ص1       الفهرس          المحور

 

رحلة المعنى

من بطن الشاعر إلى بطن القارئ

 

 

عبد الله محمد الغذامي(*)

 ع17

 

-1-

 

1-1  في الأصل لم يكن القارئ:

قال الفرزدق: (كان الشعر جملا بازلا عظيما فنحر فجاء امرؤ القيس فأخذ رأسه، وعمرو بن كلثوم سنامه، وزهير كاهله، والأعشى والنابغة فخذيه، وطرفة ولبيد كركرته، ولم يبق إلا الذراع والبطن فتوز عناهما بيننا)(1).

لقد جاءت القصة في مساق السخرية من شاعر صغير مبتديء كان قد عرض شعره على الفرزدق فراح الفرزدق يسخر منه ومن شعره، ويقول له هذا القول عن (الجمل البازل) الذي تقاسمه الرجال الفحول (الأوائل) ولم يبق منه شيء.

هذا قول ظاهره السخرية، ولكنه ينطوي على تصور عقلي له جذوره وله ممارساته العريضة قديما وحديثا.

وهو تصور يستند على ركيزتين: الأولى هي تلك التي ترى أن الأول أسبق وأقدر وأعظم، وبالتالي فإن الأول ما ترك للآخر شيئا. ولذا فإنه نحر الجمل أولا، ثم أخذ أجود ما فيه، وترك لنا الفضلة الحقيرة نتقاسمها.

والضمير في (لنا) لا يخص الفرزدق وجيله، ولكنه ضمير مفتوح لنا كلنا الذين نقتات على بقايا الجمل المذبوح في الزمن الأول القديم.

إننا نعيش على الفضلات من جهة، وليس لدينا جمل حي آخر ننحره ونأكل من رأسه وكاهله، من جهة ثانية. والأولون لم يتركوا لنا شيئا، وبالتالي فنحن لن نترك شيئا لمن هم بعدنا.

أما الركيزة الثانية فهي ناتجة عن الأولى ومتولدة عنها، وبما أن الأول يأخذ الأفضل ولا يترك للاحق شيئا سوى الفضلة فإن الأول -دائما- يحتقر الآخر ويسخر منه ويتعالى عليه. وحكاية الفرزدق هنا ليست سوى عينة على مواقف كثيرة متكررة يتجلى فيها دائما تعالي الكبير على الصغير وتعالي الشاعر على الشاعر منذ أيام خيمة النابغة التي كانت تجسيدا لصورة الواحد الأفضل الذي لا سواه، وهي صورة تتكرر في كل مرة يحتك فيها شاعر مع شاعر ليكون أحدهما هو الأفضل إطلاقا وبالقطع، حتى إن الفرزدق كان يسرق أشعار الصغار المبتدئين لأنه أحق بها منهم ويأخذها بقوة لسانه وبحد السيف أيضا(2).

هذا صراع الأقوياء سادتنا أمراء الكلام، كما وصفهم الخليل بن أحمد(3).

أما رعايا الكلام الذين هم القراء، فهم آخر الآخرين الذين ليس لهم من (الجمل) ولا حتى فرثه ولا دمه. ولقد ذكر الفرزدق أن الجزار طلب الفرث والدم (فقلنا هو لك).

هؤلاء هم أمراء الكلام أكلوا الجمل بما حمل وبخلوا علينا حتى بحق البصر في الشعر. وهذا كعب بن زهير يقول لنا نحن القراء رعايا الكلام: أنا أبصر بشعري منكم(4) وبذلك يسد علينا كل الطرق إلى الجمل المنحور.

هذه حالة تسلط نخبوي تبدأ بتميز فئة من البشر على من سواهم ثم تتمايز هذه الفئة من داخلها لتنتهي الغلبة لواحد يرى نفسه الطائر الأوحد (أنا الصائح المحكي والآخر الصدى)(5). هذا أمير الأمراء وشاهنشاه الجمل.

وكما هو الشأن مع كل حالة تسلط فإن السلطة تفرز من داخلها معارضة تتحداها وتحاول نقضها. ولذا رأينا محاولات الباقلاني التمردية ضد أمير الشعراء الأول ومحاولات العقاد ضد أمير الشعراء الثاني. فقوض الباقلاني أشعار امرئ القيس وهزأ منها، أي من رأس الجمل(6). وكذا فعل العقاد مع أحمد شوقي(7) ولم يغادر الاثنان عضوا من أعضاء الجمل البازل إلا بعد أن هشماه وكسراه وقطعاه إربا.

1-2 قال الجاحظ ذات مرة: إذا سمعت الرجل يقول ما ترك الأول للآخر شيئا فاعلم أنه لن يفلح(8). ويتجاوب مع هذا ويتساوق معه قول أبي تمام(9).

يقول من تقرع أسماعه       كم ترك الأول للآخـــــر

وهاتان إشارتان إلى نسق ذهني مفتوح ومتفتح يرى أن العقل البشري طاقة حية متنامية وأن الجمل البازل ليس فردا فريدا ولكنه جمال بزل متعددة.

وإن كان النسق المتسلط يرى أن الشعر جمل فحل مذكر ولذا فهو غير ولود، وإذا جرى نحره على أيدي الأوائل فهذه هي النهاية والغاية. ابتدأ الشعر بذي القروح وانتهى الشعر بذي القروح ولم يبق سوى الفرث والدم اللذين أكلهما الجزار.

إن كان هذا هو منطق النسق المتسلط فإن النسق المفتوح يرى أن الشعر ناقة ولود وليست جملا بازلا-والبازل تعني الاكتمال والتمام، ومن ثم الإغلاق والانتهاء(10) بينما الناقة معطاء ولود وكل عطاء هو إنتاج ومفتاح إنتاج. ولذا فهو باب للفلاح -كما ينص الجاحظ- وهو باب لعلو الصوت ومداخلته لآذان القاريء المستقبل -كما يرى أبو تمام-.

ولكن النسق المفتوح يظل نسقا محاصرا ومحاطا بحدود تضربها الثقافة السائدة من حوله. والسيادة ولا شك هي للنسق المتسلط الذي يتجلى في معظم الأفعال الثقافية والإبداعية والاجتماعية، ولذا فهو الأقوى والأمكن. ومنه جاءت الحرب ضد أبي تمام وضد إبداعه المتمرد على (الجمل البازل)، ولذا قال صوت النسق المتسلط عن شعر أبي تمام: إن كان هذا شعرا فما قالته العرب باطل.

وكلمة باطل هنا كلمة سلطوية قمعية يصدر عنها حكم قسري على شعر أبي تمام بوصفه باطلا يجب إخضاعه وتجب إعادته إلى بيت الطاعة لأن المنطق يلزمنا باعتبار شعر العرب حقا وليس باطلا. ومن غير المعقول أن يكون شعر العرب باطلا، وإذا جرى الخيار بين باطلين فالحق سينعكس ضد الضعيف الطارئ، ومن ذا يجرؤ على مقارعة (الجمل البازل).

ومن فعل هذا وتجرأ فإنه سيموت في شبابه كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضا(11). لقد أكل أبو تمام بعضه بعضا لأنه لم يجد من لحم الجمل البازل ما يمكنه أن يتغذى به فأكل من لحمه هو ومات قبل أوانه.

ولكنه قبل أن يموت استطاع أن يقدم لنا مثالا راقيا على مناهضة النسق المتسلط، وتجلى هذا في تبنيه للبحتري المختلف عنه إبداعيا وفنيا، وفي تعامله الإيجابي مع أشعار العرب المختلفة عن أشعاره، وذلك في مختاراته الراقية في حماسته. وهذان موقفان مبدئيان مع المخالف والمغاير ولم يضق صدر أبي تمام بالآخر ولا بالصغير اللاحق لأن أبا تمام ينتمي إلى النسق الثقافي غير المتسلط الذي يؤمن بالاختلاف والانفتاح والتعدد وإمكانية التطور (وكم ترك الأول للآخر) والثقافة عنده كتاب مفتوح وليست بازلا منحورا.

1-3 هذان نسقان واضحان يغلب أحدهما لأنه متسلط، أما الثاني، فإنه يكافح من أجل إسماع صوته والحفاظ على هذا الصوت لكي لا يموت في شبابه ويأكل بعضه بعضا ولكي يحصل على قطعة من لحمة البازل الأول.

وطغيان أحد النسقين لا يلغي الثاني من الوجود وإن حاصره وقمعه، ولذا نجد علامات على وجود مزدوج للنسقين معا لدى الفحول آكلي البازل. وهذا المتنبي صاحب الصوت الأوحد -حسب مواصفات النسق المتسلط- يقف بحياء نادر أمام ابن جني بوصف ابن جني قارئا حرا لم يذق لحم البازل ولم يطعمه قط. يقف المتنبي أمامه ويسر له بسر خطير دارى المتنبي عنه عيون النسق البازل. قال المتنبي سره ولم يشأ إعلانه ولكن ابن جني روى لنا السر وقال:

قال لي المتنبي يوما: أتظن أن عنايتي بهذا الشعر مصروفة إلى من أمدحه..؟ ليس الأمر كذلك، لو كان لهم لكفاهم منه البيت.

قلت: فلمن هي..؟

قال: هي لك ولأشباهك(12).

هنا فيما يرويه ابن جني نرى وعيا ثقافيا مفتوحا على القارئ ودور الفعل القرائي في الصياغة الشعرية حتى لقد صار الغائب أهم من الحاضر والبعيد أهم من القريب والمتذوق أهم من المانح، وبالتالي فإن عطايا العقول أهم من عطايا الأمراء. وكأنما القراء قد صاروا هنا هم أمراء الشعر والكلام والمانحين للهبات العظام، ولم يعد الشاعر يحتكر معانيه ويخبئها في بطنه، ولم يعد أبصر بشعره من قارئيه.

هذا فتح جليل ولكنه سر غير معلن لأن المتنبي لم يكن ليرضى بالقراء بديلا عن (البازل) وأراد أن يشبع من الجمل ويشبع من رعايا الكلام في الوقت ذاته.

ومن قبله كان لأبي نواس حكاية وردت هكذا:

(مر أبو نواس بأستاذ يشرح لطلبته مطلع قصيدته الشهيرة: ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر-وقال الأستاذ إن الشاعر أبصر الخمر فانتشت حاسة التبصر، وشمها فانتشت حاسة الشم، وتذوقها فانتشت حاسة الذوق، ولمسها فانتشت حاسة اللمس، وبهذا بقيت حاسة السمع محرومة من النشوة، فقال الشاعر: وقل لي هي الخمر. وبهذا القول انضمت حاسة السمع إلى بقية الحواس المنتشية. وتقول الرواية إن أبا نواس -منتشيا بهذا التفسير- دخل على ناقدنا فقبل يده ورأسه وقال له: بأمي أنت وأمي! فهمت من شعري ما لم أفهم)(13).

هذا احتفال وانتشاء بثقافة القاريء واعتراف بهذه الثقافة لا يفسده إلا أن الشاعر نفسه هو من اعترض على يونس وأبي عبيدة وأنكر عليهما البصيرة في الشعر واحتكر معرفة الشعر على الشاعر وحده(14).

وهذا مثال على تضارب النسقين داخل الذات المثقفة، ثم إنه علامة على غلبة النسق المتسلط، لا سيما وأن حالات الانفتاح هذه مشوبة بشائبة الأنانية. فالمتنبي يحتفي بقارئه ابن جني لأنه أخلص في خدمة الذات الشاعرة، مثلما أن احتفاء أبي نواس كان عملا نرجسيا أمام هذا الأستاذ الخدوم بوصفه أحد الرعايا المخلصين لأميره الشاعر.

وفي المثالين معا يظل القاريء فردا -وليس نموذجا- وهو فرد محدد بشخص معين وحادثة معينة مما يغلق النسق ويجعله صورة أخرى لطغيان الذات بنسقها المتسلط. والشاعر أمير بينما القاريء خادم مخلص، ولو اختلف أحد القارئين هنا، ابن جني أو الأستاذ، وقالا بنقيض راي الشاعر لجاءنا من يقول (وعداوة الشعراء بئس المقتنى) ولجلدهما الشاعران جلد غرائب الإبل تأديبا لهما على تمردهما على السادة الشعراء الأمراء.

1-4 ليس ذلك مجرد ملمح فني أو مجرد خاصية شعرية عن ذات شاعرة متضخمة. إن الأمر أخطر من ذلك وأبلغ. فالشعر (ديوان العرب به حفظت الأنساب وعرفت المآثر)(15) وهو (علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه)(16). وإذا كان ديوان المآثر وديوان العلم مشوبا بشائبة (النسق المتسلط) وتتجسد فيه صفات الأنا المطلقة وغلبة الصوت الأول ومبدأ اقتسام الحظوظ مبكرا فهذا تأسيس ذهني له مخاطره الثقافية والإبداعية.

واستعارة (الجمل البازل) كما ساقها الفرزدق تحمل معها دلالات الفحولة والقطعية. فهذا الجمل قد جرى نحره وتقاسمه ولم يبق منه شيء لآت يأتي، فما ترك الأول للآخر شيئا، ومن هنا فإن (الآخر) محروم من الإبداع ولن يجد جملا بازلا لينحره ويأكل من أعضائه الجليلة.

وهي استعارة مادية تحول فيها المعنوي الخالد إلى مادي مستهلك. وجاء تبعا لذلك تحويل الشعر وتسخيره لأغراض مادية وصار التكسب بالشعر من أجل ابتلاع لحم الجمل البازل. ولا ريب أن الديوان الذي هو علمنا وكتاب مآثرنا كان علامة تنوير وتربية إلى أن جاء النابغة والأعشى ففتحا باب المديح. ومن هذا الباب انفتحت ثغرة سحيقة وهوة عميقة في ديوان العرب، وما فيه من مآثر، فتشوهت كثير من صفحات المآثر وانكسر شرف الكلمة وكرامة البلاغة وعلا صوت الفردية والأنانية وعبودية الذات المتسلطة والكسب المادي الصريح. وجاءت من هذا الباب رياح لا تنوير فيها ولا تربية، ومنه تعززت فكرة الفرد الأوحد والصوت المطلق والنسق المتسلط، حتى صار الشعراء أمراء وعداوتهم بئس المقتنى، وذلك أقسى أنواع التسلط وأسوأ النماذج الذهنية.

ولذا يأتي صوت أبي تمام ضاربا في الصميم حيث يقول(17).

ولولا خلال سنها الشعر ما درى         بناة الندى من أين تؤتى المكارم

 

وكأنه بذلك يسخر من الباطل الشعري المزيف وينعى شرف الكلمة.

ولا شك أن أبا تمام كان صوتا منفتحا -مع ما في شعره من مديح يشوبه-، وهو صوت لا يمثل الغالبية والسائد، ولذا حاربوه ووصفوه بالباطل.

وهناك أصوات أخرى من غير الشعراء، منها ما رأيناه للجاحظ أعلاه، ومنها قوله(إن كل ما جعل الشيء جميلا فهو أجمل منه)(18).

ولا شك أن الجاحظ هنا يشير بطرف خفي إلى مفهوم القاريء النموذجي، وهو الكائن المسحوق، ولكنه هو القوة التي تملك تحريك النص والكشف عن جمالياته، وبما أنه كذلك فإن ما يجعل الشيء جميلا فهو أجمل منه. وعلى هذا يكون القاريء مهما أهمية توازي أو تفوق أهمية الشاعر نفسه.

وهذه إرادة ذاتية للقاريء ومهارة ثقافية عنده تنبع منه وتبتدئ به لا بالشاعر ولا من الشاعر. والدليل على ذلك أن القاريء يستطيع حرمان النص من هذه المنحة الكريمة، كما فعل الباقلاني وكما فعل العقاد حيث حجبا جمالهما عن امريء القيس والبحتري وعن أحمد شوقي فجاءت الأشعار خالية من الجمال ومحرومة منه بسبب الفعل القرائي الحاجب.

إن الفعل إذا ما أسند إلى القاريء ورضي الشاعر الراعي برأي الرعية القراء فهذا فتح إبداعي لا يأتي منه سوى الخير والجمال، ولذا قال يونس، اللغوي والقارئ المتفتح، واصفا الشعر بهذه الكلمات: (الشعر كالسراء والشجاعة والجمال، لا ينتهى منه إلى غاية)(19).

وهذا كلام ينقض دعوى الفرزدق وسلطويته، فالشعر غير منته وليس جملا بازلا، ولكنه قيم معنوية وذوقية راقية وغير منتهية، إنه سراء وشجاعة وجمال.

هو جمال -بفتح الجيم- وليس جمالا -بكسرها- وما بين الفتح والكسر نقف نحن على ثقافتين وعلى عقليتين، تختلف إحداهما عن الأخرى. فالكسر يحول الجميل إلى جمل منحور ويكسر القيمة الإبداعية ويغلقها على نخبة مختارة تحتكر القول والفعل وتحرم كل ما عداها في تسلط غاشم متعمد. بينما الفتح يفتح الجمال ويحرر الكلمة من كسرها ويتركها مفتوحة وطليقة لا تنتهي إلى غاية.

يطلق يونس تشبيهاته في مواجهة استعارة الفرزدق ويقدم السراء والشجاعة والجمال في مقابل الجمل البازل. يطرح قيما معنوية في مقابل قيمة مادية.

ولذا ينتهي نموذج النسق المتسلط ليتأسس على أساس مادي دموي (جمل بازل منحور ومقتسم)، وبالتالي فهو منته ومنحاز ومغلق، ويقابله النسق المفتوح المتأسس على تصورات معنوية، ومن ثم فهو نسق غير منته وغير منحاز.

ولذا نرى فئة النسق المستلط بوصفه نسقا منحازا تقمع رموز النسق المفتوح، وجرى ليونس نفسه أن تعرض لقمع أبي نواس الذي سلب من يونس حقه في تذوق الشعر والتحدث فيه(20). ولكن هذا لم يدفع بيونس إلى انحياز مشابه وظل يزن الشعر بميزان الجمال -بفتح الجيم- وليس الجمال بكرسها. وحافظ على توازنه الذهني وتحرره الفكري.

ومثله عبد الله بن المقفع، هذا الأديب الناثر -غير الشاعر- الذي أخذ نفسه باتجاه مضاد للنسق المتسلط وأباح لنفسه أن ترى الجمال وتتذوقه من غير انحياز. وقال كلمته الجميلة: (اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها)(21).

وهذا مبدأ عادل في تقدير الجمال وتذوقه وكأنما يشير إلى مقولة (موت المؤلف) من وقت مبكر.

ونجد مقولة لابن حزم تدفع بهذا الاتجاه في قوله(22):

إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه      فذاك وجود ليس يفنى على الأبد

ولا شك أن هذا معنى يلامس مفهوم  تركيز الرسالة على نفسها الذي هو معنى الشاعرية(Poetics) كما جاء لدى ياكوبسون(23).

وهو إدراك لجمالية الجميل من جهة، ولا نهائيته من جهة ثانية. وإذا ما كان الجميل جميلا وغير نهائي فهذا يفتح الباب للقاريء الذي سيكون أجمل من الجميل لأنه هو من سيجعل هذا الجميل بإعلانه عنه وكشفه لجماله.

وهنا نلاحظ الجاحظ وابن المقفع ويونس وهم كتاب وقراء متميزون، وكونهم كتابا وقراء هو ما جعلهم يدفعون باتجاه النسق المفتوح لأنهم من رعايا الكلام وليسوا شعراء ومن أمراء الكلام من ذوي النسق المتسلط.

-2-

 

2-1 إن كنا نقول بوجود (النسق المتسلط) وطغيان هذا النسق على ما عداه عبر تجسده في النص الإبداعي واتخاذ الشعر وسيلة وواسطة لترسيخ هذه الذهنية، فإن هذا لا يعني -بحال- استسلام الثقافة وخنوعها لهذه السلطوية. ولقد رأينا نماذج لشعراء ولقراء متميزين ممن ناهضوا سلطوية النسق وطرحوا آراء متحررة ومنفتحة ولمصلحة القارئ. والقارئ هنا مفهوم يشير إلى ما هو شعبي وجماهيري وغير نخبوي ورسمي، إلى ما هو خارج السلطة والنسق المهيمن.

وبإزاء النماذج الفردية هناك نماذج كلية جماعية لم تخضع لشروط النسق المتسلط وتمردت عليه.

ولكي أوضح مرادي فسألجأ إلى حكاية مشهورة وقريبة تبين لنا فعل الثقافة ضد النسق وضد القيود وهي حول المثل الشعبي الذي يقول (اللي يختشوا ماتوا).

وهو مثل يتردد اليوم على ألسنة الناس قاصدين منه أن أهل الحياء والمروءة ماتوا. ولكن العودة إلى أصل الحكاية تعطينا دلالة مختلفة.

والحكاية تقول إن حريقا شب في بيت للطالبات في القاهرة، وكان البنات يرقدن على سررهن وسط الليل والستر وليس عليهم سوى ملابس النوم، ولما أحسسن بالحريق هب بعضهن هاربات إلى الشارع في ملابس غير ساترة، بينما ترددت أخريات ومنعهن الحياء من الخروج من غير ستر واق فتداركتهن النار واحترقن.

وصار الناس يحكون عن الحادثة ويقولون إن (اللي اختشوا ماتوا) وهن البنات اللواتي منعهن حياؤهن من الهرب فمتن محترقات(24).

إن الحكاية لا تحمل أية دلالة بلاغية ولا يتولد عنها مثل يمكنه أن يسير، ولكن الثقافة تقتحم وحدة النص وتقتطع الجملة من ظرفها وتطلقها حرة بدلالة حرة تجعلها مثلا سائرا بدلا من كونها جملة مقيدة.

إن حكاية المثل تشبه استعارة (الجمل البازل المنحور)، أما إطلاق الجملة وتحريرها فهي مثلا على صورة الجمال الذي لا ينتهي إلى غاية.

لقد كانت الجملة غاية الحكاية فصارت بعد تحريرها نصا حيا شاردا، شرد من أسره الواقعي إلى طلاقة بلاغية دلالية.

كان هناك حاجة ثقافية لقول سائر يعبر عن إحساس الناس ومشاعرهم فجاءت الثقافة لتستجيب لهذا الطلب.

إن الثقافة هنا كائن واع وذات حية فاعلة تختار وتتصرف. ولتصرفاتها أمثلة كثيرة جدا. منها معظم الحكم والمأثورات والأقوال السائرة والأمثل حيث يجري دائما تحرير النص من قيوده الواقعية وإطلاقه، ولذا صاروا يقولون عنه السائر والشاردة وأطلقه مثلا. ودلالات السير والشرود والإطلاق تشير إلى عملية التحرير والفتح، مما هي أفعال تصدر عن الذات القارئة وعن الذات المستهلكة للنص وليس عن مؤلف الحكاية وفاعلها.

هذا من أفعال رعايا الكلام وليس من أفعال أمراء الكلام.

ومن ذلك ما نراه دوما من تحرير أبيات شعرية من قيودها النصوصية وإطلاقها لتدل على خلاف ما تدل عليه داخل بيئتها الأولى منها البيت (وما أنا إلا من غزيه إن غوت غويت..الخ)(25) وبيت (ما أرانا نقول إلا معارا.. الخ)(26).

والثقافة ترى ما لا يراه الشاعر وهنا تتضارب رؤيتان إحداهما للسيد أمير الكلام والثانية ثقافية جماهيرية، وسارت الأمور على وجهين أحدهما سلطوي متحكم ومتعال ومنحاز يستجيب لشروط الذات ويحتكم إلى الفردية، والثاني حر ومفتوح يحس بالحاجة الجماعية ويتفاعل معها.

ولكل واحد منهما ممثلوه ولذا نسمع أقوالا هي بمثابة الاتهامات التعسفية ضد أي فعل قرائي متفتح. فنرى من يصف القراءات الحرة بأنها (تقويل للنص ما لم يقله) وأنها (تلوي عنق النصوص).

وهذه اتهامات تنطوي على خنوع لشروط النسق المتسلط، لأنها تتأسس على اعتقاد أن النص له قول راسخ ومحدد وأنه ذو معنى واحد، وأن للنص عنقا غير قابل للوي-أي أنه عنق جمل بازل منحور.

وهذا افتراض واهم، إذ لا قيمة لقراءة تقول لنا ما قد قاله النص. إن النص إذا كان قد قال قوله فهذا يحسم ويجب كل قول بعد ذلك. وبئس بهذه القراءة التي تقول لنا قولا قد قيل فعلا وترسخ في النص نفسه. ولو فعلنا ذلك فهذه ثرثرة وترهل يغنينا عنها النص.

أما لوي عنق النص فإن أي نص لا يلتوي عنقه سيكون نصا متخشبا يابسا يسير على خط واحد متحجر لا يقوى على الالتفات يمينا أو شمالا. ونحن نعرف أن من أجل بلاغيات القول هو (الالتفات) وهو قدرة الكلام على تحويل مساراته وإدارة عنقه واستدارة رقبته وتقبلها لهذا كله.

2-2 للثقافة حسها وشروطها ومراميها وأغراضها وهي -بالضرورة- شروط جماعية كلية حرة. على عكس مرامي الشاعر التي هي فردية ومقيدة ولذا جاءنا مفهوم (المعنى في بطن الشاعر) ليكون عنوانا وشعارا على (النسق المتسلط) وما وراءه من ذهنية فردية، منذ أن أكل الشاعر الجمل البازل وصار اللحم كله في بطنه.

وما دام الشعر جملا بازلا أكله من أكله بعد نحره فلا بد أن يكون المعنى في بطن الشاعر.

ولكن حركة الثقافة بوصفها صوت الجماعة لم تترك الشاعر مع الجمل بما حمل، لقد أدخلت يدها في فم الجزور وحركت لسان الجمل المنحور لكي يقول ما لم يقله الشاعر ولكي ينطق بمراد الناس وبحسهم.

وجرت النقلة النوعية للمعنى.

من بطن الشاعر

إلى بطن النص

ثم إلى بطن القاريء

وهذا مرتبط عضويا بمفهوم نقدي متوهم حول (نية المؤلف)(27). ونية المؤلف وبطن الشاعر مفهومان يكمل أحدهما الآخر. فالنية هي المعنى المبيت الكامن وراء الفعل، ولن يكون للنية في العمل الأدبي من اعتبار إذا لم تنتقل من المؤلف إلى النص، فإذا انتقلت فعلا إلى النص فهي -إذن- نية النص وليست نية المؤلف. وسوف تكون نية للقارئ الذي يداخل المقروء ويتفاعل معه.

وهنا نرى رحلة نوعية مماثلة هي:

نية المؤلف

نية النص

نية القاريء

وهذا هو ما يحقق نصوصية النص ومقروئيته ولو وقفنا على الخطوة الأولى وحجرنا النص فيها فهذا معناه إغلاق النسق وتغليب صوت الفرد الأوحد وإلغاء صوت الثقافة والزمن والأمة.

يحتاج النص دائما إلى أن ينتقل وإذا انتقل تحرر وإذا تحرر انطلق وصار إبداعا، ولا شك أن هناك بطنا أول بدائيا مثل رحم الأم ولكن الجنين يخرج من ذلك البطن إلى بطن أرحب وأوسع وأدوم. وبطن الشاعر ضيق ووقتي وكذا بطن المناسبة هو ضيق ومحدود ووقتي.

ولا بد للنص أن يتخلص من البطن الأول. وهذا ما أدركه أبو تمام بحذاقة ماهرة حيث نقرأ قوله(28):

ولقد أراك فهل أراك بغبطــة           والعيش غض والزمان غلام

أعوام وصل كادينسي طولهــا           ذكر النوى فكأنها أيـــــام

ثم انبرت أيام هجر أردفـــت          نحوي أسى فكأنها أعــوام

ثم انقضت تلك السنون وأهلها      فكأنها وكأنهم أحــــــلام

ثلاث مراحل يمر بها النص: الأولى (الأعوام الوصل) وهي حالة واقعية مباشرة حيث الوصل والهناء الفعلي بين المحبين. والثانية (أيام الهجر) إذ تنفصل عن الواقع إلى إزاحة الحدث بواسطة البين والهجر وفصل الذات عن الآخر وعن الحدث، ثم تعقبها المرحلة الثالثة مرحلة الأحلام (فكأنها وكأنهم أحلام) وهي تحويل الحدث إلى حلم يتجاوز الواقع الأول مرورا بالهجر وهو عملية الفصل. وما الأول إلا رحم الحدث وبطن الشاعر. أما الثاني فهو رحم النص وبطن اللغة، بينما الثالث هو بطن القاريء.

هنا يتحول المعنى ليصل إلى منطلقه الأبدي عبر الحلم وعبر القاريء وتتحول النية من مختبئها في بطن الشاعر إلى النص ثم إلى القارئ.

ولم يك ذلك ممكنا لو لم يتحول الواقع إلى انفصال ثم إلى حلم ليصنع لنا نصا يحمل وعيا إبداعيا منفتحا.

هذا اللاواقع هو ما أحس به صلاح عبد الصبور في قوله(29):

هناك شيء في نفوسنا حزين

قد يختفي ولا يبين

لكنه مكنون

شيء غريب غامض حنون

هذا الغريب الغامض الحنون المختفي غير البين هو المعنى حين يصبح في بطن القارئ.

في حالات الفصل والانفصال يجري تحرير المعنى وإطلاقه، ولا يتسنى الإبداع إلا بعد الفصل، ولقد قال رسول حمزاتوف مرة إن القرويين (لا يتكلمون عن الحصان حين يمتطونه، بل حين ينزلون عنه)(30).

إن المعنى قيمة حرة، وبما أنه كذلك فإنه يعرف طرقه الخاصة ومسالكه الدقيقة التي تجعله يسير ويشرد بما أنه قول سائر وكلمة شرود أعني مثلا سائرا ومثلا شرودا لا يقوى بطن الشاعر على حبسه ومنعه. وبطن القاريء أولى به ولا شك.

-3-

لندخل الآن مدخلا عمليا إلى الفعل القرائي، وسنجعل وقفتنا على قصيدة (العودة) لإبراهيم ناجي(31).

وهي قصيدة حظيت باهتمام عريض إذ إنها نص مقرر في معظم الجامعات العربية. وهذا يعني أن القصيدة أخذت على أنها مادة معروضة للمشرحة القرائية، وأن فيها إمكانيات قرائية تسمح بانفتاح النص وتعدده.

ولا بد -باديء ذي بدء- أن أشير إلى عبارة دقيقة قالها خير الدين الزركلي واصفا تجربة إبراهيم ناجي الشعرية حيث يقول عنه: (عالج النظم زمنا حتى جاء به شعرا)(32). وهو حكم دقيق على مسيرة ناجي الشعرية تكشف عن سمتين من سمات ناجي وشعره، وهما سمتان لا تتمايزان دائما بل تختلط إحداهما مع الأخرى. ولا يظهر الفارق إلا بواسطة الذائقة القرائية المدربة التي تفرز الشعر عن النظم، وكانت كلمة الزركلي حكما قرائيا ثاقبا يصدق على شعر ناجي ويحدد معضلته النصوصية.

وهذا يكشف لنا عن حاجة النص إلى القاريء احتياجا يفوق حاجة النص لمؤلفه، لأن المؤلف منته والقاريء باق، ولقد لمس الشعراء هذه الحاجة ومارس بعضهم دور القاريء لنصه. وقد روي عن كعب بن زهير أنه كان يمتدح شعره ويقول لنفسه أحسنت وجاوزت والله الإحسان، كما روي عن الكميت وشعراء آخرين مواقف مثل هذه(33). وهذا يكشف عن إحساس المبدع بحاجة نصه إلى قاريء يأخذ بيد النص ويتبناه. وما فعل كعب والكميت إلا ممارسة لهذا الدور واستجلاب له وإغراء بالنص وكأن ذلك من باب تسويق النص والإشهار والدعاية له.

إن المبدع منتج لمادة ولا قيمة للإنتاج إذا لم يتسوق لدى المستهلك. وهذه مسألة وعاها الشاعر وطلبها وسعى نحوها.

وإن كانت حاجة النص إلى القاريء واضحة وضوحا لا يحتاج إلى تأكيد إلا أن هذه الحاجة لا تتحقق على درجة واحدة في الإتقان، بل إن هناك قراءات تقتل النص وتفسده، مثلما أن هناك قراءات ترتقي بالنص وتفتح له آفاقا تتجاوز أحلام النص ومبدعه -كما جرى من قاريء بيت أبي نواس السابق، وكما نقل عن المتنبي من قوله ابن جني أدرى بشعري مني-.

وأقوى تباين يحدث في مستويات القراءات هو عن نوعين بارزين:

أحدهما: القراءة الفردية التي ترى أن البيت الشعري وحدة مستقلة مكتملة المبنى والمعنى، وترى أن الذات القارئة ذات فردية كاملة ومستقلة. وهذا النوع من القراءة مثل ممارسات قرائية عريضة وطاغية، وهي الأغلب على الخطاب البلاغي والنقدي والأكاديمي. وهي تكرار لذهنية (النسق المتسلط) من حيث إنها ذاتية فردية، ومن حيث إنها مغلقة ووثوقية، ومن حيث تغليبها السائد والموروث والمعجمي والتاريخي على المختلف والمغاير والمبتكر. وسيكون لمراد الشاعر ونية المؤلف لديها شأن محفوظ ومقدس. والمعنى عندها في بطن الشاعر. وهي قراءة تأتي لخدمة المقروء والخضوع له.

والثانية: هي القراءة الكلية -وإن جرت من ذات محددة- وهي قراءة تنطلق منطلقا جماعيا فهي لسان الثقافة وضمير المعرفة، والنص عندها علامة دالة لا تنتسب إلى المؤلف المفرد ولا تنحصر في زمن ميلاد النص ولا في ظروف إنتاجه، ولكنها ترى النص وكأنما هو (مفردة) في (الجملة) الثقافية. والوقوف على النص ليس وقوفا بلاغيا جماليا يستجلي أناقة النص وحلاوته ولكنه وقوف على علامة ثقافية لا تدل على نفسها ولا على قائلها وإنما هي خلية في جسد، والكشف عن الخلية هو كشف عن الجسد كما أن تحريك هذه الخلية وإحياءها وإطلاقها كل ذلك فعل استكشافي وفعل استنهاضي لإبداعية الجسد الذي هو الثقافة متمثلة باللغة بوصف اللغة كائنا حيا وبوصف الإنسان ذاته لغة.

وبما أن الإنسان لغة، أو علامة لغوية، والنص كذلك، فإن لقاء الإنسان مع النص هو لقاء كائن لغوي مع كائن لغوي آخر، والتزاوج بينهما يولد ناتجا لغويا يحتسب لمصلحة الثقافة والمعرفة، وليس لمصلحة فردية للمؤلف المفرد أو النص المحدد.

إنها قراءة كلية تبدأ بالنظر إلى النص ذاته على أنه مجموعة خلايا متعاضدة، وكل بيت في القصيدة هو بمثابة المفردة في الجملة، هو بيت ضمن أبيات، لا يستقل عنها ولا يتحد بمعنى يخصه ولا بدلالة تنتهي مع نهايته.

القصيدة جسد مكون من أعضاء ولا حياة للعضو خارج جسده، ولا اكتمال للجسد من دون تعاضد كافة الأعضاء لبنائه وتكوينه حسيا ودلاليا. ولسنا أمام قصيدة مكونة من عدد من الأبيات والمقاطع وعدد المعاني بعدد الأبيات، ولكننا أمام نص عضوي له أقسام وأجزاء تفضي كلها إلى معطى كلي هو ناتج تآلف هذه العناصر وتضامها وتساوقها إلى هذا المعطى.

وهذا المعطى هو ناتج قرائي يعتمد على فعل القارئ وإرادته ومهارته. والنص عالة على هذا الفعل ومحتاج إليه.

***

على أن العلاقة بين النص والقاريء بوصفهما كائنين لغويين هي تجسيد لفكرة (المحبة) التي تقوم على علاقة أزلية خالدة. فالنفس الجميلة مولعة بكل جمال خارجي يماثل جمالها الداخلي. وحسب كلمات ابن حزم فالنفس إذا رأت قسمها الجميل في صورة حية جرت وراءه فإن وجدت فيه شكلا من أشكالها اتصلت فيه وصحت المحبة وإن لم تجد فيه ما تطلب وما يماثلها ظل حبها للصورة كشكل خارجي ولم تتمازج معه. وإن للصور لتوصيلا عجيبا بين أجزاء النفوس النائية-كما يقول ابن حزم(34).

العلاقة بين الذات القارئة والمقروءة هي علاقة محبة واندماج، وهذا وحده ما يفرز نصا جنينا يتولد عن هذه العلاقة الإيجابية.

ولكنها لا تكون إلا عن محبة وعن نظرة كلية. والمحبة والكلية صفتان عضويتان إبداعيتان مثمرتان بالضرورة.

وبهذا الحس القرائي ننظر إلى قصيدة ناجي وهذا نصها أولا(35):

العودة

هذه الكعبة كنا طائفيهـــــــــا    والمصلين صباحـا ومســــــــــاء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها    كيف بالله رجعنا غربـــــــــــاء

دار أحلامي وحبي لقيتنـــــــا    في جمود مثلما تلقى الجديـــــد

أنكرتنا وهي كانت إن رأتنــــا    يضحك النور إلينا من بعيـــــــد

أيها الوكر إذا طار الأليــــــف     لا يرى الآخر معنى للهنـــــــاء

ويرى الأيام صفرا كالخريــــف    نائحات كرياح الصحــــــــــراء

آه مما فعل الدهر بنــــــــــــا    أو هذا الطلل العابس أنتـــــــــا؟

والخيال المطرق الرأس أنــــــا    شد ما بتنا على الضنك وبتــــــا

موطن الحسن ثوى فيه الســأم    وسرت أنفاسه في جــــــــــــوه

وأناخ الليل فيه وجثـــــــــــم    وجرت أشباحه في بهــــــــــوه

ركني الحاني ومغناي الشفيــق    وظلال الخلد للعاني الطليـــــــح

علم الله لقد طال الطريــــــــق    وأنا جئتك كيما أستريـــــــــــح

وطني أنت ولكني طريـــــــــد    أبدي النفي في عالم بؤســــــــي

فإذا عدت فللنجوى أعـــــــود    ثم أمضي بعدما أفرغ كأســــــي

للقصيدة وجهان، أحدهما عادي ومألوف لدى أصحاب النزعة الرومانسية حيث المعشوقة والبحر والحنين والتعلق بالحبيب الهاجر الغائب. مع ما يصحب ذلك من شكل شعري مألوف في المدرسة الرومانسية حيث الوزن العروضي على الرمل الذي هو بحر شائع لدى الرومانسيين خاصة علي محمود طه وإبراهيم ناجي ومن لف لفهما. ثم قيام النص على التنويع المقطعي في رويه واعتماده على المعجم الرومانسي في مفرداته وصيغه.

هذا هو الوجه البارز الذي يمكننا أن ننسبه إلى تقنيات النظم وأعراف النسق الرومانسي المألوف.

ولكن هناك وجها آخر يتحرك عبر النص في حركة عضوية متنامية دلاليا ومتساوقة بنيويا.

وهي حركة مجازية تعتمد على ما يمكن أن نسميه هنا بالحبكة المجازية.

و(الحبكة المجازية) هنا هي السمة الشعرية الإبداعية التي سوف ترتقي بالنص من مألوفيته ونظميته إلى مستوى الشاعرية والإبداع.

ولنقف على هذه (الحبكة المجازية) فنقول:

أولا:

 تبدأ الحبكة المجازية من الجملة الأولى: (هذه الكعبة). وهي جملة تتضمن أداة الإشارة والمشار إليها. ولكن المشار إليها هنا تحيل إلى مشار إليه آخر خارج النص. وهي الكعبة التي يحملها القارئ في ذهنه. وما من قاريء وقارئة إلا ولديهما صورة ذهنية عن الكعبة. ولكل منهما كعبته المخبوءة في الذهن. وهنا يصبح لدينا ظاهريا كعبتان إحداهما حاضرة في النص والأخرى مغروسة في الذهن. مما يعني قيام حضورين أحدهما حسي ملفوظ والثاني ذهني متصور. أحدهما من الشاعر والثاني من القاريء.

ولو افترضنا تطابق الحضورين وتماثل ما لدى الشاعر مع ما في ذهن القاريء فهذا معناه أن الشاعر لم يقدم شيئا ذا بال وسيكون قوله مجرد نظم وتصفيف كلام. وهذا خطر يهدد القصيدة ويقضي على شعريتها.

ومن هنا يبدأ الامتحان واختيار ما وراء النص، إن كان وراءه شيء غير النظم.

ثانيا:

 بعد هذه الجملة تأتينا إشارات هي: طائفيها/المصلين/سجدنا/عبدنا. وهي إشارات تعزز الارتباط فيما بين الكعبة النصوصية والكعبة الذهنية. فالصلاة والطواف والسجود والعبادة كلها من خصائص الكعبة الذهنية وهي ذات ارتباط وثيق في ذهن كل قاريء وقارئة، مما يؤكد الدلالة الواقعية غير المجازية للكلمات.

ولكن النص يأتي بجملة جوهرية تقلب الدلالات وتغير مساراتها، وذلك في قوله: (وعبدنا الحسن).

هنا يأتي المفعول به (الحسن) ليغير الدلالات كلها. وذلك بتحويله المعنى إلى بعد مجازي. فالعبادة في الكعبة المشرفة لله وحده لا شريك له. وإذا ما جاءت العبادة هنا للحسن فهذا معناه أننا أمام حادثة مجازية، وليست حادثة واقعية. وإذا ما جرى (تجويز) العبادة، أي جعلها مجازا فإن باقي الإشارات ستتحول إلى مجازات أيضا. فالصلاة والطواف والسجود كلها -إذن- تعبيرات تجاوز بها الشاعر حدود معانيها الذهنية إلى معان مفتوحة سيتولى النص بناءها وتشييدها كدلالات خاصة بهذا النص تتأسس من داخله -لا من خارجه-. وسيجري من الآن فصاعدا قطع الصلة بين الحضورين اللفظي والذهني، ولا بد للنص هنا من قاريء حي ومبدع لكي يتولى بناء القصيدة وتشييد دلالاتها.

ثالثا:

 لن يغيب عن بالنا أن كلمة (الحسن) هي في حالة مفعول به، أي أنها ذات قيمة ضعيفة حسب المعيار النحوي، ولكن هذه الضعيفة صارت أقوى وأخطر ما في النص، إذ بواسطتها جرى تحويل القصيدة بكافة عناصرها لتعني أشياء غير مألوفة المعاني وغير ما هو ذهني وعرفي.

وبهذا يتحول الضعف إلى قوة، ويجري تطويع القوي لينصاع لإرادة المستضعف. وكل ما في الأبيات من أسماء وأفعال وصفات وفاعلين تتراجع أمام المفعول به الوحيد والمستضعف. وفي هذا كسر لغلبة (النسق المتسلط) وإعادة توجيه لعلاقات الأشياء.

رابعا: بما أن جملة (هذه الكعبة) مجازية فهذا معناه أنها تعبير مهيأ لعبور الحد الصرفي والحد المعجمي مثلما يعبر ويتجاوز الحد الذهني. ولن تكون الجملة أسيرة للشرط الصرفي أو المعجمي ولا للشرط الذهني. وهي جملة حرة طليقة. ولسوف نرى هذه الجملة تقفز من فوق الحدود وتعبر من مقطع إلى مقطع ومن تعبير إلى تعبير. ولننظر في التعبيرات التالية.

دار أحلامي            البيت الثالث

أيها الوكر                       البيت الخامس

الطلل العابس          البيت السابع

موطن الحسن          البيت التاسع

ركني الحاني           البيت الحادي عشر

وطني أنت                     البيت الثالث عشر

هذه ستة تعبيرات تدخل فيها جملة (هذه الكعبة) متحولة من واحدة إلى أخرى حتى انتهت في الجملة الأخيرة (وطني أنت).

ومن هنا فإن الكعبة هي دار الأحلام وهي الوكر جامع الأليفين وهي الطلل العابس وهي موطن الحسن وهي الركن الحالي.

وهذه ليست دلالات ترادف وليست دلالات نقض تنسخ اللاحقة سالفتها، ولكنها دلالات تكشف عن التحولات والتنويعات بوصفها عناصر لهذه الحبكة المجازية، وهي لذلك موجودة كلها مجتمعة. ولا تنتهي بجملة (وطني أنت) إلا لتعود مرة أخرى إلى الجملة الأولى (هذه الكعبة) وتدور دورة كاملة لتعود إلى دوران دلالي مجازي غير منته. وهذا هو مغزى عنوان القصيدة حيث (العودة) المتكررة.

خامسا: نبدأ بـ(هذه الكعبة) وننتهي إلى (وطني أنت) سبع صيغ مجازية، تلعب كل واحدة منها لعبتها المجازية بحذق تام. فالأولى تقفز حاجزها الصرفي والمعجمي الذهني. وتتحول صرفيا إلى مفردات مختلفة فهي دار ووكر وطلل وموطن وركن ووطن، مما هو تنويعات للكلمة الأصل (الكعبة). ولم تتحول هذه الكلمة إلى هذه التنويعات إلا بعد أن أطلقتها كلمة (الحسن) من قيدها وجعلتها مجازا يجوز ويتجاوز ويقفز من صيغة إلى صيغة.

ولا ننتهي مع جملة (وطني أنت) ولذا لا يصح أن نقول إن جملة هذه الكعبة تعني وطني أنت، أي الوطن.

ولو قلنا هذا لقتلنا المجاز بتحويله إلى معنى اصطلاحي عرفي. لا سيما وأن المقطعين الأخيرين لا يسمحان بهذا الاعتساف، ولنقرأ الأبيات:

ركني الحاني ومغناي الشفيق    وظلال الخلد للعاني الطليــح

علم الله لقد طال الطريــــــق    وأنا جئتك كيما أستريــــــح

***

وطني أنت ولكني طريــــــد    أبدي النفي في عالم بؤســــــي

فإذا عدت فللنجوى أعــــود    ثم أمضي بعدما أفرغ كأســــي

في هذه الأبيات تتحول كلمة (وطني) من دلالتها الواقعية إلى قيمة معنوية ترتبط بفكرة النجوى (فللنجوى أعود)، مما يعني أنها قيمة معنوية في كونها حالة لغوية يناجيها الشاعر ويعود إليها من أجل هذه النجوى، فهي بالنسبة له كائن حي يسمع ويشاهد ويستقبل النجوى وهي سبب للمناجاة يصدر عنها القول ويتجه إليها. وإذا فرغت حالة التناجي هذه وانتهت فإن الشاعر نفسه ينتهي معها بعد أن يكون قد أفرغ كأسه.

هي -إذن- قيمة معنوية تتمثل فيها الصفات السبع الواردة في الصيغ السبع. وهذا ما يجعلها (حبكة مجازية) جرى بها بناء المجاز وتشييده لتتشكل منه شبكة المعاني ونسيج الدلالات.

ولقد كان للشاعر حقوق البذرة الأولى وإنتاج الحرير وكان للقاريء حق النسج وبناء خيمة الدلالات.

سادسا: مشكلات النص:

ليس هناك نص كامل الأوصاف، ولا تعدم الحسناء ذاما (بتخفيف الميم، أي عيبا) وفي النص ثلاث مشكلات هي:

أ - ذكر الشاعر مناسبة القصيدة وسجل على صدرها الكلمات التالية (عاد الشاعر إلى دار أحباب له فوجدها قد تغيرت حالها)(36).

وهذه مقدمة لا تفيد النص بقدر ما تعيقه وتوثق صلته بالمناسبة وتؤطره في حدود الواقعة الفعلية، مع أن النص -أي نص- يسمو بتجاوزه لمناسبته وتخلصه من قيودها. ولو أخذنا النص على مأخذ المقدمة هذه وربطناه بدار أحبابه الفعلية وبتغيرها الفعلي لما صار لدلالته أية قيمة مجازية كلية. على أن غرام شعراء المدرسة الرومانسية بذكر مناسبات قصائدهم ما كان إلا بدعة ضارة في صناعة الشعر إذ لم يك من طبع الأوائل تقييد قصائدهم لا بمناسبات ولا بعناوين، وكانوا يطلقونها حرة بلا اسم ولا عنوان. وتجاوب هذا مع المبدأ الأصولي الذي يقرر أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب(37).

ولقد أفسد الرومانسيون ومن نحوهم مثل عمر أبو ريشة جمال أشعارهم وأطروا قصائدهم بسبب احتفالهم بالمقدمات المناسباتية احتفالا غير مبرر وغير ضروري للنص، بل هو عائق يشوه شعرية القصيد ويضر بالنص.

ب - بدأ الشاعر نصه بإشارات لغوية مؤنثة في قوله (هذه الكعبة) و(دار أحلامي) ثم تحول إلى التذكير في باقي الصيغ (أيها الوكر/الطلل العابس/موطن الحسن/ركني الحاني) وفي الديوان المطبوع جرى تثبيت الفتحة على تاء أنت في قوله (وطني أنت).

وهذا تغليب للنسق المتسلط الذي يميل إلى ذكورية اللغة، ويجعل الأصل في اللغة التذكير ويحيل كل ما هو مؤنث إلى التذكير بما أنه هو الأصل حسب دعوى هذا النسق المهيمن(38).

وهذا يكشف لنا أن لغة الشاعر لم تبلغ درجة الانفتاح الكافية لكي تتجاوز هيمنة النسق المتسلط عليها ولما تزل لغة الشاعر خاضعة لمؤثرات ذلك النسق ومنساقة وراءه.

ج - في المقطع الأول جاءت جملة (هذه الكعبة) لتكون مجازا أول تتساوق بعده الحبكة المجازية، ولكن المجاز هنا غرق في بحر من الدلالات المواكبة للأصل الحقيقي للكلمة مثل دلالات الطواف والصلاة والسجود والعبادة. وهذا ما يسميه بعض الأسلوبيين بالإجبار الركني(39). وذلك حينما تستحضر الكلمة مصاحباتها الدلالية مما ينتمي إلى حقلها الدلالي الاصطلاحي وكلمة واحدة تجر وراءها مخزونا من الكلمات المترابطة معها والمصاحبة لها سياقيا ومعجميا وذهنيا. والكعبة هنا تستدعي حقلها الدلالي المتمثل في هذه الكلمات المذكورة. وهذا يقرب الصياغة إلى أصلها الواقعي، ولولا جملة (وعبدنا الحسن) لصار التعبير تعبيرا واقعيا غير مجازي.

وإن كان الشاعر قد أفلح في استثارة التعبير عبر كسر التوقع وصرف الدلالة إلى وجهة مجازية، وهذا ما يحمد له هنا، إلا أنه بلا شك كان خاضعا لشروط الذاكرة ورهن نفسه ونصه لهذه الشروط فاختلط عليه النظم مع الشعر فكأنما هو يصادق على ملاحظة الزركلي من كون ناجي عالج النظم حتى جاءه الشعر -كما ذكرنا أعلاه-.

سابعا: لا شك -إذن- أن القصيدة تنقلت ما بين النظم والشعر وما بين النسق المتسلط والنسق المفتوح وما بين الذاكرة والإنشاء وما بين الذهني والمجازي. ولا شك -أيضا-أن القصيدة بحاجة إلى القاريء لكي يميز فيها عناصر الشعرية من عناصر النظم ويبين نسيجها الدلالي المخبوء فيها كإمكانية قرائية لها براهينها ومبرراتها من النص نفسه.

ولا شك -أيضا- أننا قولنا النص ما لم يقله علنا، وأننا لوينا عنقه. ولو لم نفعل ذلك لما أضفنا إلى القصيدة شيئا يستأهل التأمل والمخاصمة. وأقول المخاصمة إشارة إلى كلمة أبي الطيب الثاقبة في قوله (ويسهر الخلق جراها ويختصم). وكأنما هو يقرر هنا مبدأ نصوصيا إبداعيا مهما يشير إلى الاختلاف والانفتاح والتعدد، وإلى ذلك الذي لا ينتهي إلى غاية -حسب ابن سلام كما مر أعلاه-.

وهنا يحق لنا أن نسأل عن أي البطنين أولى بالنص. أبطن الشاعر الذي مضى مع صاحبه.. أم بكن القاريء الذي يتجدد مع كل قراءة تطرأ على النص…!

-4-

4-1 المجاز الجماعي:

تعودنا على وجود المجاز المفرد. ذلك المجاز أو المجازات التي تطغى على نص محدد أو قول مخصوص.

وهناك نوع آخر من المجاز هو المجاز الذي ينتشر عبر نصوص كثيرة وممارسات متنوعة. فيكون في الشعر وفي خطابات أخرى غير الشعر كالفن التشكيلي والموسيقى وفي الخطابات الأخرى غير الفنية والأدبية كالخطاب السياسي والاجتماعي وغيرهما.

هو المجاز الذي يعبر عن ثقافة جيل اجتماعي كامل، ليس مجازا فرديا يتجلى لدى فرد أو نص ولكنه مجاز جماعي ينتشر في التعبير ويختبيء في المخيال الجمعي لجيل بعينه. ونستطيع ملاحقته أو ملاحقة أثره في مجمل لغة الجيل وفي كافة وجوه تعبيرات هذا الجيل.

هذا المجاز الجماعي (الجيلي) يكون علامة إنسانية على جيل من الناس يعبر عنهم من جهة ويكشف عن أسرار مرحلتهم من جهة أخرى، كما أنه ستار يغطي على مقاصدهم ويلعب دور القناع الحاجب.

إنه كشف وحجب في آن واحد.

وهو لا يتحرك بوعي مكشوف، بل إن المبدع المفرد لا يعي بحركة هذا المجاز ولا بتسربه إلى نصه، وقد يكون هناك انفصال تام بين الأعمال التي يتجلى فيها هذا المجاز، فنجده مثلا في الشعر ونجده في الفن التشكيلي دون أن يكون هناك تواطؤ واع بين مبدعي الفنين. وهو لا يظهر بوجه واحد. بل تتعدد وجوهه وأشكاله ولكنه ذو روح واحدة ودلالة ذات مغزى متوائم.

إنه مجاز تبدعه الثقافة والمرحلة الثقافية وتفرزه حالة الجيل الإبداعية والإنسانية.

هذه حبكة مجازية تأتي على هيئة حزم إبداعية، وكل حزمة منها تدفع بالخطاب الإبداعي باتجاه المجاز الكلي الذي يبرز بوصفه علامة على الجيل والمرحلة.

إنه المطلوب وإنه المفقود يتغلغل داخل المنتوج الثقافي ويتحرك مثل تيارات الماء تحت البحر، يزلزل وينسف ويغير من علاقات الأشياء الداخلية، ويعيد ترتيب السطح تبعا لخلخته للداخل.

ولكنه مع وجوده الأكيد يظل عالة على مهارة القاريء لكي يظهر ويبين. وإن كان تحركه عبر المبدع تحركا غير واع، فإن استكشاف القاريء له لا بد أن يكون فعلا واعيا وقصديا، وما بين عدم وعي المبدع من جهة، ووعي القاريء من جهة أخرى، تتحرك الثقافة منتجة مجازاتها ومبدعة خطاباتها تبعا لهذه المجازات.

 

4-2 سنحاول الآن الجري وراء واحد من هذه المجازات الجماعية (الجيلية) وسوف نسعى إلى كشف تحركه عبر الخطابات في حبكة مجازية متعاضدة. ولننظر في لوحة (القلعة السمراء) للفنان بكر شيخون:

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

يظهر على سطح اللوحة وجهان أحدهما لفتاة سمراء متوجة برأس قلعة، والوجه الثاني لحصان هائج.

هذا ما يبدو ويظهر.

أما المختفي فهو جسد الفتاة وفارس الحصان.

كما يظهر في اللوحة لونان أحدهما اللون الأسمر الداكن الذي يغطي الأشياء ويحددها. ومعه لون آخر لا لون له، فهو ليس أسمر ولا أبيض ولا هو داكن ولا هو فاتح. إنه لون مشوب بلون. فصار كأنما هو لا لون. واللون الذي لا لون له يصبح وجها بلا جسد. وهو لون على غرار ما يسميه العرب بالمذق، والمذق خليط مشوب غير خالص(40)

وهذا هو ما يطغى على اللوحة، الوجه الذي لا جسد له، والحصان الذي لا فارس له، واللون الذي لا لون له.

ولو ظهر الفارس لظهر معه جسد المرأة وظهر معه لون اللون. ولكن الغياب هو لغة اللوحة وهو فعل الحادثة الفنية هنا.

وجهان ينظران إلى بعضهما البعض، وجه الفتاة ووجه الحصان، وهما معا يحدقان بتأمل شديد باتجاه متقابل ومركز. ولكن الفتاة ليست هي فارسة الحصان، وكلاهما رأس بلا جسد يحاصرهما لونان أحدهما كامل المعنى والثاني ناقص.

واللون الباهت يتكون على أشكال مربعة ومستطيلة ودائرية وشبه دائرية، تكسر رباط اللون الأسمر وتنتشر في اللوحة كلها في أعلاها وفي أسفلها.

كأننا أمام حياة بلا حياة، لأننا أمام لون بلا لون، وأمام وجه بلا جسد، وأمام انتظار ساكن.

وهو انتظار ساكن بمعنى أنه لا يتحول إلى حضور صحيح ولا إلى غياب صحيح. إنه انتظار فحسب. وانتظار محاصر ومرقوم ومحجور.

فتاة وحصان ولا فارس

قلعة ولا فارس

والفتاة قلعة، والقلعة فتاة، وكلتاهما سمراوان.

أما الفارس فلا أحد ولا حضور. إنه غائب.

***

لو حاولنا استشراف هذا المجاز فإننا سنجد نصا كتب قبل ظهور هذه اللوحة، ولم يك بين النص واللوحة أية علاقة من حيث وعي إحداهما بالأخرى.

والنص هو قصيدة (ومات بشير عريسا)(41) للشاعر عبد الله الصيخان، وهو:

ومات بشير عريسا

قم من النوم..

                    فالقناديل ناظرة..

                والدفاتر..

                           والكتب المدرسية

والعيون التي حملتك..

             تناسل فيها الطريق

قم من النوم..

                   إنك الآن سيد هذا الزمن.

 

قم من النوم يا صاحبي

                           كيف ينعى الجواد ولم يكمل الشوط بعد

قم من النوم..

امرأة تشتهيك..

تزف إليك

ارتد الآن "مشلحك"..

             تنسف هذا العقال

أو..

       بهذا الكفن

 

قم من النوم

             احمل الآن شاهدة القبر

          تصبح للعرس شاهدة

أمك الآن واقفة فوق سيف الترقب.

الرفاق أتوا..

يحملون المباخر

تناسلت فيهم، فهذا أوان التمازج

قم من النوم، إني أجيء إليك

لأنفض عنك التراب..

وهذا الوسن

لو تأملنا العناصر الرئيسية في هذا النص معكوسة على لوحة (القلعة السمراء) لوجدنا تداخل العناصر وتمازجها، ولنقرأ هذه الجمل:

ـ كيف ينعى الجواد ولم يكمل الشوط بعد-

ـ قم من النوم امرأة تشتهيك

تزف إليك-.

وهذا الجواد الذي لم يكمل شوطه هو صورة لمنظر الحصان الجامح في اللوحة. وحصان اللوحة لم يخترق جدار القلعة ولم يكسر الحاجز الذي يحول بين الجواد والفتاة فهو لم يكمل شوطه بعد. وهناك امرأة تشتهي هذا الفارس الغافي تزف إليه، ولكن أين هو..!؟.

إنه غائب في القصيدة وفي اللوحة.

وهو فارس على جواد فيهما معا ولكنه غير ظاهر للحس.

وهو في القصيدة (بشير) وهذا البشير يموت عريسا.

في لحظة اللقاء والتجاوز والفعل والفرح، في لحظة البشارة يموت البشير.

ولكن هذا الموت ليس موتا حقيقيا إنه غفوة ونوم، والشاعر -ومعه الرسام- لم ييئسا من هذا البشير المختفي في ليلة العرس والبشارة.

إنه نائم، ولذا جرت محاولات إيقاظه: قم من النوم. يا (سيد هذا الزمن).

ولكن سيد هذا الزمن وبشير العرس والحياة لما يزل نائما. على أن النص و(اللوحة معه) لم ييأس من هذا البشير ولم يرض له بالموت فافترض منامه لكي يتمكن من الصراخ فيه لكي ينهض: قم من النوم.

وترددت جملة (قم منالنوم) ست مرات في النص وعليها انبنى النص ودارت دلالاته.

هو عريس وبشير وسيد هذا الزمن وله امرأة تشتهيه، تزف إليه، وله شوط لم يكتمل.

شخصية واحدة ومجموعة أدوار. وهذه الشخصية غائبة، ولكنها مطلوبة وضرورية للزمن لأنها سيدة هذا الزمن.

هناك المرأة وهناك الجواد وهناك الوظيفة والدور. وهي العناصر الموجودة في القصيدة واللوحة.

أما الغائب فهو الفارس البشير الذي يبدو عليه أنه لم يسمع النداء بعد. ولذا ظلت القصيدة واللوحة واقفتان في حالة شخوص وذهول ليعلنا عن الغائب والمفقود. هذا البشير وهذا سيد الزمن.

وينتهي النص بجملة (قم من النوم) وهي (صوتيم) دلالي يتكرر مرسوما في اللوحة.

4-3 تأتي (القلعة السمراء) لبكر شيخون ضمن سلسلة من الرسومات لدى هذا الفنان حيث تظهر الوجوه المؤنثة في تنويعات وتواترات تكشف عن حيوية دلالية مجازية ذات أبعاد كلية تتجاوب مع المجازات الشعرية الحديثة، كما رأينا في الفقرة السابقة، وكما سنرى هنا. ولننظر في لوحة ثانية لهذا الفنان اسمها (وجوه وحروف).

 

 


 

 

 

 

 

 

وهي لوحة تتكرر فيها فنيات اللوحة السابقة ولكن المنظور إليه هنا هو جدار من الحروف تقف أمامه ثلاث فتيات ينظرن بتمعن وتساؤل وانتظار عميق نحو هذه اللوحة الماثلة.

وبما أن أفضل تفسير للإبداع هو تفسير النص بالنص وتفسير الشعر بالشعر، وهو المبدأ الذي نستقيه من الأصوليين الذين يقولون بتفسير القرآن بالقرآن(42)، فإن لوحة (القلعة السمراء) تفسر لنا هذه اللوحة حيث يتحول الجدار بحروفه إلى وجه حصان جامح ومن ورائه غياب نجهل تفصيلاته ولكننا نفقد جسد الحصان وفارس الحصان.

أما الوجوه الثلاثة في هذه اللوحة فتتحول إلى وجه واحد في (القلعة السمراء) وهذا يشبكنا بفكرة العناصر التي تتحول من الوجود إلى الاختفاء مثل اختفاء بشير في حفلة العرس ومثل اختفاء (اللؤلؤة) عند السياب(43).

أصيح بالخليج يا خليج

يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى

فيرجع الصدى

كأنه النشيج

يا خليج

يا واهب المحار والردى.

كان اللؤلؤ موجودا ثم غاب. وغياب اللؤلؤة صار قيمة دلالية جيلية، وأخذ غياب اللؤلؤة صورا مجازية متنوعة فغاب بشير سيد هذا الزمن وغاب فارس الحصان في اللوحة وكلاهما لؤلؤة مفقودة غائبة.

ومنذ أن غابت لؤلؤة السياب وأعلن الشاعر عن غيابها والشعراء يجرون وراءها باحثين عنها. هذا صلاح عبد الصبور يقول باحثا(44):

جبت الليالي باحثا في جوفها عن لؤلؤة

وعدت في الجراب بضعة من المحار

وكومة من الحصى، وقبضة من الجمار

وما وجدت اللؤلؤة

سيدتي إليك قلبي، أبيض كاللؤلؤة

وطيب كاللؤلؤه

ولامع كاللؤلؤه

هدية الفقير

وقد ترينه يزين عشك الصغير.

في هذا النص تحضر العناصر المجازية كلها. فهذا الفارس هنا يبحث عن اللؤلؤة، وهذه سيدته حاضرة تنتظر عودته ومعه اللؤلؤة.

ولكنه يعود بلا لؤلؤة..

وما جدوى فارس بلا لؤلؤة..!؟

هل سيكون بشيرا من دون اللؤلؤة..؟

وهل سيكون سيدا لهذا الزمان من دون اللؤلؤة..؟

وهل سيقتحم جدار القلعة السمراء ويصل إلى سيدته المنتظرة، وهو لا يحمل اللؤلؤة؟

لم يجد الفارس اللؤلؤة. ولذا ظل هناك غائبا وبعيدا وظلت النصوص تنتظره.

4.4-هذا نصفه بالمجاز الجماعي (الجيلي) الذي يتكون من حبكة مجازية متحولة وعابرة. تعبر فيما بين النصوص والخطابات وتعبر عن جيلها ولغة هذا الجيل.

ولقد كانت (اللؤلؤة) وما زالت قيمة مجازية يوحي غيابها بحضور المحار والردى والحصى والجمار، ولكن لا لؤلؤة.

على أن مجاز اللؤلؤة يتكرر بشكل طاغ في الشعر وفي الفن التشكيلي وبين يدي لوحات لفنانين تبرز عندهم صورة اللؤلؤة محاصرة أو مكسورة أو معتما عليها أو ضائعة (نائمة). وأكاد أقول إن هذا المجاز يطغى على التجربة الفنية لدى التشكيليين السعوديين والتشكيليات السعوديات مثل عبد الجبار اليحيا وفهد الربيق وناصر الموسى وعثمان الخزيم وبكر شيخون ومثل شادية عالم ومنيرة الموصلي.

ولا بد أن ذلك صورة عن سائر التجارب التشكيلية العربية المعاصرة، مثلما هو قائم في الشعر. ولقد أشرت في عمل سابق إلى اللؤلؤة عند غازي القصيبي(45).

واللؤلؤة مجاز جيلي يكشف ويحجب، يعلن ويسر، ويفصح لنا عن جيل كامل بما فيه من قدرة إبداعية وبما فيه من عجز عملي

 

الهوامش:

1- أبو زيد القرشي: جمهرة أشعار العرب، 24، المطبعة الأميرية الكبرى، بولاق 1308هـ (تصوير دار المسيرة، بيروت 1978).

2- عن حكايات الفرزدق وسرقاته من زملائه الشعراء: انظر الأصفهاني: الأغاني، مجلد 3، ج8، ص188 ومجلد 4، ج12، ص115، دار الفكر، القاهرة د.ت.

3- أوردها القرطاجني: منهاج البلغاء 143 منسوبة إلى الخليل بن أحمد، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الكتب الشرقية، تونس 1966.

4- الأبشيهي: المستطرف 1/150، تحقيق عبد الله أنيس الطباع، دار القلم، بيروت 1981.

5- البيت لأبي الطيب المتنبي، انظر ديوانه 2/15، شرح عبد الرحمن البرقوقي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر د.ت.

6- انظر نقد الباقلاني لامريء القيس وللبحتري في كتابه إعجاز القرآن، 158و219، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف بمصر 1977.

7- قام كتاب الديوان للعقاد والمازني على مبدأ النقد التهديمي وركز العقاد على شوقي، انظر الديوان، 5-52، دار الشعب، القاهرة د.ت.

8- هذه عبارة مازلت أحفظها عن الجاحظ ولكنني حينما رغبت في توثيقها أعجزني العثور عليها ولم أتمكن من تحديد موقعها في أي من كتب الجاحظ، وأرجو ألا تكون ذاكرتي قد خانتني هنا. ولكنى علي يقين من ورود الكلمة في أحد كتب الجاحظ.

9- أبو تمام: ديوانه، 2/161 بشرح التبريزي، تحقيق محمد عبده عزام، دار المعارف، مصر 1969.

10- من معاني (البازل) طلوع الناب واكتمال الرجل وبلوغه الحنكة والحكمة، انظر القاموس المحيط، والمعجم الوسيط، مادة (بزل).

11- هذا وصف الكندي لأبي تمام حينما ألقى قصيدته في مدح أحمد بن المعتصم وأضاف إليها بيتين ارتجلهما جوابا على نقد الكندي له. عن القصيدة، انظر ديوان أبي تمام 2/242.

12- وردت العبارة عند صلاح فضل في كتابه شفرات النص، ص125، عين للدراسات، القاهرة 1995، ناقلا إياها من كتاب أبي العلاء المعري: شرح ديوان المتنبي، معجز أحمد، تحقيق عبد المجيد دياب 1/56، القاهرة 1968 (د.ن).

13- وردت القصة في مداخلة لغازي القصيبي: انظر عبد الله الغذامي، الكتابة ضد الكتابة 84، دار الآداب بيروت 1992، ولم يوثقها القصيبي هناك، وفي مسعاي لتوثيقها عثرت على شيء قريب منها لدى ابن رشيق، العمدة 2/93، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت 1972.

14- الباقلاني: إعجاز القرآن 116.

15- ابن فارس: الصاحبي 467 تحقيق السيد أحمد حنفي، طبع عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1977.

16- هذه الكلمة لعمر بن الخطاب: انظر عنها ابن رشيق: العمدة 1/27.

17- أبو تمام: ديوانه 3/183.

18- الجاحظ: رسالة التربيع والتدوير ضمن رسائل الجاحظ 3/55، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، مصر 1979.

19- ابن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء 1/66، تحقيق محمود شاكر، مطبعة المدني، القاهرة 1974.

20- الباقلاني: إعجاز القرآن 116/117.

21- ابن المقفع: الأدب الصغير 35، دار صادر، بيروت د.ت.

22- ابن حزم: طوق الحمامة 22، ضبط الطاهر أحمد مكي، المعارف، مصر 1975.

23- عن ذلك، انظر عبد الله الغذامي: الخطيئة والتكفير 5-8، دار سعادة الصباح، القاهرة/الكويت 1992.

24- سمعت الحكاية من الشيخ علي الطنطاوي في حديثه في التلفزيون السعودي (نور وهداية).

25- تعرضت في حديث واف عن بيت دريد بن الصمة وعلاقته بجملته الشعرية، انظر الخطيئة والتكفير 91-92.

26- للتفصيل عن قصيدة كعب بن زهير، انظر عبد الله الغذامي: القصيدة والنص المضاد 46-47 المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت 1994.

27- يطرح هيرتش فكرة نية المؤلف ويربط بينها وبين تفسير النص تفسيرا صحيحا وترددت الفكرة في كتبه ودراساته ومنها كتابه Validity in interpretaion.

28- أبو تمام: ديوانه 3/151.

29- صلاح عبد الصبور: ديوانه ج1، ص211، دار العودة، بيروت 1972.

30- رسول حمزاتوف: بلدي 164، ترجمة عبد المعين ملوحي ويوسف حلاق، دار الجماهير العربية 1984.

31- إبراهيم ناجي: ديوانه 20، دار العودة، بيروت 1973.

32- خير الدين الزركلي: الأعلام 1/72 من نشر المؤلف 1969.

33- الأبشيهي: المستطرف 1/150.

34- ابن حزم: طوق الحمامة 24.

35- إبراهيم ناجي: ديوانه 20.

36- السابق 20.

37- عبد الرحمن السعدي: القواعد الحسان لتفسير القرآن بالقرآن. مجلد 8، ص14، مركز صالح بن صالح الثقافي. عنيزه، السعودية 1988.

38- من وقفة تفصيلية عن هذه المسألة، انظر: عبد الله الغذامي: المرأة واللغة 7-39 الفصل الأول عن "الأصل التذكير". المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء 1995.

39- عن الإجبار الركني: انظر عبد الله الغذامي: الخطيئة والتكفير 277.

40- الزمخشري: أساس البلاغة مادة (مذق)، دار بيروت/دار صادر، بيروت 1965.

41- عبد الله الصيخان: هواجس في طقس الوطن 25-26، دار الآداب، بيروت 1977.

42- عن مبدأ تفسير الشعر بالشعر، انظر عبد الله الغذامي: الخطيئة والتكفير 81، دار سعاد الصباح، القاهرة/الكويت 1992، أو ثقافة الأسئلة 11، دار سعاد الصباح 1992.

43- السياب: ديوانه، المجلد الأول 474، دار العودة، بيروت 1971.

44- صلاح عبد الصبور: ديوانه، المجلد الأول 69، دار العودة، بيروت 1972.

45- تعرضت لذلك من قبل وقارنته مع (درة) المسيب بن علس والأعشى، انظر: عبد الله الغذامي، القصيدة والنص المضاد 79-112 المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت 1994.

 

(*) أستاذ النقد والنظرية - كلية الآداب - جامعة الملك سعود.