ص1       السابق

باشلار بين التحليل النفسي والمنهج الظاهراتي،

أو البحث عن رؤية نقدية جديدة

 

بوخليط سعيد

 

أسس الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، من خلال كتاباته المتعلقة بعلاقة الخيال الإنساني بالعناصر الأربعة: الماء/الأرض/الهواء/النار، مسارا فكريا جديدا أثر في كل التجارب المعرفية اللاحقة. ونقصد بذلك الأسس النظرية لما عرف تاريخيا باسم النقد الجديد، والذي توزع بين النقد البنيوي والنقد الموضوعاتي. ذلك أن اشتغال باشلار على هذه العناصر، بالإضافة إلى اهتمامه ببنية الشعري عند لوتريامون Lautréanmont، ساهم بشكل كبير في توجيه الأفق النظري لمجموعة من الأسماء شغلت الساحة النقدية الفرنسية في القرن العشرين: بولي، بارت، روسي، ريشار، شارل مورون، ستاروبنسكي، غريماس ثم جينيت. ويعتقد مارغولان Margolin في دراسته عن باشلار، بأن الموضوعية التي ميزت فكر الرجل فيما بين (1938-1950)، أثرت في هؤلاء النقاد أكثر من الذاتية التي طفت على باشلار الشيخ(1955-1960) لأنه "بقي محتجزا في كتبه مثل يونس في بطن الحوت، منقطعا بامتياز عن العالم المعاصر"([1]). فباشلار صاحب التحليل النفسي للنار  La psychanalyse du feu (1938)، ولوتريامون Lautréamont (1939) ثم العناصر الأربعة، أثر في النقد الفرنسي أكثر من الأعمال الأخرى والتي استندت أكثر على منهجية فينومينولوجية، تعطي للوعي الفردي الدرجة الأولى في تحديد البعد الأنطولوجي للصورة الفنية، ويقصد بذلك: شاعرية المكان La poétique de l'espace، شاعرية التأمل الشارد La poétique de la reverie، شعلة قنديل La flamme d'une chandelle.

فقد حدثت حسب مارغولان مجموعة من التطورات المعرفية والاجتماعية، أضعفت من مركزية الذات الناقدة في العملية الإبداعية، يقول في هذا الإطار "التنظيم الجديد للمعرفة، توجهات فلسفية جديدة، حالة أزمة بيداغوجية، النمو السريع للعلوم الإنسانية وانتشارها السريع كذلك، اعتمادا على وسائل الإعلام، ثم التحولات الحالية في أوساط بعيدة أكثر عن دوائر المختصين، وأخيرا مناخ التقنية والعلمية الذي نتنفسه أكثر فأكثر في حياتنا اليومية، يظهر بأنه أمن للبنيوية المعاصرة و"النقد الجديد" معروفا، حيث نسبية الأذواق وحركية النموذج لا يكفيان أبدا للتفسير"([2]).

لقد تم تقسيم باشلار الناقد إلى مرحلتين فكريتين كبيرتين على مستوى ممارسته النقدية: بين لحظة "موضوعية" تبنى فيها تصورات مؤسسة على نزعة علمية، مرتبطة بتأثر باشلار بالمناخ المعرفي الذي وضعه لنفسه، وهو البحث في تشكل الفكر العلمي، ثم لحظة ذاتية تجاوز فيها باشلار صرامة النزعة الموضوعية، لينصت لخفقان الذات في أقصى حدودها. وبين المرحلتين كان هم باشلار الأساسي هو تجديد آليات حاستنا الذوقية، ليعطي للخيال فهما جديدا، حيث ألصق به تعاريف جديدة، وأعطاه مدلولات أخرى.

ويمكن القول بأن الفكر الباشلاري، تموضع في خط تصاعدي. حيث بدا في التحليل النفسي للنار كفاحص للوثائق، يتكلم بمرجعيات وبراهين. ثم ينتهي في شعلة قنديل إلى شخصية حالمة بالنصوص. حيث تصبح المسافة بين الذات والموضوع واهية إن لم تكن منعدمة. لهذا يصعب في أحيان كثيرة وسم باشلار بصفة الناقد الأدبي، وذلك بالمفهوم الأكاديمي للكلمة، سواء على مستوى الموضوعية المتحدث عنها أو طريقة المقاربة النقدية. وقد عبر باشلار عن ما يشبه ذلك بقوله: "لا أعتبر نفسي كأستاذ للأدب، ليست لي ثقافة كافية لذلك، أليس كذلك؟ لم أحاول دراسة حقبة أو النبش في أخرى. كل هذه الكتب التي صنعت هي بالنسبة لي كتب للتسلية"([3]).

لقد تم دائما النظر إلى باشلار من جانب أبحاثه الإبستمولوجية، أكثر من الاهتمام به كدارس للنص الشعري والنثري. فإذا كانت مفاهيمه في الجانب الأول أكثر صرامة من الناحية النظرية، فإن اشتغالات باشلار النقدية تميزت بنوع من الانسياب الخيالي إن صح التعبير. فباشلار لم يكن يسعى سوى إلى متعة القراءة، والاستمتاع بنصوص شعرية ونثرية. هذه القراءة التي كانت تتحول في لحظات كثيرة إلى تأملات شاردة rêveries. يقول باشلار وهو يقرأ رواية لـ هنري بوسكو Henri Bosco: "فأي أستاذ أدب سيء كنا في قراءتنا! لقد بالغنا في الحلم ونحن نقرأ"([4]). وهذا التقليد صاحب باشلار في كل قراءاته، ذلك أنه "لا يمكن أن ندرس إلا ما حلمنا به أولا"([5]). وعلى سبيل الذكر فقد استند باشلار على متن إبداعي امتد من الأدب الكلاسيكي إلى القصيدة السوريالية وشمل الرومانسية الألمانية والإنجليزية. حيث تمكن باشلار من وضع نظرية للخيال الأدبي، انطلاقا من مجموعة من النصوص الإبداعية لأسماء توزعت بين القصيدة، الرواية، النحت، الرسم…، مثل: بودلير، فكتور هوغو، شيلي، نوفاليس، ادغار آلان بو، هنري بوسكو، مالارميه، لوتريامون…، فان غوخ، سلفادور دالي، نيتشه، سوينيرن، فاليري…

وحتى على مستوى أبحاثه الإبستمولوجية، فإن موضوعية باشلار فيها نوع من النسبية والاحتمالية، ما دام أن الإبستمولوجيا اللاديكارتية التي أسسها بتصوراته الجديدة تؤكد على دور الذات في تقرير الحقيقة العلمية، حيث ضعفت المسافة الأنطولوجية بين الذات والموضوع. ولم تعد الموضوعية مسألة مرتبطة بانتفاء الذات الكلي، بل على العكس من ذلك يتم الحسم في الحقيقة الموضوعية بتدخل مباشر في صيرورة الموضوع. ذلك أن عالم الجسيمات الصغيرة والدقيقة، أصبح يتحمل ذلك التصور الأحادي للموضوعية، داخل تقارير العلم الكلاسيكي (والمثال الذي يقدمه لنا باشلار على هذه الظاهرة هو تعيين موقع الإلكترون. فلبلوغ ذلك يكون علينا أن نشع على الإلكترون بالفوتون. ولكن التقاء الإلكترون بالفوتون يزيد من سرعة الإلكترون ويجعل أمر معرفة موقعه صعبا. فعدم قدرة الفيزيائيين المعاصرين على تحديد مضبوط لموقع وسرعة الإلكترون في الوقت ذاته يأتي من هذا التداخل بين مناهج البحث وبين الموضوع الذي تسعى هذه المناهج إلى تقديم معرفة عنه)([6]). والواقع شكل دائما بالنسبة للعقلانية الكلاسيكية، الفيصل الأنطولوجي بين العلم واللاعلم، الحقيقة والزيف. حيث الموضوعية هي كل حقيقة يقدمها الواقع، دون أن يكون للتجربة الذاتية إسهام في ذلك.

قد لا تكون التطورات المعرفية والانقلابات النظرية لتاريخ العلم هي التي قدمت لباشلار المسوغ النظري لهذه الخلاصات، التي تدعو إلى التعامل مع قيم العلم الكلاسيكي بنوع من الريبة ومن بينها مفهوم الموضوعية. ولكن كذلك طبيعة شخصية باشلار ومميزاته الأخلاقية والفكرية، أعطته هذه القدرة الخارقة على التقاط كل ممكنات الفكر الاحتمالي، الذي يتجاوز بتساؤلاته صرامة العقل النظري. ولربما كان المفكر الوحيد في تاريخ الإنسانية، الذي استطاع الجمع بين عشق الرياضيات –كأقصى حدود التمثل التجريدي- والقصيدة حيث الوجود في كل لا يقينياته. فجمع بين اشتغالات قلما تجمع لأحد، لأنه آمن بشيء واحد: هو قدرة الإنسان على  التخيل، ومن ثم الحلم بأشياء أخرى. وقد أكد باشلار على مسألة أسبقية الحلم على الفهم، وبالتالي لا يمكن مثلا "فهم ذرة الفيزياء المعاصرة دون استحضار تاريخ مجموع صورها"([7]). كما أنه لا يمكن فصل الإطار المفاهيمي والأبعاد الرياضية لنظرية النسبية عن المناخ التأملي لأشعار نوفاليس، ريلكه، شيلي، ادغار بو، بودلير… والتماهي مع إشراقاتهم اللماذائية. تلك إذن الأطروحة الرئيسية للمشروع الباشلاري: القصيدة مدخل للعلم، يتكلم الشاعر والعالم نفس اللغة. ويبقى الخيال البوتقة التي تنصهر فيها كل آليات التحليل الباشلاري. لقد عشق باشلار القصيدة وخاصة تلك التي تؤسس فعلا شعريا غير مسبوق بأي تصور ما قبلي. حيث وجد في الاتجاه السوريالي المرجعية النظرية الكبرى لرؤياه، لأنه كان يجسد له أقصى حدود تمثل الشعري. كان هذا "العقلاني النشط" لا ينام أبدا دون أن يقرأ بعض الأبيات([8])، فهو سعيد بصداقة الشعراء، وقد عبر عن ذلك في حوار أجري معه حيث يقول "استدعاني جون لوسكور Jean Lescure إلى الأدب، حيث عمل على إدخالي في صحبة أصدقائه الشعراء… يأتون إلى دروسي العمومية؛ في غالب الأحيان تحدثت عن الشعراء ناسيا الفلاسفة. مع هؤلاء الشعراء الذين لا يؤخذون دائما محمل الجد، عرفت احتفالات حقيقية للصداقة"([9]).

يبقى إذن التقسيم بين اللحظة الموضوعية والذاتية في فكر باشلار الأدبي، مسألة إجرائية الهدف منها فقط هو محاولة إيجاد خيط رابط بين مجموع تراكمات هذا الفكر. مادام أن اشتغالاته كانت متعددة ومتنوعة جمعت بين قطبين كبيرين ونقصد بذلك: القصيدة/العلم، وحيث كذلك أن الأدوات المنهجية التي استعملها الرجل كانت مختلفة بالإضافة إلى تنوع أصوله المعرفية، سيتحدث تاريخ النقد عن باشلار المؤمن بالعلم المتأثر به إلى أقصى الحدود، ونموذج ذلك هو كتاب التحليل النفسي للنار، حيث الدعوة إلى الموضوعية من أجل تفسير المعرفة الخاطئة التي نسجها خيال ظاهرة النار. ثم نماذج، شاعرية المكان، شعلة قنديل، شاعرية التأمل الشارد، حيث رغبة باشلار في إيجاد كل ممكنات الصورة الشعرية، التنقيب عن كل احتمالاتها، ثم ربط هذه الصورة بحصول الوعي عند الذات. لهذا سيدعو بشكل صريح إلى تبني المنهج الظاهراتي، لأنه القادر على إدراك الصورة الشعرية في أولانيتها.

يمكن إذن تقسيم المنهجية التي حاولت بها الجمالية الباشلارية قراءة الإبداع الأدبي إلى: 1) سيستند باشلار في المرحلة الأولى على اكتشافات التحليل النفسي، وكان ذلك في البدايات الأولى لاهتماماته الإبداعية، وبالضبط مع تحليله لتمظهر الخيال الديناميكي في قصيدة لوتريامون Lautréamont محاولا الإجابة عن التساؤل الذي طرحه على قصيدة هذا الشاعر: "ما هي إذن هذه العقدة، التي تظهر لنا بأنها ستوزع على عمل لوتريامون كل طاقته؟ إنها عقدة الحياة الحيوانية، طاقة العدوان: بحيث يظهر لنا عمل لوتريامون كظاهرة حقيقية للعدوان"([10]). ثم بداية مشروعه لدراسة العناصر، حيث حاول البدء بإزالة كل التصورات الخاطئة التي تغلف رؤيتنا للنار، وفي سبيل ذلك سيحاول القيام بتحليل نفسي للنار، كوسيلة معرفية تمكننا من بلورة تصورات موضوعية لها، تقطع مع الماضي غير العلمي لكل المفاهيم التي أعطيت لها، أي تجاوز الرؤى والأحاسيس الذاتية. وسيستمر تأثير التحليل النفسي حتى كتابة العناصر الأخرى أي الهواء، الماء، ثم الأرض. 2) في مرحلة ثانية سيصبح باشلار أكثر تحررا من صرامة النزعة العلمية، ليتحول إلى ناقد حالم، لا يقرأ إلا الكتب التي تثير دهشته وإعجابه، وذلك حتى يجد للقصيدة فلسفتها الخاصة، كما أوجد سابقا للعلم البنية المفاهيمية التي تنسجم مع روحه الجديدة، يقول في هذا الصدد: "نذرت نفسي جسدا وروحا –آه متأخرا- للعمل الرياضي Mathématique، إلا أنه منذ أن لمستني القصيدة، متأخرا كذلك، فحياتي كلها هي تحت تأثير التأخير. لا أريد أن أقرأ الآن مع كبر سني إلا الكتب الرائعة"([11]). هذه القراءة الصامتة غير الراغبة في أي تعليق، تسعى فقط إلى أن تبقى وفية لعطش القراءة والاستمتاع بمتواليات النص. لكن كيف يمكن التوفيق بين هذه القراءة "البيضاء" غير المسبوقة بنوايا، خاصة وأن باشلار نفسه صرح بأنه يسعى إلى تقديم شيء للنقد الأدبي، والقراءة التي تتأسس على أبعاد تأويلية؟ ذلك ما سيحاوله مع المنهج الظاهراتي، لأنه يؤمن بأن الصورة تتأسس على أنطولوجيا مباشرة، حيث سيطلب من القارئ أن لا يتعامل مع الصورة كشيء أو كممثلة لشيء، ولكن القبض على حقيقة هذه الصورة الخاصة ما دام أنه لا شيء يهيئها فهي ابنة اللحظة كما أنها ليست خاضعة لدفع، وليست صدى لماضي. لهذا سيؤكد باشلار على مسألة الحضور المباشر أمام الصورة. وشكلت مفاهيم مثل "العفوية"، "الحرية"، "الحداثة"… منطلقات نظرية لباشلار في مقاربته للصورة الشعرية حيث طرح بشكل ضمني التساؤل عن المنهج النظري الممكن للتعبير عن الخصوصية الذاتية للتعبير الفني وخاصية الشعر. ووجد في الظاهراتية الفلسفة التي تعطي كل هذه الإمكانيات، لأنها بكل بساطة تراهن على الوعي والتأمل الذاتيين في مقاربة أشياء العالم وهي مسألة كان يطمح إليها باشلار لأنها تعطيه وسيلة جيدة، لخلق رافد نظري لمشروعه والذي كان يسعى به إلى تأسيس: فعل شعري لحظي، غير مسبوق بأي ماقبليات تعمل على حصر واختزال الدلالة الأنطولوجية اللانهائية لهذا الفعل وكذا الحفاظ على أصالته، حتى تبقى الصورة الشعرية قادرة دائما على إنتاج ذاتها بشكل مستمر. هذه الصورة التي بدأت ترتهن بالمتلقي لن تشيخ، لأن الوعي الذاتي والفردي يمكنها دائما من سبل التجديد والحياة "فالاقتضاء الظاهراتي حيال الصور الشعرية، هو زيادة على ذلك بسيط، إنه يعود إلى التشديد على فضيلة أصالتها، وكذلك تناول الكائن في أصالته"([12]). فالفينومنولوجي حسب باشلار يقف عند منطلق الصورة، التماهي مع دلالتها المتعددة، إلى درجة تقمص شخصية الشاعر نفسه، أي أن الصورة الشعرية تعطي للقارئ هذه الإمكانية بالانتقال من لحظة التعبير الشعري إلى الوعي الإبداعي. أي من مرحلة الذات السلبية المستهلكة إلى مشاركة كلية في العملية الإبداعية. من أجل ذلك سيلجأ باشلار إلى التأمل الشارد La rêverie poétique، كوسيلة تؤمن حداثة الصورة وجدتها. أما الفكر المفهومي، فهو لا يمكن من تناول الصورة في حركيتها، كما أنه ينظر إليها بشكل مجرد يزيل عن هذه الصورة كل أولانيات المجاورة والاستمرارية. فالفينومينولوجيا تؤكد على المشاركة في العملية الإبداعية، وذلك من أجل التأكيد على أصالة الصورة وأولانيتها: "فيمومينولوجيا الصورة تطلب منا المساهمة في الخيال المبدع"([13]). كما أن "تناول الصورة في "فضيلة أصالتها" يفرض بأن يتخيل بدوره، وأن يعيش من جديد مرحلة الإبداع، حيث يؤول الأشكال التي يفرضها الشاعر، بشكل يبقى معه وفيا ليس فقط للصورة، ولكن كذلك إلى ما سماه، بعد مينكوفسكي بـ "رنينها"([14]). إن لعبة المماهاة بالصورة تعطي إمكانية أن تعيش الذات التأمل الشارد من جديد وبالتالي النظر إلى هذه الصورة في كليتها دون اختزالها إلى تجليات أخرى، أي الوقوف عندها في ذاتها ولذاتها. وهي مسألة اختلفت فيها الفينومينولوجيا مع التحليل النفسي، الذي كان دائما يؤول الصورة إلى أبعاد أخرى. وبالتالي عوض البقاء ضمن حدود هذه الصورة ومعطياتها اللحظية، فإنه يتحدث عن أشياء أخرى. وقد وجدنا بأن هذه المسألة، من بين أهم الدوافع التي فرضت على باشلار تجاوز التحليل النفسي.

أما الفينومينولوجيا فقد أكدت على مسألة حضور الوعي الذي ينمو بشكل مستمر من خلال قراءة دائمة للشعر والشعراء. ولهذا من أجل الاستفادة المطلقة من هذا الحضور، يجب أن يعايش القارئ من جديد الحدث الإبداعي. ذلك أن "الفينومينولوجي يمكنه إحياء وعيه الشعري بمناسبة آلاف الصور التي ترقد في الكتب"([15]). كما أن هدف كل "فينومينولوجيا هو جعل عملية الوعي حاضرة، في وقت متوتر إلى أبعد حدود التوتر"([16]). فمن أجل أخذ وتناول الصورة في كليتها، يجب إذن الاهتمام بوجود وكيان الصورة كما هو، دون البحث في أسباب هذا الوجود، لأن ذلك من شأنه إبعادنا عن حقيقة هذه الصورة، والتي اعتبرها باشلار دائما مسلكا يجب اتباعه من أجل اختراق وفضح سر الخيال. ذلك أن المطلوب ليس هو فهم الصورة، ولكن الأساسي هو معايشة هذه الصورة من جديد، إدراكها في ذاتها دون تحويلها إلى لغة أخرى: "فالظاهراتية مؤسسة على تناول الصورة الشعرية في كينونتها الخاصة في انفصال عن كينونة سابقة، كعنصر إيجابي للكلام"([17]). فهي لا تخضع لمنطق الزمان العادي، وليس لها ماضيا أنطولوجيا أو معرفيا، وإنما هي مهيأة باستمرار للانفلات من سطوة البعد الواحد. لهذا حتى لا تتم خيانة هذه الصورة، فإن الفينومينولوجي يركز على صدى ورنين retentissement هذه الصورة التي تعاش من جديد، وترفض أن يعطى لها معنى واحدا. كما أن هذه الصورة غير قابلة للاختزال L’irréductibilité de l'image وهي إحدى المسلمات الأساسية لمنهجية غاستون باشلار.

لقد كانت أولانية الصورة، حداتثها، حركيتها ثم تعددها بالنسبة للوعي الفردي…، مبررات أساسية بالنسبة لباشلار لكي يتبنى المنهج الفينومينولوجي. لهذا سيدعو دائما إلى التموضع عند منطلق الصورة، والنظر إليها كبدء مطلق، ومعايشة كينونة الصورة في مباشريتها، حيث تحدث رنينا وصدى في وعي مستقبلها. والفينومينولوجي يراهن على هذه المسألة من أجل النظر إلى الصورة في انفصال عن كل حتمية تحاول اختزال الصورة إلى كيان مفهومي، وبالتالي عدم القدرة على إعادة تخيل هذه الصورة، حتى نعيشها في حداتثها المطلقة "لأن الصورة التي لا تلزم الفكر بإعادة تخيلها، بتقييمها، لا تنهض إلا على جدول ذهني للرموز iconologie، تكون الصورة بالنسبة إليه تماثل رمزا بلا تغيرات والذي تنازل عنه باشلار لآخرين، مؤرخين أو أنثروبولوجيين"([18]). إعادة تخيل الصورة من أجل فهمها، عملية لا تحاول ربطها بأحداث سابقة أو البحث لها عن خلفيات ما ورائية، ولكن اكتشاف سرها بالعملية التي تحدث عنها باشلار، وهي تقمص حالة المبدع. وقد حاول كتاب شاعرية التأمل الشارد "La poétique de la rêverie" التنظير لهذه العملية الانتقالية من موقع قارئ مستهلك إلى مبدع. فالفينومينولوجي الذي لا يوفر لنفسه هذا الوعي الخالق النشط والديناميكي، والذي هو نفسه وعي الشاعر، حيث يعيد خلق ما تلقاه، قلت إذا لم يستطع ذلك فإنما يسلك طريقا مميتا لروح الصورة الشعرية، ذلك "أن هذه الصورة التي منحت لنا من خلال قراءة القصيدة، تصبح ملكنا فعلا، تتجذر فينا. لقد حصلت على هذه الصورة، ولكنني أشعر أنه كان بإمكاني أن أخلقها أنا. بل كان علي أن أخلقها بالفعل، إنها تصبح وجودا جديدا في لغتي"([19]). هذا الإحساس هو الذي يعطي للفينومينولوجي مرتبة شاعر من الدرجة الثانية، إنه يقوم بفعل للوعي المانح أو الواهب La conscience donatrice حسب تعبير باشلار حيث يجب على الفينومينولوجي "أن يحصل بالإضافة إلى لذة الجمال على ربح للوعي، والذي من الصعب تعريفه، إلا أنه مهم. لأنه في هذا الربح تكمن قيمة فينومينولوجيا للصورة والتي تظهر كفلسفة، وليس فقط "كمدرسة للسذاجة""([20]). لقد تحدثت فينومينولوجيا باشلار عن مفاهيم مثل التجربة، إعادة التخيل، معايشة…، كدليل على أن فينومينولوجيا الصورة لا تقدم نفسها كنسق مذهبي مؤسس بشكل قبلي، تحاول فرض أسسها المنهجية دون مراعاة لطبيعة الجسد الذي تحاول الاشتغال عليه. إن الفينومينولوجي والشاعر يقومان بنفس المهمة في نفس الآن، ويتموضعان في نفس الرتبة حيث لا يختلف الأول عن الثاني إلا في درجة الإبداعية التي تحضر عند كل واحد منهما لأن الصورة لا يمكن إدراكها إلا بوعي مبدع خلاق. فباشلار راهن في مشروعه لدراسة الصورة على جانب الحركية والديناميكية، لهذا يرفض موضعتها ضمن بعد واحد. فالصورة التي اهتم بها كثيرا هي التي يكون صداها أكبر، والتي تبعث عند القارئ وعيا إبداعيا. فالفينومينولوجيا تؤكد على مسألة فردية الوعي، والذي يجب أن يتموضع عند منطلق الصورة. وقد حدد فرانسوا بير François Pire طبيعة هذا البعد الشخصي للفينومينولوجيا من خلال ثلاثة مسائل أساسية:

1 – التموقع عند منطلق الصورة، والتي أكد عليها باشلار تعلن وتحدد وعيا فرديا.

2 – الرنين أو الصدى هو وظيفة للوعي الفردي.

3 – إن حركية الصورة تدحض بالتفسير المطلقC:\M.A.JABRI\Revue\Par1-4n0 - علم النفس



[1] – Jean Claude Margolin : Bachelard, écrivain de toujours, Seuil, p96.

[2] – Ibid, p95.

[3] – Michel Mensuy : Gaston Bachelard et les éléments, Librairie José Corti 1967, p362.

[4] – Gaston Bachelard : La flamme d’une chandelle,  Quadrige, PUF, p105.

[5] – Jean Claude Margolin, p17

[6] – محمد وقيدي، فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار: الإبستمولوجيا الباشلارية وفعاليتها الإجرائـية، وحدودها الفلسفية، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، ط1، أبريل 1980.

[7] – Gaston Bachelard, La philosophie du Non,  Quadrige, PUF, p119

[8]– Manuel de Diegnez : L’écrivain et son langage, Gallimard, p222.

[9] – Jean Claude Margolin, p19.

[10] – G.Bachelard : Lautréamont, Librairie José Corti, 1986, p9.

[11] – Jean Claude Margolin, p29.

[12] – G .Bachelard : La poétique de la rêverie, Paris, PUF, 1960, p2.

[13]-  Ibid p 4

[14]– François Pire : De l’imagination poétique dans l’oeuvre de Gaston Bachelard, José Corti, 1967, p167.

[15] – G.Bachelard, p7.

[16] – Ibid, p4.

[17] – Ibid, p3.

[18] – François Pire, p173.

[19] – G.Bachelard ; La poétique de l’espace,  Quadrige, PUF, p7.

[20] – François Pire, p175