ص1      الفهرس    المحور 

 

الحساسية الأنثربولوجية بين المسرح الغربي والمسرح المغربي:

مطارحات حول مفهوم "العودة إلى الأصول"

 

حسن يوسفي

ينطوي موضوع "علاقات المسرح المغربي" على العديد من المصادرات والأحكام الجاهزة التي يتعين مساءلتها وإعادة النظر فيها. ذلك أن التأكيد على إطلاع المسرحيين المغاربة على التجارب المسرحية العالمية والتعرف عليها ليس كافيا للتدليل على حضورها في إنتاجاتهم الدراسية. فالحديث عن مثل هذا الحضور يستلزم الكشف عن مدى استيعابهم لخلفياتها الفكرية والجمالية ومدى تمثلهم للمبادئ الأساسية التي تقوم عليها.

ولعل ما يدفعنا إلى إقامة هذا التمييز بين الإطلاع والتمثل هو ما ساد من فهم اختزالي وسطحي أحيانا لبعض التجارب المسرحية الطليعية نكتفي هنا بالإشارة إلى مثالين منها، فـ "المسرح الفقير" لجرزي كروتوفسكي غالبا ما تم فهمه باعتباره مسرحا يقوم على نقص في الإمكانيات المادية ما دامت صفته المميزة هي "الفقر"؛ مثل هذه النظرة جعلت العمق الفلسفي والجمالي لهذا المسرح الانقلابي يتوارى ويضيع وراء منظور سطحي يتعامل مع الأسماء ويتغافل عن المسميات. علاوة على هذا، فالاعتقاد الذي طالما ترسخ عن "مسرح القسوة" لأنطونان أرطو هو كونه مسرحا يقوم على العنف والقسوة الجسدية، هذا مع العلم أن كلمة قسوة التي اختارها أرطو لتسمية مسرحه لا تعني شيئا من حيث دلالتها اللغوية بالنسبة إليه.

ويبدو لنا أن هذا الفهم الاختزالي لاتجاهات مسرحية تقوم على عمق فلسفي حداثي منقطع النظير، يعود -بالإضافة إلى قنوات التعرف الناقصة (الترجمات الجزئية، التلخيصات، المعرفة الشفوية داخل المهرجانات المسرحية) في غياب التعامل مع المتون الأصلية- إلى مشترطات السياق السوسيو-ثقافي المغربي، ولا سيما خلال السبعينات حيث كان المسرح المغربي يعيش على إيقاع عنف مزدوج: عنف مادي (غياب الإمكانيات) وعنف رمزي (غياب الحريات). وإذا كانت العديد من التجارب المسرحية العالمية يقوم على مثاقفة واعية بذاتها تحكمها هواجس التوازن بين الهوية والاختلاف، كما يعكس رغبة أكيدة في تمثل المنطلقات الفكرية والأبعاد الجمالية لتلك التجارب.

ضمن هذا السياق أمكننا أن نتحدث في هذه الدراسة عما نسميه بـ"الحساسية الأنثربولوجية في المسرح المغربي"، وذلك من خلال التركيز على مفهوم أساسي يعكس هذه الحساسية هو مفهوم "العودة إلى الأصول Le retour aux sources". لكن قبل الدخول في تفاصيل هذه الإشكالية في نسختها المغربية، لا مناص من العودة إلى المرجعيات الغربية الأصلية ومحاولة تسليط الأضواء على الحضور الأنثربولوجي في المسرح الغربي.

1 ـ الحساسية الأنثربولوجية والاتجاه الأنثربولوجي:

لا بأس من التمييز، أولا، بين الحساسية الأنثربولوجية والاتجاه الأنثربولوجي في المسرح الغربي. فالأولى تستقطب مجموعة من المدارس التي جعلت من مسألة الحنين إلى الأصول واستعادة البدائي أو الأسطوري أو المقدس قضية مركزية، وترجمت ذلك عبر تنظيراتها المختلفة. ويمكن أن ندرج في هذا الإطار أسماء ككروتوفسكي وأرطو وبيتر بروك. أما الثاني، فيعبر عن اتجاه مسرحي قائم بذاته أطلق عليه أقطابه تسمية: "الأنثربولوجيا المسرحية" وأنشأوا من أجله معهدا دوليا سموه بـ"المعهد الدولي للأنثربولوجيا المسرحية" (I.S.T.A)، كما بلوروا ترسانة من المفاهيم والتصورات الأنثربولوجية تضمنها معجم متخصص أنجزه قطبان أساسيان ضمن هذا الاتجاه هما: فيكولا سافاريز وأوجينيو باربا(1).

وإذا كان هذا الاتجاه الأخير لم يعرف بعد بشكل كبير في المغرب بحكم راهنية تنظيراته وغياب ترجمات عربية لنتاجات أقطابه بل وغياب متونهم الأصلية نفسها في مكتباتنا، فإن المدارس التي تعكس ما سميناه بالحساسية الأنثربولوجية عرفت امتداداتها في المسرح المغربي منذ السبعينات. تعود أصول الوعي الأنثربولوجي في الثقافة الغربية بشكل عام حسب مونيك بوري Monique Borie(2)، إلى القرن السادس عشر حيث سكنت "جاذبية الآخر" الفكر والأدب الغربيين. فمنذ عصر النهضة ظهر نوع من الفكر "الضد-أوروبي" الذي ينظر إلى ثقافة الآخر باعتبارها مجالا لإيجاد حلول أو نماذج لحضارة غربية مأزومة، وقد اتخذت هذه النظرة أحيانا طابع "الحنين إلى الجنة المفقودة". ولعل هذه الجاذبية نفسها هي التي هيأت الفكر السياسي الغربي للقرن الثامن عشر لاستقطاب تصور جديد يقوم على ثنائية: مجتمع متحضر/مجتمعات طبيعية.

ومع دخول الغرب المرحلة الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر، ظهرت شخصية جديدة في الفكر الأوروبي، اعتبرت ترجمة علمية لشخصية الرحالة، هي شخصية "الأنثربولوجي". وفي غمرة هذا التحول برز إشكال كبير يتعلق بالعلاقة بين النظرة الموضوعية للأنثربولوجي، وبين النظرة الاستيهامية الموروثة عن خطاب الرحالة القدماء إزاء ما سمي بـ"المجتمع البدائي المثالي" الذي ينظر إليه كمجتمع متوحش. وقد حاولت المدارس الأنثربولوجية الغربية التي تطورت بالخصوص خلال القرن الحالي حسم هذا الإشكال، وذلك بجعل الأنثربولوجيا علما إنسانيا قائما على دراسة موضوعات محددة بواسطة جهاز مفاهيمي واضح.

وسواء تعلق الأمر بالوعي الأنثروبولوجي في درجته الغفل، أو بالأنثربولوجيا كعلم إنساني واضح المعالم، فإن القضية المركزية التي ظلت تستأثر باهتمام الفكر الأنثربولوجي الأوروبي هي مسألة "العودة إلى الأصول". ولم يقتصر الاهتمام بها على هذا النوع من الفكر بل شكلت هاجسا للثقافة الغربية الحديثة بأكملها حيث اهتم بها علماء الأديان وعلماء التحليل النفسي والفلسفة والتاريخ، لتجد طريقها إلى المسرح الغربي عبر الأنثربولوجيا.

2 ـ "العودة إلى الأصول" إبستمي الحداثة الغربية:

يؤكد مرسيا إلياد Mircea eliade أن تنامي التفكير في الأصول تزامن مع المد التصاعدي للإيديولوجيات المادية في الغرب خلال القرن التاسع عشر. ففي سياق كتابه الشهير "الحنين إلى الجذور La Nostalgie des origines تحدث عن ظاهرة سماها بـ"هوس الأصول L’obsession des origines، حيث أكد أنه "خلال هذا العصر، كانت التأريخات الغربية كلها مهووسة بالبحث عن الأصول. فـ"أصل وتطور" شيء ما تحول إلى مستنسخ cliché تقريبا. هناك علماء كبار كتبوا عن أصل اللغة، والمجتمعات الإنسانية، والفن، والمؤسسات، والأجناس الهندو-آرية..الخ […] بحيث يمكن القول إن هذا البحث عن أصول المؤسسات الإنسانية والإبداعات الثقافية يمدد ويكمل البحث عن أصل الأنواع لدى عالم الطبيعة، وحلم عالم البيولوجيا بالإمساك بأصل الحياة، ومجهود عالم الجيولوجيا وعالم الفلك من أجل فهم أصل الأرض والعالم. يمكننا، من منظور سيكولوجي، أن نكشف هنا نفس الحنين إلى "البدائي" و"الأصلي" "(3).

إن هذا الهوس بالأصول تحول إلى إبستمي في الفكر الحداثي الغربي حيث ترجمه علم الأديان عن طريق الاهتمام بالأديان القديمة والشرقية، كما عكسه التحليل النفسي من خلال تأكيد فرويد على مقولة "البداية المطلقة"، وإن كان البدئي أو الأولي قد فقد لديه بعده الكوني ليتم اختزاله في "أولي فردي primoridal personnel".

ففرويد يتحدث عن "لا زمنية اللاشعور" حيث المحتويات الطفولية التي يتشكل منها ماضيه الأصلي أو حالته البدائية تبقى محتفظة بنفسها بشكل يجعلها قابلة للتكرار وإعادة الإنتاج، ويصبح، بالتالي، الحنين إليها حنينا إلى الأصل. أما الفلسفة، فقد عالجت مسألة الأصول في سياق التفكير في إشكالية تتعلق بالإنسان هي إشكالية الهوية والوحدة، كما يؤكد ذلك ميشال فوكو في "الكلمات والأشياء". وتبقى الأنثربولوجيا هي المجال الخصب الذي وجدت فيه مسألة "العودة إلى الأصول" إطارا للتبلور في فكر نسقي حاول أن يجعل منها وسيلة لإعادة النظر في العديد من المقولات الأساسية السائدة في الفكر الغربي الحديث ومنها على الخصوص مقولتي: التطور والتاريخانية.

فالمعروف أن النزعة المركزية الغربية التي تنامت مع المد الكولونيالي جعلت من التطور الاقتصادي والتكنولوجي المعيار الأساسي للتطور بكيفية حولت المجتمع الغربي إلى نموذج نهائي لهذا التطور، كما أنها اعتبرت أن هذا التطور هو جزء من الصيرورة التاريخية التي نقلت الإنسان من المرحلة الوحشية إلى المرحلة الحضارية.

إن هذا النوع التفكير المركزي هو الذي حاولت تقويضه الأنثربولوجيا، وذلك عن طريق إثارة الانتباه إلى معايير أخرى للتطور، غير مادية بالضرورة، (انسجام العلاقات العائلية، مثلا في النظام الأسترالي)، لا تجعل، بالتالي، من التاريخ معطى تراكميا، وتؤمن بأهمية المشاركة والانفتاح المتبادل بين الثقافات. إن هذا الانفتاح يجعلنا نطل على نماذج مجتمعية لا تتصور "الزمن، باعتباره تاريخا ولا الصيرورة باعتبارها تقدما"(4)، أي لا تتصور قيمة الإنسان في إطار تاريخاني بقدر ما تعود إلى ما يسمى بـ"الزمن المستعاد للأفعال المؤسسية". وعن هذه العودة نشأ ما يسمى بـ "سحر الأصول" باعتباره رد فعل على النزعة التاريخانية.

على هدى هذا التفكير الأنثربولوجي سار المسرح الغربي المسكون بهواجس البدائي أو الأسطوري أو المقدس، وذلك في سياق محاولة البحث عن دواء لأزمة المسرح أو الثقافة الغربية بشكل عام، الناتجة عما خلفته الحداثة من تصدع فكري وسيكولوجي في أعماق الإنسان الغربي. وبذلك تحولت مسألة "العودة إلى الأصول" إلى هاجس مشترك بين العديد من الاتجاهات المسرحية الغربية ولا سيما خلال هذا القرن.

فماذا يقصد هنا بمقولة "الأصول"؟ ولماذا هذه العودة إلى الأصول؟ وما هي نوعية الأصول المستعادة؟ وماذا يستفاد من نماذجها؟ وكيف يتم تجسيدها مسرحيا؟

3 ـ "العودة إلى الأصول": تقاطع الأنثربولوجي والمسرحي

تجدر الإشارة، بدءا، إلى أن "كلمة أصل" […] ملتبسة: فهي، من جهة، تعني البداية وتشير إلى مرحلة أولية في الزمن التاريخي، كما تحيل، من جهة أخرى، إلى الطبيعة باعتبارها أصلا ممكنا على طول الزمان […] إن هذا المعنى المزدوج لكلمة "أصل" يجمع، إذن، فلسفة التاريخ مع فلسفة الطبيعة: فبصعودنا مع مسار التاريخ، لدينا حظوظ لإيجاد إنسان ما يزال قريبا من حالة الطبيعة"(5).

إن هذا التداخل بين "البداية" و"الطبيعة" في مسألة "الأصل" هو القاعدة التي انبنى عليها بحث الأنثربولوجيين وتحليلهم للبدائي والمتوحش. فقد اعتبروه بمثابة نمط للوجود الاجتماعي يحيل على شكل مميز في العلاقات التواصلية المباشرة، أي العلاقات الأصيلة. وتقوم هذه العلاقات على عنصرين هامين هما: الشفوية واللغة الجسدية. وعلى أساس هذين العنصرين تتحقق خاصيتان أساسيتان في مجتمعات الأصول لم تتمكن المجتمعات الحديثة من حيازتهما، وهما: الوحدة Unité والكلية Totalité. ولعل هذا ما يؤكده أحد الباحثين في مجال الأنثربولوجيا قائلا "ومن الواضح أن معظم خصائص الفكر والتعبير القائمين على أساس الشفاهية […] ترتبط ارتباطا حميميا بالنظام الصوتي الذي يدركه البشر، وهو نظام يفضي إلى التوحيد وإلى الاتجاه نحو المركز ونحو الداخل. والنظام اللغوي الذي يسود فيه الصوت يتفق مع الميول التجميعية (المساعدة على الائتلاف) أكثر من اتفاقه مع الميول التحليلية، التجزيئية (التي سوف تأتي مع الكلمة المكتوبة، المرئية، لأن البصر حاسة تجزيئية). وهو يتفق كذلك مع النظرة الكلية المحافظة (الممثلة في الحاضر المستقر الذي يجب أن يحتفظ به سليما، وفي التعبيرات القائمة على الصيغة التي يجب أن يحتفظ بها دون تغيير)، ومع التفكير المواقفي (المرتبط بالنظرة الكلية أيضا، حيث يكون الفعل الإنساني في المركز) أكثر من اتفاقه مع التفكير المجرد"(6).

إن هذه الخصائص المميزة لمجتمعات الأصول التي كشف عنها الأنثربولوجيون هي التي ألهمت المسرحيين فـ"هذه الأنثربولوجيا المخترقة بتفكير الأصول هي التي يبلغها مسرح غير مقتنع بتقليده الخاص، ويتجه نحو الثقافات الأخرى باعتبارها محافظة على الطاقة المفقودة للأصول، ليجد فيها أجوبة هو أيضا. فباسم نماذج الأصول، فتحت - في المسرح كما في خطاب الأنثربولوجي- محاكمة الحاضر محاكمة سوسيو-سياسية، لكنها ثقافية أيضا […] إن حيازة اللغات البدائية هي ما سيحلم المسرح بتحقيقه. والأنثربولوجيا-التي لا تستخلص فقط، في تحليلها لخصائص البدائي أو المتحوش، نمطا للوجود الاجتماعي والعلاقات التواصلية وإنما تستخلص أيضا استعمالا للعلامات تهيمن عليه الشفوية والجسد-تأتي من جهتها لتطعيم تفكير حول لغة ممكنة للأصول"(7).

استيحاء لهذا التفكير الأنثربولوجي الذي يعترف كروتوفسكي صراحة بتأثيره في المسرح الغربي، وبتأثير من سياق الحداثة الذي أصبح يؤسس الشرط الإنساني على أساس "الوجود الانقسامي Existence parcellaire" الذي يشرخ الكائن ويفقده هويته ويعمق غربته وفردانيته، تحولت عملية "العودة إلى الأصول" في المسرح الغربي إلى نوع من البحث عن دواء لأزمة الأشكال المسرحية، وبالتالي لأزمة الثقافة الغربية بأكملها.

لقد اتخذت "الأصول" بالنسبة للمسرحيين مظهرين أساسيين: أصول ذاتية وأصول غير ذاتية. تنتمي الأصول الأولى للتقليد الغربي نفسه حيث اعتبرت بمثابة نماذج مثالية لمسرح بدائي، ومنها على وجه الخصوص: المسرح اليوناني، مسرح القرون الوسطى ثم المسرح الإليزابيتي. وفي سياق العودة إلى هذه الأصول الذاتية ينبغي وضع عودة المسرح الغربي خلال هذا القرن إلى "الكوميديا المرتجلة" التي "تؤدي وظيفة مزدوجة: الأولى كـ (ميثا)، وفردوس مفقود بالنسبة لمسرح يبحث عن أصوله؛ والثانية كنمط فيه خصائص أسلوب مسرحي كانت تبدو إشكالية ومتناقضة عن طريق الممارسة"(8). أما الأصول غير الذاتية فتعود بالأساس، إلى ثقافة "الآخر l 'autre"، وقد اتخذ البحث عنها وجهات متعددة ترجمها سفر المسرحيين أنفسهم إلى مختلف البقاع التي يعتقدونها بمثابة "أرض الأصول". فأرطو ذهب إلى المكسيك، وكروتوفسكي رحل إلى الهند، ونزل بيتر بروك إلى أفريقيا، في حين اتجه أوجينيو باربا نحو الشرق وأمريكا اللاتينية.

لقد أفرزت قضية "الأصول" لغة مميزة داخل كتابات هؤلاء المسرحيين حيث تتردد لديهم مجموعة من الكلمات باعتبارها مترادفات، منها: الأصلي، الأولي، البدائي، الأسطوري، اللازمني، المقدس، النمطي، المؤسس والرمزي. ولعل الإطار الذي جعل منه المسرح الغربي مجالا لتجسيد هذه الخصائص هو "الاحتفال" باعتباره الإطار الأنسب لتكرار "الحدث البدئي" والتعبير عن المقدس، وبلورة النماذج المؤسسة والأنماط الأصلية. لذا، فقد اقترنت مفاهيم الأصول لدى المسرحيين الغربيين بمفاهيم أخرى من قبيل: الطقوسي Rituel والاحتفالي cérémonial وغيرهما. ويبدو أن المسح الشامل الذي قام به ألفريد سيمون Alfred Simon في كتابه "العلامات والأحلام: بحث في المسرح والاحتفال" لمختلف التصورات التي أفرزها مفهوم "الاحتفال"، يضيء، بشكل جيد، هذه العلاقة بين نماذج الأصول من جهة، والاحتفال من جهة ثانية.

4 ـ تجسيدات مسرحية لمفهوم "العودة إلى الأصول"

يمكن التأكيد أن من أبرز التجسيدات المسرحية الغربية لمسألة الأصول تلك التي يمثلها كل من "المسرح الفقير" لكروتوفسكي و"مسرح القسوة" لأنطونان أرطو.

لقد اقتنع كروتوفسكي بأن البحث عن الأصول ينبغي أن ينصب على الممثل، أو بالأحرى على جسد الممثل باعتباره خزانا للقيم الأسطورية الأصيلة. فهو ينطلق من اعتبار الأزمة الحقيقية للمسرح الغربي كامنة في غياب "مسرح طقوسي" يقوم على "أساطير حية". وهذه الأزمة تعد انعكاسا لأزمة ثقافية شاملة تتمثل في "فقدان سماء موحدة للاعتقاد" وفي ترسيخ النزعة الفردية التي تجهز على القيم الجماعية القائمة على مفهومي الوحدة والكلية.

لذا، فإن حل هذه الأزمة يكمن في "أن نوجد للمسرح معادلات لائكية لوظيفته الطقوسية القديمة"(9)، أي في محاولة خلق "طقس لائكي Rituel Laïc" أساسه البحث عن "معيش أسطوري Vécu Mythique" داخل جسد الممثل. ولتحقيق ذلك، يرى كروتوفسكي ضرورة رفض بعدين أساسيين في المسرح هما: اليومي quotidien والتاريخي Historique. فزمن اليومي الذي هو زمن من الصيرورة يقوم على الاستلاب والأقنعة والقوالب Stéréotypes الاجتماعية، مما يجعله يتنافى مع الحقيقة الأصلية للكائن التي هي حقيقة أسطورية، وبالتالي لا زمنية. ويبدو أن كروتوفسكي بهذا التصور إنما يجسد مقولة ستراوس نفسه الذي يرى أنه "لا وجود لمكان للزمن الأسطوري إلا داخل الإنسان نفسه"(10). وإذا كان كروتوفسكي يحاول استعادة الأصول من خلال الممثل باعتباره كيانا عضويا وحقيقة سيكو-جسدية، فإن أرطو يحاول البحث عن الأصول في "الطبيعة" نفسها أو بالأحرى في "الكون Cosmos".

لقد تعددت الأوصاف التي أطلقها أرطو على "مسرح القسوة" الذي أرسى دعائمه النظرية في كتابه "المسرح وقرينه"؛ فهو مسرح سحري Magique، خيميائي Alchimique وميتافيزيقي Métaphysique. من ثم فـ"العودة إلى السحر هي عودة إلى الطبيعة ما دامت، في أعماقها، ذات جوهر سحري متوحش. لذا، يتعين على المسرح أن يرتبط بالمقدس […] الخيمياء تعود بعمقها، عبر طريق آخر، إلى المقدس […] والميتافيزيقا هي الطريق الثالث للمقدس. فالمسرح الميتافيزيقي يتعارض مع كل ما حصر المسرح الغربي ضمن عقلانية اللغة"(11). وكيفما كانت الطريق، فإن الهدف واحد بالنسبة لأرطو وهو البحث عن المسرح باعتباره "فنا مقدسا" وذلك من خلال العودة إلى نماذج الأصول، ما دامت "العودة إلى الأصول هي، بهذا، عودة إلى الجوهر Essence"(12). ومفهوم الجوهر هنا يتخذ بعدا طبيعيا وزمنيا.

فالأصلي أو الجوهري بالنسبة لأرطو هو "الحياة الكونية" الموجودة دائما، أي حالة الطبيعة التي عملت الثقافة على إخفائها وقمعها وكبت مظاهرها. والبحث عنها في الزمن، لا بد أن يتجه نحو "إنسان الأزمنة الأولى" الذي يفترض فيه قربه الشديد من الطبيعة السابقة عن حكم العقل والثقافة.

إن أرطو يستعيد هنا، من خلال ثنائية طبيعة/ثقافة، تصورا أنثربولوجيا صرفا، كما يخضع في تصوره لنموذج الأصول لما سماه ستروس بـ"المجتمعات الأصلية Sociétés authentiques".

5 ـ الأنثربولوجيا: الخطاب المستحيل في الثقافة المغربية.

إذا كان المسار الغربي الذي تحدثنا عنه يوضح كيف جعلت الثقافة الغربية الحديثة -بفعل حتمية حضارية- من مسألة "العودة إلى الأصول" نظاما معرفيا امتد تأثيره من العلوم الإنسانية إلى مجال الفنون وعلى رأسها المسرح بشكل عكس تقاطعا في الاهتمامات بين الأنثربولوجي والمسرحي؛ فإن الحديث عن مسألة الأصول في المسرح المغربي يجرنا، بالضرورة، إلى طرح سؤال جوهري هو: هل يمكن الحديث عن حساسية أنثربولوجية في المسرح المغربي؟

للإجابة على هذا السؤال، لا مناص من استحضار السياق السوسيو-ثقافي الذي تحكم في ظهور بعض الاهتمامات الإنسانية الجديدة في ثقافتنا المغربية، ولا سيما منها الاهتمامات ذات النزوع الأنثربولوجي و السوسيولوجي. في هذا الصدد، ينبغي التأكيد على الدور الحاسم للجامعة المغربية في إثارة الانتباه إلى مثل هذه التخصصات خلال الستينات والسبعينات. لكن الملاحظ أن مثل هذه الاهتمامات المعرفية لم تستطع أن تجد لها مكانا بسهولة في الأوساط الأكاديمية والثقافية لتلك المرحلة لأسباب يشرحها أحد الأنثربولوجيين المغاربة هو عبد الله حمودي، قائلا: "والسؤال هو لماذا تهمش في زمن ما بعض المناطق وبعض المواضيع وبعض الفنون والعلوم: وجزء من الجواب يكمن في أن التهميش يتم بسبب سياسات معرفية علنية أو ضمنية ترتبط هي الأخرى بالسياسات التنموية والسياسية العامة. وهنا يجب أن نلاحظ أن هذه السياسات لم تنهج من طرف الدولة وحدها. ففي الستينات والسبعينات كان جل الفاعلين السياسيين يتفقون على قضايا منحوها الأسبقية: إعادة بناء الدولة، بناء اقتصاد جديد، ترسيخ وتأصيل الشعور الوطني…الخ. ولذلك همشت جوانب اجتماعية وثقافية عديدة كانت النظرة السائدة إليها لا تتفق وهذه الأسبقيات، وهمشت علوم كالأنثربولوجية والسوسيولوجية بدعوى أن الأولى تكرس الفوارق الثقافية والنزاعات الجهوية وتضعف الهوية الموحدة، والثانية بدعوى أنها لا تفيد شيئا، لأن العامل الاقتصادي ودوره في الصراع الطبقي هو الأسبق، أو بدعوى أخرى ملخصها أنها تقلل من أهمية الأمة بمعناها الديني أو الوطني الليبرالي. وبعبارة أخرى، فقد حصل آنذاك اتفاق عملي بين الفكر الوطني الليبرالي والفكر الوطني الماركسي حول هذه القضايا وأظن أن هذا الاتفاق كانت نتيجته سياسة معرفية أقصت مواضيع وعلوما معينة من زاوية التفكير والاهتمام"(13).

لم يكن ممكنا، إذن، حتى على صعيد الاهتمام الأكاديمي ناهيك عن المجال الثقافي العام، إرساء دعائم خطاب أنثربولوجي مغربي خلال الستينات والسبعينات نظرا لطبيعة الفترة وأولوياتها سواء بالنسبة للدولة (المركزية السياسية والاجتماعية والثقافية) أو بالنسبة للمجتمع المدني (الوحدة الوطنية، الهوية، الصراع الطبقي، الإيديولوجية الماركسية)، ونظرا كذلك لاقتران الخطاب الأنثربولوجي لدى المغاربة آنئذ بالاستعمار. في ضوء هذا الاقتران نفسه تم التصدي للمحاولة التي قام بها حمودي نفسه باعتباره أحد رواد الأنثربولوجيا في المغرب، يقول عن ذلك: "ومازلت أتذكر مناقشات طويلة مع باحثين من أقراني كانوا يتساءلون حول الأسباب التي دفعتني إلى اختيار البحث الأنثربولوجي، بل كان البعض لا يتردد في اتهامي بأني أنهج نهج الدراسات الاستعمارية"(14) لم يكن ممكنا في ظل هذه الشروط أن تعلن الأنثربولوجيا عن خطابها صراحة داخل الأوساط العلمية والثقافية، لأن كل من تجرأ على ذلك سوف يعرض نفسه لنعوت من قبيل: لا وطني، استعماري، غير وحدوي، مخرب للهوية.. الخ. لذا، فإن الأنثربولوجيا اضطرت لأن تغلف نفسها بخطابات أخرى، ومادامت لم تستطع الدخول من الباب فقد اختارت أن تتسرب من النافذة.وهنا، يبدو لنا أن نافذة المسرح كانت إحدى أبرز المنافذ التي سمحت للوعي الأنثربولوجي بالإعلان عن نفسه دون التنصيص على ذلك صراحة. لقد أتاح المسرح المغربي للأنثربولوجيا إمكانية دخول مجاله الثقافي عبر قضية أريد لها أن تكون متصلة مباشرة بمسألة الهوية والأصالة، ألا وهي قضية "العودة إلى الأصول".

6 ـ الحساسية الأنثربولوجية في المسرح المغربي:

لقد تمكن المسرح المغربي من استقطاب الحساسية الأنثربولوجية عبر واجهتين أساسيتين هما:

واجهة البحث المسرحي الجامعي

واجهة التنظير المسرحي التي خرجت من رحم مسرح الهواة.

فعلى مستوى البحث المسرحي، لا أحد يجادل في كون الدراسة الرائدة التي أنجزها الدكتور حسن المنيعي في فجر السبعينات من خلال كتابه أبحاث في المسرح المغربي، تعد بمثابة الشرارة الأولى لتوجه أنثربولوجي ما تزال ملامحه الأساسية تشكل بثبات من خلال الأبحاث التي ينجزها طلبته في مختلف الكليات والمعاهد المغربية. إن الفصل الذي خصصه لما سماه بـ "التقليد المسرحي في المغرب"، والذي ظل يعود إلى مفاصله الأساسية في دراسات لاحقة أكثر تعبيرا على التمثل العميق للدرس الأنثروبولوجي، يجسد اهتماما واضحا بالبحث عن "أصول المسرح المغربي".

ومن معطف هذه الدراسة الرائدة خرجت إلى الوجود دراسة أخرى لمسنا فيها تأشيرا صريحا، منذ العنوان، على مسألة "الأصول"، وهي دراسة حسن بحراوي: المسرح المغربي: بحث في الأصول السوسيو-ثقافية.

ويبن فجر السبعينات الذي عرف خروج دراسة المنيعي والعقد التسعيني الذي عرف ظهور كتاب بحراوي، ظلت الأنثربولوجيا تبحث لنفسها عن مكان ملائم ولو من خلال الاهتمام بظواهر فرجوية متصلة بكيفية غير مباشرة بمجال المسرح. في هذا الإطار يندرج كتاب عبد الله حمودي نفسه بعنوان "الضحية وأقنعتها La victime et ses masques" الذي كرسه لتحليل حفل تنكري في إحدى قبائل الجنوب المغربي. وتلوح في الأفق الأكاديمي اليوم ملامح أنثربولوجيا مسرحية مغربية رسم خطوطها الكبرى المنيعي، ويحاول تلامذته إنجاز أشغالها من خلال بحوث تنصب على قضايا جزئية ميدانية (الفرجات الشعبية في مناطق معينة من المغرب) أو على قضايا شمولية مثل: هوية المسرح المغربي، المقدس في المسرح المغربي… الخ.

كل هذه الأمثلة التي أشرنا إليها هنا تؤكد أن "مسألة الأصول تشكل أحد ثوابت الدرس المسرحي في المغرب"(15). ولعل ما ساعدها على تحقيق الشرعية داخل الوسط الثقافي -بالإضافة إلى التحولات الكبرى التي طرأت على الفكر المغربي خلال العقدين الأخيرين- هو كونها أدمجت هذه الاهتمامات العلمية ضمن الصيرورة المجتمعية الهادفة إلى ترسيخ ثقافة مغربية تعي جيدا علاقة التوازن بين الذات والآخر.

أما على مستوى التنظير المسرحي، فيمكن القول إن ظهور "الاحتفالية" كاتجاه مسرحي خرج من رحم مسرح الهواة، كان مؤشرا حقيقيا على بروز ما نسميه هنا بالحساسية الأنثربولوجية في المسرح المغربي، لا سيما وأنه اتجاه جعل من مسألة " العودة إلى الأصول" قضيته المركزية والأساسية.

لقد كان طبيعيا أن تلقى الاحتفالية نفس ردود الفعل العنيفة التي تحدثنا عنها بخصوص الأنثربولوجيا في الحقل العلمي والثقافي عموما. فمسرح الهواة، كما هو معلوم، كان حقلا خصبا للإيديولوجية الماركسية، مما جعل النقاد والمهتمين بالمسرح آنئذ يحاكمون الاحتفالية محاكمة إيديولوجية صرفة. فكونها نظرية مسرحية قائمة على مفهوم "الاحتفال" بما يحيل عليه من "نزعة إنسانية"، "لا زمنية" و"لا تاريخية"، جعلها عرضة لهجمات قوية نعتت من خلالها بنعوت مثيرة يشير إلى العديد منها عبد الكريم برشيد نفسه في كتابه السجالي مع خصومه، بعنوان "الاحتفالية: مواقف ومواقف مضادة". يقول: "لقد انطبع النقد الذي واجه الاحتفالية بطابع "الانفعال وإطلاق الأحكام والنعوت المثيرة للأحقاد نحو "طقوس بلا مردود" و"ظاهرة موسمية" و"متحالفة مع البرجوازية" و"ضليلية" و"فاشية" و"انتهازية" و"علامة مسجلة" و"تدجيل" إلى غير ذلك من الألقاب التي تجعل من النقد سبا ومقابلات عنيفة وتباريا فنتازيا في الكلام" "(16).

إن هذه الأوصاف التي تعكس -في نظر برشيد- حالة سيكولجية أطلق عليها "فوببيا الاحتفالية"، تترجم، في واقع الحال، موقف مرحلة ساخنة مليئة بالأسئلة التاريخية الحاسمة التي لا تقبل سوى "التحليل الملموس للواقع الملموس". لكنها تعكس، في الواجهة الأخرى، وجود "قصور معرفي لاستيعاب الظاهرة الاحتفالية"(17).

إن هذا النوع من القصور المعرفي الذي نعتبره نحن من طبيعة أنثربولوجية، هو ما سنحاول تسليط الأضواء عليه من جديد، ما دام قد ألغي أو لم يكن ممكنا الانتباه إليه في الدراسات النقدية التي انصبت على الاحتفالية" بحكم طغيان النظرة الإيديولوجية. لذا، فإن السؤال الجوهري بالنسبة إلينا هو: ما هي طبيعة الحساسية الأنثربولوجية التي تعبر عنها "الاحتفالية" كاتجاه مسرحي مغربي؟ وكيف تعاملت، بالتالي، مع مسألة "الأصول"؟

7 ـ مفارقة "العودة إلى الأصول" في المسرح الاحتفالي:

قد يبدو صعبا الإمساك بتصور شمولي متكامل حول "الاحتفالية" بالنظر إلى الكم الهائل من التنظيرات الجماعية والفردية لهذا الاتجاه والتي لم تتوقف منذ السبعينات إلى أن وصلت الآن إلى "البيان السابع للمسرح الاحتفالي"، وبالنظر أيضا إلى الموقف الذي ما فتئ يردده عبد الكريم برشيد دائما وأبدا، وهو أن "الاحتفالية مشروع فكري وفني لم يكتمل بعد". إلا أن هذا لا يمنعنا من استخلاص بعض المبادئ الأساسية والثابتة التي تعكس ما نسميه هنا بـ"الحساسية الأنثربولوجية" وعلى رأسها المبدأ الأساسي الذي أقامت عليه الاحتفالية هويتها وهو مبدأ "الاحتفال".

فالاحتفال هو أصل المسرح، وهو التعبير عن "حقيقة الإنسان الأولية". إن هذا المنطلق الذي يتقاسمه برشيد مع من دعوا قبله إلى العودة إلى الاحتفال في التقليد الغربي منذ جان جاك روسو حتى آخر التيارات الطليعة الغربية، يترجم نزوعا نحو ترسيخ مختلف القيم الإنسانية التي يقوم عليها "الاحتفال"، وعلى رأسها: الحس الجماعي والتواصل المباشر؛ وهما -كما نعلم- خاصيتان أساسيتان لما سماه الأنثربولوجيون بـ "المجتمعات الأصيلة".

يقول عبد الكريم برشيد موضحا أسس احتفاليته:

" إن المسرح احتفالي قبل كل شيء

وإن الاحتفال هو بالأساس لقاء

وإن اللقاء هو خروج الذات من عزلتها لتشكل الجماعة والمجتمع

وإن وجود الجماعة يفرض وجود حوار للتواصل والتفاهم

وإن لغة الحوار الاحتفالي هي لغة أكبر من لغة اللفظ. إنها لغة/لغات الجسد ككل"(18).

فعندما نتأمل هذا القول نلاحظ أن برشيد وفي للنزوع الإنساني المتحكم في الخطاب الأنثربولوجي الذي صدرت عنه بعض التجارب المسرحية الغربية حيث تصيح العودة إلى الاحتفال عودة إلى "اللغة الجماعية الأصلية التواصلية المباشرة بين الناس". لذا، فلا عجب أن نجد احتفاليته تبحث عما يسميه بيانها الرابع بـ "اللغة الفردوسية" وذلك حين يتساءل "كيف إذن نصل إلى اللغة البكر؟ إلى اللغة الوحشية التي تعبر عن الإحساس الوحشي؟"(19). ويكون الجواب هو: "فالاحتفالية تبحث عن لغة كلية وكونية تعبر بالملموس والمحسوس حتى تنطق المسرحية كما تنطق الطبيعة، من خلال الريح والسكون والعواصف والزوابع والرعد والضوء واللون والظلام. وبهذا يمكن أن نحرر اللغة من القوالب والمعلبات والأوثان اللفظية الشائعة وأن نعيد لها جوهرها وحقيقتها. فإعادة وصل اللغة بالحياة في تغيرها وتجددها وحيويتها ومدهشها ومرعبها معناه عودة المقدس إلى الوجود، أي ربط ما نقوله بما تقوله الحياة، وجعل اللغة الجزء تندغم في اللغة الكل وتنصهر فيها…"(20).

إن هذا القول ينطوي على مفارقة كبيرة. فأن تكون اللغة الفردوسية "لغة الطبيعية الوحشية" ولغة الحياة المتغيرة" في آن واحد هو الشيء الذي يصنع المفارقة. فالاحتفالية تندرج، من جهة، ضمن التقليد الأنثربولوجي الذي يحاول رد المسرح إلى أصله الاحتفالي، وهو تقليد يحاول استعادة ما يسميه مرسيا إلياد "أسطورة الجنة المفقودة" التي يعتبرها أسطورة منتشرة في أنحاء العالم تعود إرهاصاتها الأولى إلى التقاليد البدائية. إن الاحتفالية، إذن، بمحاولتها استعادة النعيم الأصلي عبر اللغة الوحشية، إنما تقوم بنفس "ما يبذله الشامان Chaman من جهد معتمدا في ذلك تقنيات خاصة بهدف نسخ الوضعية البشرية الحالية -وضعية الإنسان الساقط- والعودة إلى وضعية الإنسان الأولي التي تتحدث لنا عنها الأساطير النعيمية"(21). من ثم، يمكن القول إن الاحتفالية بمثابة "شامانية جديدة" تترجم عودة الأسطوري في المسرح المغربي باعتباره مظهرا رئيسيا "للعودة إلى الأصول". لكن المفارقة هنا تكمن في رغبة الاحتفالية في تقمص نزعة تاريخية من خلال الإشارة إلى "الحياة المتغيرة" كأصل، وذلك كرد فعل على النقد العنيف الذي نعتها بالنظرية اللاتاريخية. فكيف يمكن الجمع بين "النموذج الأصلي" و"النموذج التاريخي"؟! الاحتفالية وحدها قادرة على الجواب.

وتتعمق أكثر مفارقة "العودة إلى الأصول" في المسرح الاحتفالي عندما تخرج الاحتفالية من النزوع الإنساني لتدخل البعد القومي والمحلي، وذلك من خلال التأكيد على عنصرين أساسيين هما:

هناك احتفاليات بقدر ما هناك شعوب وثقافات

الاحتفالية المغربية عربية وإنسانية

إن مسألة "الخصوصية" هنا تجعل الحساسية الأنثربولوجية للمسرح الاحتفالي في مأزق يتجاوز ما هو معرفي كما في المفارقة الأولى المتعلقة بمفهوم "الأصل" نفسه، ليصبح مأزقا إيديولوجيا يتعلق بعلاقة الأصل بالثقافة الخاصة للمسرحي. وإذا كانت الاتجاهات المسرحية الغربية ذات النزوع الأنثربولوجي قد تمكنت من فك هذه المعادلة عن طريق المصالحة بين كونية النظام الرمزي وخصوصية الثقافة(22)؛ فإن الاحتفالية التي واجهت وما تزال تواجه تهمة "اللاتاريخية" والغربة عن الواقع، لم تستطع أن تقنع بخطابها المغربي وحده ودفعها هاجس ترسيخ شرعيتها العربية وأصالتها المغربية إلى جعل خطابها حول "مسألة الأصول" خطابا يقوم على المفارقة.

 

 

هوامش

1 ـ انظر: Eugenio Braba/Nicola Savarese - Anatomie de l'acteur, un dictionnaire d'anthropologie théâtrale -

Bouffonneries contrastes 1986.

2 - Monique Borie - Antonin Artaud: Le théâtre et le retour aux sources (une approche anthropologique), Edit Gallimard 1989, p.11.

3 - Mircea Eliade - La nostalgie des origines- Edit Gallimard 1971, p. 81-82.

4 - Monique Borie, op.cit, p. 14.

5 - Henri gouhier - Antonin Artaud et l’Essence du Théâtre, Librairie philosophique J.VRIN 1974, p. 168.

6 - والترج. أونج - الشفاهية والكتابية - ترجمة د. حسن البنا عز الدين - مراجعة د.محمد عصفور - عالم المعرفة، عدد 182، فبراير 1994، ص 151.

7 - Monique Borie, op.cit, p.16.

8 - إنيس اليفرتي -الكوميديا المرتجلة وحدود الحداثة (في) حسن المنيعي- المسرح والارتجال -عيون المقالات- الدار البيضاء 1992، ص 6.

9 - Monique Borie - Mythe et Théâtre Aujourd’hui: une quête impossible? Librairie a.G. Nizet 1981, p.120.

10 - Ibid, p. 137.

11 - Alfred Simon - les signes et les songes: essai sur le théâtre et la fête - Edit du Seuil 1967, p. 107.

12 - Henri Gouhier, op.cit, p. 169.

13 - حوار مع عبد الله حمودي أنجزه حسن نجمي ولحسن العبسي - جريدة "الاتحاد الاشتراكي" 23 نونبر 1997، ص 4.

14 - نفسه، ص 4.

15 - محمد أسليم - حول مفهوم الأشكال "ما قبل المسرحية": نحو إثنولوجيا للمسرح المغربي -دراسة مرقونة، ص 3.

16 - عبد الكريم برشيد - الاحتفالية، مواقف ومواقف مضادة - دار تينمل للطباعة والنشر، مراكش 1993، ص 34-35.

17 - نفسه، ص 22.

18 - نفسه، ص 123

19 - عبد الكريم برشيد - المسرح الاحتفالي - الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان 1989-1990، ص 186.

20 - نفسه، ص 187-188.

21 - Mircea Eliade - Mythes, rêves et mystères - Edit Gallimard 1958, p. p80.

22 - Monique Borie - Antonin Artand: Le Théâtre et le retour aux sources, p. 22.