سلوك العناصر اللغوية داخل النسق.

إن تعقيد الاتساع مرتبط، بشكل وثيق، بهذا التصور. إذ نجد، ضمن الفقرات التي تحيل إلى سعة الكلام (كخاصية من خصائص اللغة)، والاتساع (كفعل من أفعال المتكلمين)، إحالة مألوفة إلى تصرف العناصر(8). ولقد فسر ذلك، بشكل جلي، من لدن أبي حيان في شرح التسهيل (عن السيوطي الأشباه، ج1، ص15). وانطلاقا من عمل أبي حيان ليس لكل (مفعول به مجازا) نفس القدر من المرونة (التصرف) لينقطع عن أن يكون ظرفا ويتصرف كالأسماء الحقيقية. والتصرف في هذه الحالة، يعني القدرة على تقبل حركات إعرابية أخرى vowels، أي يأخذ صورا أو حالات مختلفة، إذ يعد هذا من متطلبات سيرورة الاتساع. وبتعبير آخر فإن الظرف الذي نحن بصدده يجب أن تكون له القدرة الذاتية على الانتقال إلى حالة الرفع State of Nominative أو  إلى حالة الجر Genetive، وإلا فلن يمكنه المساهمة في التركيب الموسع(9). إن مصطلح التصرف بالإضافة إلى مصطلح التمكن الذي يناظره، يثيران صورة طبقة من الكلمات، إن صح التعبير: يحيلان إلى سلوك الكلمات داخل نسق مكاني ما.

قد استعمل مصطلح التصرف، أيضا، في أكثر من معنى صوتي Phonetic، مثلا عندما يشير إلى إبدال Permutation الجذور (الخليل عن الأزهري التهذيب، ج1، ص49)، أو عندما يقول ابن جني إن تصرف مختلف الصوامت Consonants محصور بواسطة قيود Contraints، مثل القيد على تآلف بعض الصوامت (الخصائص، ج1، 64 السطر 5 وما بعده). هذه القيود تمنع الاستعمال الحر للعناصر اللغوية "وهو الاتساع به في الأسماء والأفعال والحروف". ويمكن أن نضيف أن مصطلح التصرف ضمن المصطلحات الفقهية يشير إلى التدبير الحر Free Disposition –مرتبط غالبا بالمعنى المالي- لبعض فئات الناس في المجتمع كالعبيد والنساء(10). فضلا عن ذلك، هناك بعض الإشارات التي تومئ إلى أن لمصطلح (التصرف)، ضمن الاصطلاح الاعتزالي، ارتباطا بمفهوم الحرية.

فعلا، إنه من الضروري لفت الانتباه إلى اختلاف الاتساع/السعة من جهة، والتقدير من جهة أخرى. ففي حالة التقدير، يمثل للبنية التحتية للجملة أو يعاد بناؤها قصد تفسير التحقيق السطحي للقول. ذهنيا، ليس هناك إدراج للدلالة، التي من المفروض، أن تظل هي نفسها طوال سيرورة بناء الكلام (بعلبكي 1983). أو بتعبير آخر، إن التقدير هو السيرورة التي من خلالها تقاضي أفعال المتكلمين التي هم مسؤولون عن تحقيقها. لكن في حالة الاتساع ليس هناك شيء غير ملائم في التركيب، وليس هناك انحراف عن القواعد العادية التي تحتاج إلى تفسير: إنما هناك انزياح في المعنى.

يسترجع المعنى الفعلي أو المقصود للقول بواسطة التأويل من لدن النحوي. ويصبح هذا التأويل ضروريا لأن الاتساع يحتل مكانا في المستوى الدلالي: "اتساعا واعتمادا على المعنى" (الجراجاني، المقتصد، ج1، 100-12). من البديهي أن الاتساع، من هذا النوع، يمكن أن يقود، كذلك، إلى التأرجح Ambivalence الذي يتعين على المؤول أن يأخذه بعين الاعتبار، لأن مفهوم الاتساع انتقل من المتكلم إلى المؤول: "يتسع التأويل بحسب ما تحتمله ألفاظه من المعاني" (السيوطي الإعجاز، ج1، 305-10-12) ويمكن عد هذا أثرا سلبيا ناتجا عن الاتساع. وهذا ما نجده في مناقشة ابن جني للتوكيد الذي يلي الاسم "لرفع اللبس وإزالة الاتساع" (اللمع 34 السطر، 12 وما بعده)(11).

إن الباعث الذي يقدم، عادة، كمحفز للاتساع هو الرغبة من جهة المتكلم في الإيجاز، مادام هذا الأخير يعد أحد خصائص الكلام البليغ. ولكن هناك أكثر من حافز عام، اقتبسه السيوطي من أحد معارضيه الذين يقرون أنه يمكن أن لا يكون هناك مجاز في القرآن الكريم. لأن –المجاز- ظاهرة لا يستعملها المتكلم إلا إذا "ضاقت الحقيقة فيستعير" (الإعجاز، ج1، 246-13-15).

ينقلنا الاصطلاح المستعمل في القول المقتبس من كتاب السيوطي –الإعجاز- إلى السؤال الثاني الذي مفاده كيف يتم الانتقال من الاتساع إلى المجاز؟ أو بالأحرى كيف يتم تلاحمهما Coalescence ما دام كلاهما ظل مستعملا؟ يستخلص (Heinrichs 1984: 139) في دراسته لثنائية حقيقة/مجاز أن المجاز استعمل أصلا من لدن النحاة، إن لم يكن من لدن سيبويه، للإشارة إلى أن القرآن الكريم لا يمكن أن يؤخذ، دائما، على ظاهره. إذ يجب أن يخضع، في بعض الأحيان، إلى التأويل. وبهذا المعنى قد استعمل، لأول مرة، من لدن أبي عبيدة (توفي 210/825) للإشارة إلى لائحة طويلة من الظواهر حيث يعد الاتساع التقني واحدا منها. وهناك أمثلة أخرى تحصر الاتساع في استعمال المذكر عوض المؤنث واستعمال الجمع عوض المفرد…الخ.

ويجدر التنبيه إلى أنه في هذا السياق قد استعملت الحقيقة على أنها "المعنى الحرفي" Literal Meaning أو "التأويل الحرفي" Literal Interpretation، وليس باعتبارها "العالم الحقيقي" Real Word، "التعبير الفعلي" Actual Wording الذي سبق أن صادفناه، في مكان آخر، مرتبطا بالاتساع. وهذا، أيضا، هو معنى الحقيقة الذي استعمله المبرد (المقتضب، ج3، 105-6) الذي يقابل فيه الاتساع بحقيقة اللغة، أي المعنى السطحي للقول Surface Meaning of the Utterance أو التأويل العادي للجملة.

لقد أصبح جليا، من خلال الأمثلة التي اقتبسها أبو عبيدة، أن همه المباشر كان هو تأويل القرآن الكريم، وخاصة تلك الآيات التي لا يمكن أن تؤخذ على ظاهرها، ولكن يجب أن تمنح معنى مشتقا Undelying Meaning مختلفا. ونجد، في تفاسير القرآن الكريم، بالنسبة لهذه الظواهر، تفاسير جد بسيطة تجري في تعابير غير تقنية: "المعنى هو…" و"إنه يقصد"…الخ.

من الآن فصاعدا، اكتسب مصطلح الاتساع معنى مزدوجا. فمن جهة، كما رأينا سابقا، ظل معمولا به في التركيب التقني الموصوف هنا، ومن جهة أخرى، استعمل، أيضا، بمعنى أوسع لسيرورة الاتساع عموما. ولكي يجد المفسرون تبريرا لتأويلاتهم للقرآن الكريم كانوا يعودون، غالبا، إلى ما يسمونه "سعة" Spaciousness، "اتساع" Wideness اللغة العربية. ويعد الشافعي من الأوائل الذين استعملوا المصطلحين في رسالته (50-3-52-1). إن خاصية سعة الكلام، الاتساع هاته، تميز اللغة العربية عن كل اللغات الأخرى. وهكذا أمسى الاتساع، بهذه الصورة، يشكل قمة Topos في الكتابات العربية حول اللغة بقدر ما أضحت، كذلك، مرتبطة بخصائص أخرى كالغنى المعجمي Richness in Words (ابن فارس، الصاحبي، 12 السطر 18 وما بعده). وعليه جعل بعض المؤلفين من وجود المترادفات Synonyms في اللغة العربية دليلا على هذا الغنى(فارسي، بغداديات 533. 7-9): "توسع بالألفاظ". ويرى آخرون، أيضا –مثل قطرب (عن ابن الأنباري الأضداد ص10 وما بعدها)- في وجود الأضداد في اللغة العربية دليلا على مرونتها. ولا شك أن لهذا، هنا، علاقة بالردود على الموالين للشعوبية.

إنه من المعروف جدا أن مفسري القرآن الكريم قد استمدوا دعما مهما داخل دائرة المعتزلة. لما كان تأويل النص المقدس، من قبل، إما فعلا تقيا أو مشروعا من أجل مذهب فقهي، كانت المعتزلة تهتم بشكل قوي بالتطابق اللاهوتي للنص القرآني. إذ كانت الأولوية بالنسبة لها –المعتزلة- معارضة التأويل التجسيمي Anthropomorphic Interpretation لبعض الآيات القرآنية، وكذلك لمعارضة الجبرية Determinism التي كان بعض الفقهاء يستنبطونها من النص القرآني.

يمنح مفهوم الاتساع للمعتزلة قوة في مناقشتها للتجسيميين Anthropomorphists والجبريين، مادام قد مكنها من تقديم تأويل استعاري Metaphorical Interpretation للنص القرآني. بل الأدهى من ذلك، أنه يمكن أن ندعي أن هذا المفهوم كان منسجما جدا مع أفكارها حول دور العامل الإنساني. وأننا نعلم أن المعتزلة، في مناقشتها لأصل الكلام Origin of speech ومنزلة القرآن، تؤكد على أن كلا من اللغة والكتاب الموحى به Revelead Book ينتميان إلى العالم المخلوق، بقدر ما ينتميان إلى مجال المتكلم الإنساني(12). وحسب مذهب المعتزلة فالإنسان مسؤول عن أفعاله، إذ يؤكد بعض اللغويين مثل ابن جني والزجاجي على أن الإنسان ناطق لأنه يخلق كلامه(13). وبالمقابل، يجب أن نضع نصب أعيننا أنه لا يوجد شيء اسمه حرية الإرادة Free Will عند المعتزلة. وحرية الإرادة هاته ليست خاصية ذاتية Inherent في الإنسان، لكنه مسؤول عن تصرفاته نظرا للإرادة الإلهية التي أودعها الله فيه. في كثير من الحالات، كان أغلب المعتزلة، أكثر جبرية من نظرائهم الأرتدكسيين Orthodox(14).

مع ذلك يمكن القول إن مفهوم الاتساع، يبدو، وخاصة في مثل هذه السياقات "يتسعون في كلامهم"، كأنه يوحي بنوع من حرية الاختيار Latitude كما رغب في ترجمتها كارتر (1981: 353) إذ يبدو أن هناك اختيارا فرديا، وإن كان لا علاقة له بحرية الإرادة المشار إليها في عنوان هذا العمل. ويجب أن نضع نصب أعيننا كذلك وجود بعض التوتر في الفكر الاعتزالي بين ما هو ميتافيزيقي وما هو طبيعي، نظرا لأنه من وجهة نظر ميتافيزيقية لا يتوفر الإنسان على حرية الإرادة رغم مسؤوليته عن تصرفاته، في حين أن التجربة اليومية في العالم الطبيعي تشعرنا بأننا نتصرف بمحض إرادتنا وبأننا أحرار في تصرفاتنا. ربما، هذا هو السبب الكامن خلف شعبية مفهوم الاتساع في الكتابات النحوية ما بين القرنين (3 و4) الهجريين (الموافق 9 و10 الميلاديين). وبعد هذا كله، كان معظم نحاة هذه الفترة أهل اعتزال، وهكذا لم يكن المتكلم مقيدا كليا بقوانين الكلام Laws of speech، حيث كان بإمكانه التصرف.

رأينا، سابقا، أن مصطلح "التصرف" في الاصطلاح الفقهي يعني التدبير الحر للوسائل المالية. وحسب بعض المعتزلة فإن المصطلح نفسه استعمل للإشارة إلى نوع من توسيع الحرية في العمل بالنسبة للإنسان، مثل عند المعمر (انظر GIMARET 1986: 29) وعند عبد الجبار (انظر PETERS 1976: 114) "تصرفاتنا". وبالتالي، يمكن أن ندعي –إلى حد ما- أن مفهوم التدبير الحر قد وجد عند المعتزلة وأشير إليه بنفس المصطلح "التصرف" الذي يرد، في الغالب، مرتبطا بالاتساع.

ويمكن أن ندلي بمقتطف، كمثال مشابه، من كتاب رسالة الصحابة لابن المقفع (PELLAT 1976: 30). يؤكد فيه، في فقرة يتحدث فيها عن القوانين والقواعد التي وهبها الله للإنسان، إن هذه القواعد لم يقصد بها أن تكون نهائية، مادامت ستقيد الإنسان جدا في دينه "فضيق عليهم في دينهم". إذا كانت كل جزئية قد صيغت في قانون الشريعة الموحى بها، فسيكون من المستحيل على الإنسان أن يخضع لها بكاملها. لذلك رخص له أن يتصرف بحرية –إلى حد ما بطبيعة الحال. إن هذا النمط في التفكير قريب جدا من مفهوم الإتساع. ويمكن أن نشير إلى أن بن المقفع يستعمل نفس الفعل "ضاق" الذي يتبدى باستمرار في النقاشات حول الاتساع: يتصرف الإنسان بحرية في التعبير، ما دام غير ذلك، سيفضي به إلى تضييق سلوكه اللغوي(15).

من المحتمل، أن نجد آخر مرحلة لهذا التصور للاتساع في نظريات قطرب. رأينا، سابقا، أنه استنبط من وجود الأضداد في اللغة العربية "اتساع العرب في كلامهم" (عن ابن الأنباري، الأضداد 8. 4-9)، وهذا دليل على أن "مذاهبهم لا تضيق عليهم". نلفي نفس التفكير في نظريته حول أواخر الكلام Grammatical Endings of the Declension (عن الزجاجي، الإيضاح 70. 3-71. 7، انظر فيرشتيغ 1983). ويستدل قطرب على أنه ليس هناك أي تعالق بين الحركات الإعرابية والمعاني النحوية التي عادة ما ترتبط بها. ولما يواجه بدليل نقض Counterargument الذي مفاده أنه في هذه الحالة لا جدوى من أي تعاقب Alternation للحركات الإعرابية، ويمكن للمتكلمين أن يستعملوا حركة واحدة فقط، يرد قطرب أن العرب لا ترغب في أن يضيق عليها في اختياراتها بل تحتاج إلى نوع من الاتساع(16).

ما يمكن عده جد ممتع في تاريخ مصطلح الاتساع هو تطوره من مصطلح تركيبي Syntactic Term خاص بمجال ضيق(17)، إلى مصطلح عام General Term يشير إلى الاختيار الفردي Individual Choice ويشير، فضلا عن ذلك، إلى مرونة اللغة العربية. يتعايش معنيا المصطلح معا، لهذا يمكن أن نجد نفس الاصطلاح في سياق مختلف جدا(18): إذ نجده في مناقشة ابن السراج التقنية للبنيات التركيبية الأصل، Original Syntactic Constructions ونجده كذلك في مناقشة الثعالبي لمختلف إمكانات الاتساع في اللغة العربية ضمن كتابه (فقه اللغة وسر العربية 324 السطر 4 وما بعده)n

 



 

 

(1)  أصول النحو لابن السارج، ج2، 255. 2-6: "اعلم أن الاتساع ضرب من الحذف إلا أن الفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله أن هذا تقيمه مقام المحذوف وتعربه بإعرابه وذلك الباب تحذف العامل فيه وتدع ما عمل فيه على حاله في الإعراب وهذا الباب العامل فيه بحاله وإنما تقيم فيه المضاف إليه مقام المضاف أو تجعل الظرف يقوم مقام الاسم".

(2)  شرح السيرافي للكتاب: "فسبيل المصدر في الاتساع به كسبيل الظرف لأنك إذا قلت: (ضرب به ضرب شديد) فالضرب ليس بمضروب في الحقيقة وإنما المضروب الذي وقع به الضرب وجعلت الضرب مفعول ضرب مجازا".

(3)  الظرف ما تضمن معنى (في) وإن كانت ليست من لفظه. ويقول الثمانيني: "اعلم أن الظروف كل اسم من أسماء الزمان والمكان يراد فيه معنى (في) وليس يراد فيه معنى (في) وليس موجودة في لفظه، نحو قولك: "قمت اليوم". و"جلست مكانك". تريد قمت في اليوم وجلست في مكانك… فالظرف هو كل اسم منصوب مقدر (في) معه من طريق المعنى".

(4) ما معنى أن يرد مفعول اسم الفاعل مجرورا؟ ينقسم اسم الفاعل إلى قسمين: مقرون بـ"ال" ومجرد عنها. فالأول يعمل عمل فعله مطلقا، سواء دل على الماضي أو الحاضر أو المستقبل مثل "هذا الضارب زيدا أمس، أو الآن، أو غدا. أما الثاني فلا يعمل إلا بشروط. ولتبيين ذلك سنورد المثالين التاليين:

1 ـ أنا قاتل زيدا

2 ـ أنا قاتل زيد.

إذا طرحنا السؤال من القاتل أ المتكلم الأول أم الثاني؟ فالأول لم يقتل لأنه يعبر عن مشيئة، إذ اسم الفاعل "قاتل" يدل على الاستقبال. وهكذا تعد كلمة "زيدا" مفعولا به لاسم الفاعل العامل عمل فعله لأنه استوفى شرط الدلالة على الاستقبال وليس المضي. مما يعني أن القاتل هو المتكلم لأن اسم الفاعل قاتل يدل على المضي، وهذا جعله لا يعمل في زيد الذي ورد مجرورا. إن فحوى كل هذا ما يعنيه فرشتيغ بورود مفعول اسم الفاعل مجرورا أي حينما لا يعمل فيه اسم الفاعل.

(5)  في الأشباه والنظائر (ج1، 14-19) يشرح السيوطي أن موضوع الاتساع نادرا ما كان يعالج كموضوع مستقل، مما جعله يقرر تخصيص فصل له، يحتوي هذا الفصل على نصوص من ابن السراج، أبي حيان، الخضراوي، الفارسي، ابن عصفور، الأخفش، وابن مالك. انصب مجمل النقاش على المعنى التقني للاتساع أي انصب على تراكيب تخص الإضافة، ظرفي الزمان والمكان والمصدر.

(6)  هناك مصطلح مألوف جدا في الكتاب هو على السعة أما مصطلح الاتساع نفسه لا يرد إلا ثمان مرات فقط (أربع منها وردت في ج1، ص108) انظر (The Index of troupeau s.v).

(7) حسب G.Ayoub في مقالتها المعنونة بـ:

«Tamtil ce qui n’est pas dit dans le livre »

Studies In Histor of Arabic Grammar II  ضمن كتاب

Edited by Kees Versteegh and Micheal G.Carter

John Benjamins Publishing Company

Amsterdam/Philadelphia 1990, pp1-15.

فإن مهمة النحوي أن يوضح ما يضمره المتكلم. يخرق الإضمار –ويمكن أن نضيف الاتساع- العلاقة الصورية ويجبر النحوي على الأخذ بعين الاعتبار غير الملفوظ، أي المعنى الضمني بواسطة التقدير أو التمثيل. ومن المفيد أن نعرف ما يقوله النحاة حول محفزات المتكلم على استعمال الإضمار: كما رأينا أن الحافز الأساس وراء استعمال الاتساع رغبة المتكلم في الاختصار قدر الإمكان، ما دام يستطيع المخاطبون، رغم ذلك فهم الخطاب (انظر الثعالبي، فقه اللغة وسر العربية 324. 4) "توسعا واقتدارا واختصارا ثقة بفهم المخاطب" (وفي نفس المرجع 340. 12): "ومن سنن العرب الإضمار إيثارا للتخفيف وثقة بفهم المخاطب".

(8)  عند الجرجاني، نجد توحيد مصطلحي التصرف والاتساع في (المقتصد، ج1، 136. 1) "من التصرف والاتساع"، انظر كذلك ابن السراج (الموجز، 103. 17) إذ نجد صيغة "أفعال"، "أوسع هذه الأبنية تصرفا". ولقد عثرت على تواز، غير منتظر، لاصطلاح التصرف في تحليل أنثروبولوجي للعلاقة بين الرجال والنساء في الجزائر العصري (Janssen 1987: 183): يفسر المؤلف الاختلاف بين الرجال والنساء في التصرف وفي الصورة من خلال المصطلحين التاليين: خفيف/ثقيل. يعد الرجال أثقل، أكثر مهابة، وأبطء في حركاتهم، بينما نجد النساء أكثر حركة وأكثر مزاجية، لأنهن أخف. كما استعمل هذان المصطلحان خفيف/ثقيل، اللذان نعرفهما كمصطلحين يصفان التصرف التركيبي للعناصر اللغوية، أيضا، لوصف السلوك البشري.

(9)  السيوطي، الأشباه والنظائر (ج1، 16. 11-13) "فلا يجوز التوسع فيما لزم الظرفية لأن عدم التصرف مناف للتوسع إذ يلزم من التوسع فيه كونه يسند إليه ويضاف إليه وذلك ممنوع في عدم التصرف".

(10)  انظر: Laoust 1950: 135. 301.

(11)  انظر، كذلك، الشربيني (Carter 1981: 300. 1) حيث استعملت عبارة "لرفع المجاز عن الذات" لتفسير زيادة "نفس" أو "عين" في الجمل مثل: "جاء زيد" لأنه –كما يفسر المؤلف- في جملة من هذا القبيل التباس مادامت كلمة "زيد" يمكنها أن تحيل إلى خطاب حوله أو إلى رسالة منه.

(12)  لم يعد السؤال الأصلي، أيهما خلق الكلام الله أم الإنسان؟ واردا بعد ق4/10م. فأهم خلاصة بعد تلك المناقشات الطويلة كانت "وضع اللغة" Giveness of Speech وأهم سؤال نوقش كان وضع الاستعارات (انظر Weiss 1966: 75-79). ويعد، حسب أغلب الفقهاء، وضع الاستعارات واقعة معطاة. وهكذا حددت الاستعارة كاستعمال للكلمة بطريقة مختلفة عن استعمالها الأصلي. ومادامت الحرية المطلقة في استعمال الاستعارات ستؤدي إلى الاعتباطية، كان المنظرون يتطلعون لإيجاد معايير لمراقبة هذا الاستعمال. إما من خلال "الاستعمال" أو من خلال تواضع غامض، إلى حد ما، بخصوص حدود استعمال الاستعارات (مواضعة ليس وضع مادام هذا يشير إلى أصل الكلمة). من غير شك أن النظريات حول الاتساع قد لعبت دورا في هذه المناقشات، لكن الترابط الدقيق يظل في حاجة إلى الاستقصاء.

(13)  انظر فيرشتيغ (1977: ص155 وما بعدها) محيلا إلى الزجاجي، ("الإيضاح" 43. السطر 16 وما بعده) وإلى ابن جني ("الخصائص"، ج1، ص109 وما بعدها).

(14)  انظر جيمريت (1980)، بتيرس (1976: ص209 وما بعدها).

(15)  يمكن إضافة أن الجذور (و-س-ع) قد استعملت أيضا في هذه الفقرة من الرسالة (للشافعي) (Pellat 1976: 31 السطر 7 ما بعده) "لكانوا قد كلفوا غير وسعهم"، ولكن استعملت، آنذاك، كإشارة إلى قدرة الإنسان على الامتثال إلى كل القواعد. واستعمل مصطلح وسع في التفسير الاعتزالي، غالبا، في المناقشات حول مسؤولية الإنسان (مشتقة من القرآن الكريم البقرة/286).

(16)  الزجاجي (الإيضاح 71. السطر 6 وما بعده): "لو فعلوا ذلك لضيقوا على أنفسهم فأرادوا الاتساع في الحركات وألا يحظروا على المتكلم الكلام إلا بحركة واحدة".

(17)  عندما يكون الاستعمال التقني للاتساع محط عناية نجد أيضا بعض القيود على تطبيقته. وحسب ابن جني (الخصائص، ج2، 20. 4) فالاتساع مباح في ظرفي الزمان والمكان أكثر منه في الكلمات الأخرى، كما يفسر أنه يمكن للاتساع أن يرد في آخر الكلمة، أو وسطها، لكنه لا يرد ابدا في صدرها، لأنه صورة من صور الحذف (الخصائص، ج1، 290. 1: "إن الحذف اتساع والاتساع بابه آخر الكلام وأوسطه لا صدره وأوله". (انظر الخصائص/ ج2، 362. 11-13).

(18)  في مثل هذه المقولات، يقدم المؤلفون، عادة، لائحة من خصائص اللغة العربية التي تنتمي حسب الاعتقاد السائد، إلى المجاز، مثل ابن فارس في (الصاحبي 13-4): "لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب". كما نجد توحيدا مشابها للمصطلحين (المجاز والاتساع) عند ابن الأنباري (الأضداد 191. 7) "على المجاز والاتساع".