ص1      الفهرس    المحور 

 

 

 

الشعر إذا لم يكن خطابا في التأنيث

 

عبد الله محمد الغذامي(*)

- 1 -

حينما نتحدث عن الشعر والتأنيث يجب أن ننتبه إلى مسألة مهمة وهي أن التأنيث ليس فعلا محصورا محددا على المرأة، والشعر والتأنيث لا يعني ولا يرادف عبارة (الشعر والمرأة). فالتأنيث لا ينحصر -فحسب- فيما تفعله المرأة أو يصدر عنها هي تحديدا بما إنها أنثى.

إن التأنيث، مرتبطا بالخطاب اللغوي، لهو نسق ثقافي يصدر عن الرجال مثلما إن التذكير نسق ثقافي آخر يصدر عن النساء مثلما يصدر عن الرجال.

وكم من امرأة عززت الخطاب الذكوري إما بأشعارها أو كتاباتها أو بما ينساق بين يديها من قول أو فعل، كما أن للرجال دورا أو أدوارا في تأنيث الخطاب اللغوي الإبداعي. ومن هنا لا بد أن نرسم أربع حالات من حالات الخطاب الإبداعي بين يدي كلامنا وهي:

1 - شعر ذكوري يكتبه الرجال.

2 - شعر أنثوي تكتبه نساء.

وهاتان الحالتان ربما يسود الشعور العام بأنهما مسألتان طبيعيتان وعاديتان، ولكنهما ليستا كذلك بدليل الحالتين الثالثة والرابعة وهما:

3 - شعر ذكوري تنتجه نساء.

4 - شعر أنثوي ينتجه رجال.

ولذا فإنه من المهم -دائما- أن نميز في حديثنا بين مفهوم (التأنيث) بما إنه نسق إبداعي وثقافي يمس الخطاب اللغوي، وبين التصور السائد الذي يجنح إلى نسبة التأنيث إلى النساء، ونسبة التذكير إلى الرجال، مع التوهم بأن ذلك أمر محسوم ومقطوع به.

إن الشأن الثقافي غير ذلك، وفي الشعر من المقبول والواقعي أن نقسم الشعر العربي إلى مرحلتين بارزتين أولاهما مرحلة الشعر الذكوري، وأخرى مرحلة تأنيث القصيدة.

والمرحلة الأولى: هي الأطول والأعمق إذ إنها امتدت على مدى التاريخ حتى أواسط القرن العشرين، وهي تشمل ما جرى العرف على تسميته بالشعر العمودي الذي هو قائم على عمود الشعر العربي وطبع الأوائل ونسقهم. وتشمل -أيضا- شعر الشعراء المحدثين في العصر العباسي، وكذا الشعر الذي يبدو عليه الخروج الشكلي مثل الموشحات وفن البند. وكذلك تلك المحاولات المبكرة في الشعر الحر منذ عام 1919 في العراق إلى عام 1947 في العراق أيضا مرورا بمصر وبلاد الشام(1) حيث كانت تلك الخروجات خروجات عروضية شكلية لم تمس الجوهر ولم تغير في نسق الخطاب الإبداعي.

تلك -إذن- مرحلة طويلة جدا كان النسق الذكوري (الفحولي) هو الغالب وهو المسيطر. وكان الجميع ينتج خطابا شعريا فحوليا بمن في ذلك النساء الشاعرات كالخنساء وليلى الأخيلية وغيرهما، كما سنذكر بعد قليل.

أما المرحلة الثانية، فقد ظهرت بجلاء واضح منذ عام 1948 على يد نازك الملائكة والسياب، وبواسطة هذه الشاعرة وهذا الشاعر بدأ مشروع إبداعي جديد يتجه نحو تأنيث الخطاب الشعري وكسر عمود الفحولة، بشكل رمزي حسي -أولا- عبر ظهور قصيدة الكوليرا لنازك التي كسرت عمود الشعر الذكوري، ثم بشكل فعلي إيجابي عبر تأنيث النسق الإبداعي للقصيدة، واشترك الاثنان معا في صناعة وتطوير هذا الخطاب الجديد، وهذا صنيع من امرأة ورجل، ولعل الرجل هنا كان أبلغ فعلا وأمضى تصميما في تأنيث القصيدة -كما وضحنا في بحث مستقل يخص هذه المسألة-(2).

على أن التأنيث كمشروع في تغيير النسق لم يحسم مسألة الإبداع الشعري، وجاءت إبداعات أخرى حديثة أخذت بمساع نحو التفحيل في مقابل التأنيث ومساع في الاستفحال، وكل ذلك حدث داخل موجة الإبداع الشعري الحديث(3).

- 2 -

حينما قلنا إن مشروع تأنيث القصيدة قام على يدي شاعرة وشاعر، فإننا بهذا نستدعي الصورة القديمة بأن الشاعرات النساء في القديم لم يفعلن شيئا من أجل تأنيث الخطاب الشعري ولكنهن عززن الخطاب الذكوري وأعدن إنتاجه شعريا وثقافيا.

وهذا هو موضع السؤال هنا.

فلماذا عززت المرأة الشاعرة خطاب الذكورة في شعرها..؟

ولماذا لم يظهر سوى عدد يسير ضئيل منهن على مدى خمسة عشر قرنا..؟

وفي مقابل ذلك نجد أعدادا وفيرة من الشاعرات العربيات ظهرن في النصف الأخير من القرن العشرين، أي بعد ظهور المرحلة الشعرية الثانية، مرحلة تأنيث القصيدة.

***

يبدو أن للثقافة وسائلها الخاصة في الدفاع عن أنساقها المهيمنة، ولا شك أن النسق الفحولي هو أبرز الأنساق الثقافية قوة وهيمنة. ولذا فإن هناك علامات كثيرة تشير إلى مساع حثيثة لحجب الأنوثة عن الشعر، ومنع التأنيث من أن يلابس الخطاب الشعري.

وهذه مساع غير واعية طبعا، ولكنها تحدث بدافع غريزي لا شعوري يحمي النسق الفحولي من الأنوثة، على اعتبار أن الفحولة علو وارتفاع وتسام إبداعي، بينما الأنوثة الإبداعية تدن وضعف ونقص. ولذا استحال تأنيث الخطاب الشعري في المرحلة الأولى وصار هناك علاقة عضوية بين شكل العمود الشعري ومضمونه الفحولي، مما اقتضى أخيرا كسر ذلك الشكل العمودي وتهشيمه من أجل فك ذلك الرابط الوثيق بين العمود والنسق حيث ظل العمود حارسا يحمي النسق ويسنده. وما إن تحطم العمود حتى انكشف النسق وصار عرضة للتبديل والتعديل.

ولسوف نقف على أسئلة تتعلق بمسألة دور الثقافة النسقية في الحيلولة دون تأنيث الشعر في أزمنتنا الأولى. إضافة إلى أسئلة أخرى تسعى إلى كشف التلبسات الثقافية النسقية وأثرها في توجيه التصور الذهني للمبدع أو المبدعة وللناس أصحاب هذه الثقافة من حيث رؤيتهم لأنفسهم ولأفعالهم.

- 3 -

حينما نستقرئ السيرة الثقافية والاجتماعية العربية نستطيع أن نتبين الأسباب الكامنة وراء نشوء حجاب كثيف ما بين الشعر بوصفه فنا في القول والإبداع وبين الأنوثة بوصفها قيمة مقموعة. ولقد جرى تمييز صارم يميز التأنيث من حيث هو موضوع شعري، والتأنيث من حيث هو سمة في الخطاب الشعري. وللشعراء حق منحته لهم الثقافة وتنتظره منهم في أن يخوضوا بالحديث عن المرأة والناقة بل في وصف القصيدة نفسها بصفات الأنوثة كأن توصف القوافي بالعذراء وكأن يشير الشاعر إلى تفوقه في افتضاض الكلمات..الخ(4)، وهذا حق شعري يتباهى به الشعراء ويتبارون فيه. تلك هي الأنوثة كموضوع شعري.

أما أن تكون الأنوثة سمة للخطاب فهذا ما ظل الشعر يتعالى عليه وينظر إليه بوصفه دونية وضعفا، ويكفي أن نشير هنا إلى مثال واحد يدل على الخلفية الذهنية الثقافية حول هذه المسألة وذلك فيما ورد بين عبد الملك بن مروان وابن قيس الرقيات حينما أنشد قائلا:

إن الحوادث بالمدينة قـــد أوجعنني وقرعن مروتيـــه

وجببني جب السنام ولــم يتركن ريشا في مناكبيــــه

فقال له عبد الملك: أحسنت لولا أنك خنثت في قوافيك (الشعر والشعراء،345).

وهذا علامة على مسعى الثقافة لحجب التأنيث عن الشعر. ولقد سلكت الثقافة سبلا عديدة في سبيل تجذير ذلك الحس المعادي للتأنيث، ولم يك عبد الملك بن مروان بدعا في ملاحظته تلك، بل إنه كان يتكلم بلسان النسق الثقافي وبروح الحس الذوقي الشعري الفحولي، الذي يرى الشعر في الفحولة ولا يراه في التأنيث، ويرى الليونة قيمة أنثوية لا تقبل في الشعر مثل قوافي ابن قيس الرقيات.

وهذا يضعنا أمام سؤالين هما:

1 - ما الذي أخفى صوت الأنوثة في الشعر..؟

2 - حينما ظهرت بعض الشاعرات ما الذي منعهن من أن يقلن شعرا يفتح مجال الصوت المؤنث..؟

ولسوف نعالج هذين السؤالين فيما يلي من قول.

- 4 -

من حسن الحظ أن لدينا كنزا مهما للمعلومات يساعدنا على تصور حال الثقافة العربية القديمة. وذلك هو ما نشهده الآن من واقع الثقافة الشعبية خاصة في مسألة الشعر وموقع المرأة فيه. وما نشاهده الآن عندنا مما هو ماثل أماما عن ممارسات الشعراء والرواة والشاعرات في الأدب الشعبي تعيننا على القياس النظري بمعنى إن الثقافات الأمية الشفاهية تحمل القيم ذاتها وتمارس أفعالا متماثلة، خاصةإذا ما كان القياس يستند على وضع ثقافي في الجزيرة العربية ذاتها. ولقد سعيت إلى مراقبة الواقع الثقافي للشعراء والرواة والشاعرات في المملكة العربية السعودية مستعينا بذلك على تصور الواقع الثقافي العربي القديم، وسوف أستند إلى ذلك في بعض ما أقوله هنا.

1.4-ثقافة السيدة/ثقافة الجارية:

لا بد -أولا- أن نشير هنا إلى عامل مهم في الثقافة العربية وهو التمييز ما بين السيدة والجارية. ومع أنهما معا نساء وينطبق عليهن في الشرع أحكام واحدة، إلا أن الثقافة تميز بين ما للسيدة وعليها والجارية. ولنقف على مثال واضح صار في بلاط هارون الرشيد حيث نشاهد ثلاث عينات ثقافية عبر ثلاثة نماذج وهي (زبيدة) زوجة هارون الرشيد، السيدة بنت الأصول، والثانية (تودد) الجارية، والثالثة (علية) أخت هارون الرشيد، وهذه امرأة تكاد تكون نصف جارية لأنها ابنة جارية ولأنها تجمع بين ثقافة الجارية وثقافة السيدة، كما سنوضح.

والسيدة زبيدة هي مثال المرأة العربية الحصان المصون، التي تكرم وتسمو في صيانتها وصيانة نفسها بدنا وصوتا ومشاعر، وكلما بالغت في التخفي والتستر زادت مكانتها السيادية.

أما (تودد)(5) فهي جارية يجري عرض جسدها ومهاراتها الجسدية والصوتية الجمالية، وتزداد قيمتها المعنوية والمادية كلما زاد إظهار محاسنها ومهاراتها. وهنا تأتي المبالغة في الإظهار مقابل المبالغة في الإخفاء للسيدة. وهذا يمثل حدا فاصلا ما بين السيدة والجارية وما بين نسقين في ثقافة واحدة ومجتمع واحد، بل في بيت واحد وأمام رجل واحد.

هذان نسقان واضحان والفصل بينهما واضح. وليس من مشكل اجتماعي وثقافي لدى أسلافنا في هذين النموذجين. ولكن المشكل يأتي حينما يخرج لنا نموذج بين بين، أي حينما يخرج لنا سيدة تسعى إلى إظهار صوتها وإظهار مشاعرها، وهي ليست جارية فتعامل معاملة الجواري، كما أنها هي لم ترض بالشرط الثقافي المتستر على السيدة الحرة التي تكون حريتها السيادية في قبولها للشرط الثقافي والاجتماعي.

وهذا ما حدث لعلية أخت هارون الرشيد التي قالت الشعر وأعلنت الحب وجاهرت بالغناء. ولهذا جاء الحرج الثقافي الكبير. وهذا هارون الرشيد المحب للشعر والطرب يجد نفسه يمقت الشعر والألحان، لأنه غير قادر على قبول تداخل الأنساق ودخول نسق على نسق، ولا تسمح له ثقافته أن يرى أخته تفعل أفعالا هي في ثقافته من أفعال الجواري(6).

لذا ظل هارون الرشيد كما تروي الأخبار في حال قلق دائم مع أخته (علية) فأحيانا يفرح بها وأحيانا تغص نفسه بالغيظ والقهر إلى أن ماتت وطبع على جبينها قبلة الموت وأحس بالراحة من ذلك العبء الثقافي الباهض(7).

هذا مثال على حالة تحدث وتتكرر مع ظهور أي امرأة تخالف شروط النسق.

2.4-كانت علية واحدة في بلاط راق ومتطور ثقافيا ويحيط بها الفن والثقافة والجاه من كل مكان، حتى إن أمها مغنية وجارية في أصلها وأخاها الشقيق كان مغنيا ويشاركها في الغناء(8) ولها أداء شعري ولحني رائق حتى إن المعتصم استمع إلى لحن شعري أطربه وفرح به، ولما سال عن قائله غضب غضبا شديدا حينما قالوا له إنه لعمته (علية). وهذه غضبة ثقافية تشترطها الثقافة وتدفع إليها. وإلا ما الذي يجيز للجواري ما هو حرام على السيدات؟

ولئن كان اجتماع الشعر والغناء كارثة ثقافية على ذوي السيدات، وهذا أمر جلي ثقافيا واجتماعيا فإن قول الشعر -وحده- يأتي أيضا ليكون حرجا ثقافيا واجتماعيا يصعب التسامح فيه، ولقد روى لي أحد شيوخ الريف أن في أسرتهم خمسا وعشرين شاعرة. وكان يقول هذا أمامي متباهيا وفخورا بأسرته المبدعة، ولكنه حينما طلبت منه نصوصا شعرية لنساء عشيرته (أسرته) وصرت أسأله عن معلومات وعن أسماء وعن أخبار أزور وجهه والتفت إلي معاتبا وقال إن هذا عيب ولا يليق بنسائهم أن تظهر أسماؤهن أو مشاعرهن للأغراب. وقال لي مؤكدا وجازما إن هذا هو طبع العرب، وأن الشعر في نساء العرب كثير ولكن لا يليق تناقل هذه الأشياء، والنساء والرجال معا لا يقبلون ذلك.

كان يقول لي هذا الكلام وأنا أنظر في وجهه وأرى تاريخا ثقافيا مديدا تؤكده الوقائع والروايات. ومنها حكاية لشاعرة سعودية مبدعة ظلت تنشر أشعارها في الصحف السعودية بضع سنوات، ولا أحد يعرف اسمها، وكانت تنشر تحت أسماء مستعارة وبدأت بمسمى (غجرية الريف) ولما انكشف اللقب لأهلها غيرته إلى (غيداء المنفى) ثم بعد ذلك اختفت اختفاء نهائيا والسائد أن أهلها حالوا بينها وبين النشر، مع أنها أفضل من كتب القصيدة الحديثة في المملكة.

وهذه قصة من قصص تشير إلى قوة النسق الثقافي الذي يميز المرأة العربية الحرة عن سواها من النساء.

ومن يستعرض الجرائد السعودية يشاهد في صفحات الأدب الشعبي قوائم من الأسماء المستعارة لنساء شاعرات مثل:

قناديل نجدية (البلاد 8 مايو 1998)

فتاة الوشم

بنت أبوها الجزيرة 25 أبريل 1998

غريبة نجد

وفي كتاب صدر عن الشاعرات في نجد نلاحظ ألقابا مثل: فتاة الوشم، أغاريد السعودية، ريم الصحراء، وأحيانا يأتي الشعر مرويا لامرأة بلا اسم ولا لقب(9).

وهذا ليس بالأمر الجديد فالخنساء لم يك هذا اسمها ولكنه لقب تحجبت به، واسمها الحقيقي (تماضر) وهو اسم لم يك مسموحا تداوله بين الناس.

ولقد أجابت الشاعرة (قناديل نجدية) عن سؤال حول حاجتها إلى الاسم المستعار وقالت: "الأسماء المستعارة تناسب المرأة لأنها معه تكتب بكل راحة وتلقائية دون الحساب لردة الفعل ممن يعلمون باسمها الحقيقي، ويعطيها الاسم المستعار مساحة أكبر في تدوين كل ما يجوز بخاطرها"(10).

وفي هذا إشارة دقيقة إلى الشرط الثقافي الذي يمنع المرأة من قول الشعر ويحول بينها وبين الشعر، ومن الطريف أن كاتبات الشعر بصيغته العمودية وحدهن من يجدن أنفسهن محكومات بهذا الشرط، وهذا ما يجري للشاعرات العاميات في العمود الشعري العامي، مثلما كان حال تماضر التي تلبست باسم مستعار هو الخنساء، مثلهن أم نزار الملائكة (والدة نازك)(11). بينما لا نجد ذلك لدى شاعرات القصيدة التفعيلية وقصيدة النثر ولا لدى كاتبات القصة والرواية.

وهذا أمر له دلالته عن الرابط العضوي ما بين الشعر ذي العمود وبين النسق الفحولي. فالعمود رمز ثقافي وقيمي يجعل النص الشعري نصا ذكوريا محروسا ومحميا ويجعله نسقا ذكوريا يمنع دخول التأنيث إليه ويتخذ لذلك وسائل شتى رأينا بعضها وسنرى مزيدا منها.

3.4-إذا قلنا إن الثقافة تتوسل بوسائل عديدة من أجل فرض شرطها النسقي فهذا يعني أن الشخوص الاجتماعية تترحك بوصفها كائنات ثقافية مسيرة ذهنيا وكأنما هي مبرمجة فعلا حسب المقتضى الثقافي، وحينما يكون هارون الرشيد رجلا من ذوي العشق لمجالس الشعر والطرب وممثلي هذين الفنين فإنه في الوقت ذاته يملك في داخله كائنا آخر، وهو كائن مبرمج حسب مقتضى الثقافة، وإذا ما كان من العيب على السيدات أن يكن مثل الجواري فليس لهذا الرجل إلا أن ينصاع لذلك الشرط. وهذه حال الشخوص الاجتماعية التي لا تسمح لها الثقافة إلا أن تلعب الأدوار المرسومة ثقافيا، ولذا فإن تصرفات البشر تحدث عبر هذا الدافع وبواسطة هذا الوازع.

وحينما نأتي إلى (الرواة) نتذكر أن الراوية الشفاهي كان هو الوسيط العلمي والثقافي الذي يحمل معارفنا ويعبر بها المسافات والأزمنة لكي يوصلها إلينا.

والراوية كائن ثقافي يتحرك حسب الوازع الثقافي، ومن هنا فإنه أحد حراس الثقافة الأمناء. وهذا يعني -فيما يعني- أن شعر المرأة كان تحت تصرف الرواة فيما يروون وفيما يحجبون.

وهناك مؤشرات تشير إلى وجود شاعرات لا نعرف لهن شعرا، أي أن الرواة تجاهلوا شعرهن. فزهير بن أبي سلمى له أختان شاعرتان(12)، كما أن للخنساء بنتا شاعرة(13). ولا نعرف عن شعرهن شيئا. كما أن هناك ما يشير إلى شعر للخنساء لم يصل إلينا وهو ما جعل أحد الباحثين يلاحظ أن شعر الخنساء مقطعات كله(14) مما يعني تدخل الرواة في حجب الشعر. بل إن أحد الرواة الشعبيين المعاصرين أشار صراحة إلى تدخله في نصوص النساء بالانتقاء والحذف وبالتعديل(15).

وللنساء الشاعرات دور في ذلك أيضا إذ كل ما تشير إليه الروايات عن ليلى الأخيلية يوحي بذلك حيث نلاحظ أن وفاداتها على الخلفاء وطلبهم منها أشعارا عن حبيبها توبة بن الحمير يجعلها تقول عنه أشعارا قيلت بعد موته، وكأنها مراث ولا تروي في هذه المجالس أشعارا عنه وهو على قيد الحياة. وهي بهذا تشارك في الحذف والحجب، أي أنها تلعب دور (الراوية) كما هو مرسوم ثقافيا.

وهذا يعني أن الرواية فعل ثقافي يسير وفق شروط ثقافية ويتحكم فيه النموذج الفحولي، وما وافق هذا النموذج فهو ما يستحق الرواية وما خالفه فلا.

ولا ريب أن فعل الرواية هو فعل تسويقي يخضع لشروط السوق ورغبات المستهلكين، وفي هذا المعنى تكون (الرواية) استجابة للذائقة السائدة وما تبتغيه هذه الذائقة. وهذا حجب الشعر ذا النسق غير الفحولي، لأن المطلوب ثقافيا هو الفحولة الشعرية لا سواها.

وحينما نتحدث عن (الرواية) فلا بد أن نشير هنا إلى أن المرأة تعتمد اعتمادا كليا على الرواية إلى الآخرين، خاصة أن المرأة لا تكتب وقد جرى منعها من الكتابة(16) كما أن قدرتها على الاتصال الجماهيري في أسواق الأدب ومجالسه محدودة وقاصرة، ولذا فإن الرواية هي الوسيلة الوحيدة لتوصيل شعرها، وما دام الرواة خاضعين للشرط الثقافي الفحولي فهذا معناه إحكام الحصار على الشعر النسوي وحجبه عن النور ومنعه من الوصول.

وهذا ما نفترض حصوله، إذ لا يمكن أن نتصور أن خمسة عشر قرنا من الزمان لم تنتج سوى بضع شاعرات عربيات. هذا أمر لا يمكن تصوره، خاصة أننا نتحدث عن بيئة شفاهية أمية يتساوى الناس فيها مع لسانهم اللغوي، ولا يحتاج الشعر في مثل هذه البيئة إلى دخول المدارس وتعلم الصنعة، يتساوى في ذلك الرجل والمرأة فامرؤ القيس وفحول الجاهلية يتساوون مع أي امرأة في زمانهم من حيث التعلم أو عدمه، وثقافة الجميع متماثلة. ولئن فهمنا أسباب غياب المرأة عن العلوم والمنطق والتأليف التي تحتاج إلى تعليم واكتساب مدرسي إلا أن الشعر غير ذلك. وهذا هو ما يدفعنا إلى توجيه الاتهام إلى الرواة والمدونين ويشمل ذلك ذوي النساء من رجال الأسرة والعشيرة والحي الذين هم حراس الثقافة وحراس عمود الفحولة.

- 5 -

تلك أسباب وهناك غيرها. وسنرى هنا أن المرأة نفسها أسهمت في تمييع دورها الإبداعي الشعري عبر وقوعها في مأزقين نقف عليهما هنا.

1.5-المأزق الأول: تأنيث الشعر أم تفحيل الشاعرة:

كانت مي زيادة ترى أن الرجل يتأنث حينما يأخذ نفسه إلى عالم الإبداع الأدبي والفني، وهي على شيء من الصواب في ذلك، غير أن التجربة الثقافية العربية مع الشعر العمودي -تحديدا- تشير بقوة إلى أن هذا الجنس الإبداعي فن فحولي موغل في فحوليته، ولذا يجري دوما تفحيل الداخل إليه، حتى النساء من الشاعرات. ولدينا مثال صارخ من ليلى الأخيلية التي تقول(17):

نحن الأخايل لا يزال غلامنا حتى يدب على العصا مشهورا

تبكي الرماح إذا فقدن أكفنـا جـزعا وتعلمنا الرفــاق بحـورا

ولنحن أوثق في صدور نسائكم منكـم إذا بكـر الصراخ بكـــورا

وهذا نص لا يقوله إلا أعرق الفحول فحولية، ولا يمكن أن نتصور ليلى الأخيلية وهي تقول هذه الأبيات إلا على أنها نموذج فحولي تتكلم، لا بلسانها المؤنث، بل بلسان الثقافة الفحولية التي تحتل ذهن الشاعرة وتوجه لغتها وخيالها وذائقتها.

وهذا طبعا يشير إلى أن المرأة العربية دخلت إلى الشعر -قديما- خاضعة لشروط النموذج الشعري. ولم تسع إلى تأسيس نسق شعري مختلف. وهي تدخل إلى عمود الشعر مدفوعة بالرغبة في أن تكون (مثل) الرجال وتقول شعرا (مثل) أشعار الرجال وتكون فحلة مثلما أنهم فحول، ولم تفكر بالتأنيث على أنه قيمة إنسانية ويمكنه أن يكون -أيضا- قيمة جمالية إبداعية. كانت الفحولة وحدها هي القمة الإبداعية، ولم يكن للتأنيث مجال لأن يكون قمة إبداعية أخرى.

ولقد تضافرت الجهود والظروف على تفحيل الشاعرة بدلا من أن تسعى الشاعرة إلى تأنيث القصيدة.

ولو تذكرنا الآن المرويات عن خيمة النابغة وما جرى فيها من حوارات كانت تتعامل مع (الخنساء) على أنها تلميذة جديدة في مدرسة الفحول. وكيف كان يجري تدشينها (وتدجينها) لكي تكون فحلة تضارع الفحول وتبزهم في الفحولية (وليس في التأنيث). وجرى من حسان بن ثابت أن ظل يلاحق الخنساء ويحاول إغراءها بهجاء بعض الشعراء، وكأنه بذلك يريد منها أن تثبت لرجال عمود الشعر وخيمة الفحول أنها فحلة الفحول هجاءة رنانة خطرة اللسان وسليطة البيان كشأن الفحول(18).

وتشيع في أشعار الخنساء إشارات فحولية متنوعة مثل (طلب الثأر) و(الفخر) حتى نسب إليها أفخر بيت قالته العرب وهو بيتها المشهور (وإن صخرا لتأتم الهداة به…الخ)(19). وكذلك كانت ليلى الأخيلية شاعرة هجاءة ومداحة(20). ومثل هذا كانت علية بنت المهدي شاعرة فخريات وهجائيات.

هذا كله يشير إلى أن المرأة قد أسهمت في حجب التأنيث وقمعه والحيلولة دون نشوء نسق إبداعي أنثوي. وما ذاك إلا لأن المرأة لم تأخذ بطريق (الاختلاف)، ولم تسع إلى استكشاف قيمتها الخاصة عبر تعرفها على ذاتها بوصفها ذاتا مختلفة ومن ثم فهي ذات قابلة للتميز بواسطة اختلافها.

إن طلب المرأة للمساواة والتساوي مع الفحول جعل الفحولة هي الغاية الأسمى إبداعيا، وبالتالي تكون الأنوثة دونية وضعفا.

وهذا ألغى المرأة والتأنيث عبر دمجها في الفحولة من جهة وعبر تأكيد لا شعرية التأنيث ولا جماليته.

وبما أن المرأة -قديما- لم تكتشف طريق الاختلاف فإنه لم تبصر طريقا للتميز، وهذا أحد العوامل التي قتلت صوت الأنوثة في تاريخ الشعر العربي العمودي على مدى قرون من الفحولة الإبداعية.

2.5-المأزق الثاني: المرأة البكاءة:

بما أن المرأة -قديما- لم تكتشف طريق (الاختلاف) ورضيت بشروط النسق السائد وتقاصر طموحها كي تكون -فحسب- مساوية للشعراء الفحول فإن هذا جعلها عرضة للتقليص المستمر، وهذا طبعا هو ما يمليه الشرط الثقافي من حيث إن المهيمن لا يرى في أولئك المحاكين له منزلة خاصة، ولكنه يرى الاختلاف الذي يقود إلى تحدي السائد ومناهضته وتقديم بديل منافس له. وهذا ما لم يحدث في التجارب الإبداعية القديمة نسويا على مدى قرون، مما قلص عدد الشاعرات وجعلهن رقما ملغيا في التجربة الشعرية التاريخية، ثم إنه أدى إلى تحقير إنجاز من قلن شعرا -على قلتهن. ولذا نقرأ في الأغاني هذه المقارنة بين حسان والخنساء فيقول: حسان شاعر والخنساء بكاءة(2/16).

هذه المرأة التي سعت بكل ما أوتيت من سعي لكي تدخل إلى نادي الفحول وتجلس في خيمتهم تحت قيادة النابغة وزمالة حسان تنتهي بأن تخرج من مصطلح الشعر وتحبس في خانة البكاء.

هذا هو حكم النسق عليها وعلى أي إبداع يركن إلى (المشاكلة)(22) ويكتفي بنشدان المساواة. هذه المساواة بين غير متساو مع كائن مسيطر ونسق مهيمن وهي ما تنتهي بمن طلبه إلى الإلغاء.

وفي سبيل الإلغاء والحذف جرى النظر إلى فن الرثاء على أنه فن نسائي، وعقدت المقارنة بينه وبين النياحة وصار النظر إلى شاعرات هذا الفن بوصفهن نائحات وفنهن فن النوائح(23).

وهناك دلالات شعرية تشير إلى تعالي بعض الشعراء الفحول على (الرثاء) مثل الفرزدق الذي تمنع عن رثاء زوجته النوار، ولم يتمالك جرير نفسه عن الاعتذار الضمني عن رثائه لزوجته وافتتح نصه بجملة تتضمن هذا الاعتذار وتوحي بعدم وجاهة حدوث ذلك من رجل فحل فقال مفتتحا نصه (لولا الحياء لهاجني استعبار)(24). وكلمة (الحياء) هنا تشير إلى الضاغط النسقي الذي يستعيب هذه الرقة على فحل.

وإن رأى الفحل أن الرثاء فن نسائي لا يليق بالرجال فإن النساء الشاعرات أنفسهن لا يرثين في أشعارهن إلا الرجال، ولم تقل الخنساء شعرا في امرأة -قط- ولا حتى عن نفسها وذاتها الوجدانية. كل هذا لأن الضاغط النسقي لا يسمح للتأنيث والذات الخاصة أن تكون ذات شأن، وتمت برمجة المرأة على هذا التصور حتى أصبح نوعا من اليقين يتردد على ألسنة الرجال والنساء معا، حتى لقد صرحت إحدى الشاعرات حديثا بأن قالت إن (القصيدة مغامرة شعورية يصعب أن تخوضها المرأة)(25).

ومن الطريف أن هذا الكلام يصدر -اليوم- عن امرأة شاعرة تقدم نفسها على أنها مبدعة ومناضلة إبداعيا، مما يعني أن الذي يتكلم فيها وعبرها هو النسق الثقافي الذي غرس فينا جميعا الشعور بأن الشعر فحولي وليس خطابا أنثويا. ونجد صدى هذا في صحافة الأدب الشعبي حيث جرى مؤخرا استفتاء صحفي عن النساء الشاعرات فجاءت الإجابات سلبية بشكل شديد وكان عنوان التحقيق ينص على أن (الشعر النسائي وهم ولن يستحيل حقيقة أبدا)(26). وهذا حكم على ما كان بأنه وهم كما أنه حكم على المستقبل أيضا، وفي ذلك إلغاء للمرأة كجنس وللتأنيث كقيمة من أن يكون لهما موقع في شعر هو ذو نسق فحولي. ويشترك في تعزيز هذه الفحولية شخوص الثقافة من رجال ونساء.

- 6 -

والسؤال الآن هل حسمت المعركة الثقافية لصالح النسق الذكوري وتم فعلا حصر الإبداع الشعري بشرط الفحولة..؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال لا بد أن نذكر بما افتتحنا به كلامنا وهو أن (التأنيث) مفهوم نسقي لا ينحصر على فعل المرأة، ولكنه قيمة جمالية إبداعية توازي مفهوم (الفحولة) ويشترك في إنتاجه الرجال والنساء معا.

وإذا قلنا هذا وضبطنا فهمنا على هذا الأساس فإننا حينئذ نشير إلى مسألتين مهمتين هما:

أولا-هناك علاقة عضوية صارمة ما بين الشكل العمودي الشعري من جهة والفحولة من جهة ثانية. وكل شعر عمودي فهو بالضرورة شعر فحولي. والتجربة تشير إلى ذلك بجلاء وانتظام ولم يحدث قط في شعرنا القديم كله -حتى في الموشحات- أن دخلت عناصر تأنيث النص الشعري إلا بعد تكسير عمود الشعر وتهشيمه -كما فعلت نازك والسياب- ومن بعد ذلك انفتح القمقم وخرج العفريت المؤنث، وجاء (تأنيث الشعر) فعلا على يد رجال ونساء، وظهرت أسماء النساء بكثرة وبإبداع ملحوظين.

ثانيا-لا يتحقق الإبداع والتميز إلا بواسطة الاختلاف. ولذا لم تبدع المرأة قديما لأنها كانت تتخذ من المساواة طريقا لها وكانت تطمح إلى محاكاة الفحول، وأدخلت نفسها في مشروع للتفحيل لم العمودية تشير إلى ذلك، ولكانا مجرد رقمين فارغين في جدول تحتله عمالقة الشعر وفحوله على مدى قرون.

ولكن اختلافهما قادهما إلى الخروج أولا في عام 1947 ثم أعقبه تميز إبداعي في عام 1948 وجاء النسق الجديد.

والشعر إذا لم يكن خطابا أنثويا فهو ناقص في نسقه الإنساني وسيكون انحيازيا ومتعاليا وأنانيا. وهذه كلها عيوب في الشعر القديم سيكون لنا معها وقفة أخرى -إن شاء الله-

 

الهوامش:

1 - انظر: عبد الله الغذامي: الصوت القديم الجديد، الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1987.

2 - بحث بعنوان (قراءة القصيدة الحرة) قدم ضمن أبحاث ندوة الأخطل الصغير، مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين، بيروت، أكتوبر 1998.

3 - عالجنا موضوعي الاستفحال والتفحيل في بحثين مستقلين كجزء من مشروع دراسة الأنساق الشعرية الثقافية.

4 - انظر البحث الخاص بقراءة القصيدة الحرة.

5 - عبد الله الغذامي: المرأة واللغة، 85 المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء 1996.

6 - عن علية وأخبارها، انظر الأغاني 9/90 مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، د.ت.

7 - ورد في الأغاني أن هارون الرشيد طبع على جبين أخته علية قبلة وهي في فراش مرضها ثم أسلمت الروح وماتت.

8 - السابق، 9/78-79.

9 - منديل الفهيد: من آدابنا الشعبية في الجزيرة العربية، قصص وأشعار نساء العرب، 2/6-8-10-12.

10 - جريدة البلاد، 8/5/1998.

11 - عن أم نزار الملائكة انظر: بنت الشاطيء: الشاعرة العربية المعاصرة، 44 دار المعرفة القاهرة، 1965.

12 - الأغاني، 9/150.

13 - عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي 217، دار العلم للملايين، بيروت، 1969.

14 - السابق، 218.

15 - منديل الفهيد: من آدابنا الشعبية 5.

16 - عن منع المرأة من الكتابة انظر عبد الله الغذامي: المرأة واللغة، 111.

17 - الأغاني 10/76 وانظر الحماسة لأبي تمام 2/393. تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة محمد علي صبيح، القاهرة، 1955.

18 - الأغاني 2/157 وعن مجلسها مع النابغة، انظر 8/188 و9/156.

19 - الأغاني/ 13/140 - 14/112.

20 - السابق، 10 -78 - 79.

21 - عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي، 2/187.

22 - عن مصطلحى: المشاكلة والاختلاف، انظر عبد الله الغذامي: المشاكلة والاختلاف 11، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء 1994.

23 - بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، 1/164، ترجمة عبد الحليم النجار. دار المعارف بمصر 1967 وانظر كذلك: غرونباوم: دراسات في الأدب العربي 137، ترجمة إحسان عباس وآخرين، مكتبة الحياة، بيروت 1959.

24 - ديوان جرير 154، دار صادر/دار بيروت 1960.

25 - هي الشاعرة بديعة كشغري، عكاظ، 26/5/1998.

26 - عكاظ، 19/5/98.