ص1      الفهرس    المحور 

 

 

تهافت التهافت(*)

انتصار للفلسفة ولأخلاق الحوار

كمال عبد اللطيف

يواصل الأستاذ الجابري بكثير من الجهد والتفاني إعادة نشر مجموعة من الأعمال الفلسفية لابن رشد، محققة ومصححة ومبوبة بصورة جديدة، وذلك بمساعدة فريق من الباحثين الذين ينجزون عملهم تحت إشرافه المباشر، وبدعم من مركز دراسات الوحدة العربية، الذي دشن بهذه الأعمال تقديم سلسلة جديدة من منشوراته بعنوان سلسلة التراث الفلسفي العربي.

يندرج هذا العمل في إطار الاحتفاء بمرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد، كما يندرج في أفق المساهمة في قراءة التراث الفلسفي الإسلامي ضمن منظور جديد يفكر في التراث ضمن إشكالية النهضة العربية ومشروع النهوض العربي المأمول.

وقد أتاح لنا صدور كتابي "فصل المقال" و"مناهج الأدلة" مناسبة لمعاينة نوعية هذه الإصدارات الجديدة، التي لا تعمل فقط على مجرد إعادة نشر التراث الرشدي بل تتجه لتقديمه وتفكيك بنياته النظرية والمفهومية بصورة جديدة، وضمن إطار إشكالي متجاوب مع أسئلة الحاضر، وهي الأسئلة التي تستعيد المرجعيات التراثية بالصورة التي تجعلها فاعلة في المعارك الايديولوجية والسياسية والفلسفية الجارية في الواقع العربي.

فقد كشفت مقدمات وشروح وتعليقات المشرف على المشروع، والمساعدين له في التحقيق والمقارنة بين نسخ النصوص المعادة النشر، أننا أمام جهد في التحيين والمساءلة، بل أمام محاولة لقراءة هذه المتون الفكرية التراثية في ضوء ما راكمته من معطيات، وما تراكم بجانبها من تحليلات بعد صدورها، من أجل فهم أكثر تاريخية وأكثر عصرية لهذه النصوص.

إذا كان برنامج إعادة النشر المزمع إتمامه قد تضمن أربعة مصنفات هامة من التراث الرشدي إضافة إلى كتاب سيخصصه المشرف على البرنامج لتتويج هذه المرحلة من إعادة النشر والتحقيق والتقديم يعنى بسيرة ومشروع ابن رشد الفكري. وذلك في آجال تنتهي بنهاية سنة 98، سنة الذكرى والاحتفاء، فقد صدر في شهر غشت الكتاب الثالث كتاب تهافت التهافت الذي سنعمل على تقديم إشارات عامة حول محتواه، على أن نعود إلى تقديم الكتاب الرابع الذي صدر خلال شهر سبتمبر في موضوع شروح ابن رشد لجمهورية أفلاطون وتمت عنونته الضروري في السياسة.

وإذا كان المهتمون بالفلسفة وتاريخها يعرفون أهمية كتاب تهافت التهافت في تاريخ النظر الفلسفي الإسلامي، فإن الجهود التي بذل الأستاذ محمد عابد الجابري في إعادة نشر هذا المصنف وبالصورة التي صدر بها تجعله نصا في متناول فئات أخرى من القراء، حيث عملت المقدمات والشروح التحليلية التي بلغت ما يقرب من 100 صفحة، إضافة إلى الهوامش المطولة في سياق المتن على تقريب محتوى النص بلغة معينة بالهاجس البيداغوجي الساعي إلى تقريب معاني النص من أكبر قدر ممكن من القراء والمهتمين بالفكر الفلسفي في تاريخ الإسلام.

وعندما نعرف أن موضوعات الكتاب تتعلق بالميتافيزيقا الأرسطية وتوابعها النظرية كما بلورتها في مجال التراث الإسلامي، كما تتعلق بعلم الكلام وإشكالاته التقليدية، وذلك في سياق السجالات التي بلورتها المذاهب الفكرية المتصارعة في التاريخ الإسلامي، ندرك حدوده ومحدوديته النظرية العامة في الوقت نفسه، إلا أن طريقة المشرف على برنامج إعادة النشر والتقديم حاولت التفكير في النص وفي أسئلته وقضاياه من زاوية محددة، حيث يتمكن القارئ بواسطة هذه الطريقة من معاينة الجهود الفلسفية الرشدية في تعزيز درس الفلسفة في الفكر الإسلامي.

ومنذ العنوان الفرعي الذي وضعه مقدم الكتاب لنص تهافت التهافت، مشيرا إلى أن الكتاب يعد "انتصارا للروح العلمية وتأسيسا لأخلاقيات الحوار" نتبين طبيعة الخلفية الموجهة لفهمه لروح ومحتوى النص. ففي المدخل والمقدمة التحليلية للكتاب نلاحظ مع المشرف على المشروع أن نقد ابن رشد للغزالي ولكتابه تهافت الفلاسفة كان يتوخى أولا وقبل كل شيء الانتصار النزيه للمعرفة الفلسفية دون مغالطة ولا سفسطة ولا تشويش، أي دون خلفيات لا علاقة لها بالمعرفة الفلسفية كما تبلورت في فلسفة الأقدمين، وفي فلسفة المعلم الأول بالذات. وفي هذا الإطار ساهمت طريقة ابن رشد في كشف تهافت الغزالي بأساليب في الحوار اعتمدت أخلاقا مختلفة تماما عن أسلوبه الذي يستند إلى كثير من الكلام المختلف حسب تعبير ابن رشد.

لقد كان ابن رشد وهو يواجه نص الغزالي يقوم بتوضيح طبيعة المشكلة موضوع النقاش والنقد، ثم يعمل على وضعها في سياقها النظري بإسنادها لأصحابها أو إرجاعها لسياقها العام، ليقوم بعد ذلك بالرد، حيث تكون القضايا موضوع السجال قد أصبحت مرتبة في إطار من النظر الفلسفي الواضح، ثم تبدأ عمليات الدحض والبرهنة والإثبات بالصورة التي تكشف حقا مقترح ابن رشد الرامي إلى النظر إلى كتاب تهافت الفلاسفة باعتباره مجرد كتاب في التهافت، تهافت الغزالي وتناقض خطابه.

وفي الحفريات التي أنجز مقدم الكتاب في مدخله العام نلاحظ كذلك إلحاحه على نقد بعض الأحكام المتوارثة في موضوع كتاب: تهافت الفلاسفة. فقد وضح أن الصراع المذهبي في تاريخ الإسلام في زمن الغزالي يعتبر السبب الداعي إلى التشهر بالفلاسفة وإبراز تهافتهم، فالأمر لا يتعلق في نظره بموقف الفلاسفة من الدين بل مواقف بعض الفلاسفة من اختيارات عقائدية وسياسية محددة.

وبناء عليه فإنه لا يمكننا أن نقبل بناء على أحكام عامة موروثة ومتداولة وبدون نقد ولا تمحيص أن نص التهافت الذي كتب الغزالي شكل الضربة القاضية على الفلسفة في تاريخ الفكر الإسلامي، وأكبر دليل على ما نقول هو نص تهافت التهافت وهو نص يضعه مقدم الكتاب في مرتبة حلقة من حلقات نقد العقل العربي، كما تبلورت في مختلف مصنفات الخطاب الرشدي وفي كتاب تهافت التهافت بالدرجة الأولى.

تتجلى مآثر ومنجزات هذه الحلقة في المعطيات الآتية:

1 ـ لقد قرأ ابن رشد الغزالي بغرض تبيان مراتب الأقاويل المشتبه فيها في مستوى التصديق والإقناع، وذلك من أجل إبراز قصورها عن مرتبة اليقين والبرهان، وكان مرجعه في هذه العملية المعلم الأول.

2 ـ تعامل ابن رشد في نصه مع أطراف متعددة، مع الغزالي وهو المساجل العنيد، ومع ابن سينا صاحب التوظيف المزدوج لارسطو (صوفي وشيعي)، كما استند إلى أرسطو وإلى مقدمات العقيدة الإسلامية.

3 ـ في مختلف أشكال التعامل مع المعطيات المذكورة كانت الخلفية النظرية الكبرى تتمثل في فصله بين الدين والفلسفة.

4 ـ يعكس موقفه من نص التهافت المنتقد موقفه من الأقاويل الجدالية والأقاويل السفسطانية، حيث انتصر في سياق البرهنة والإثبات لروح ومنطق الأقاويل البرهانية، معتمدما الوازع الأخلاقي والنزاهة في المعرفة، ومنتصرا حسب تعبير مقدم الكتاب لأخلاقيات الحوار والروح العلمية.

ومن خلال المعطيات التي ذكرنا اتجه صاحب تهافت التهافت لنسف نص الغزالي باعتباره مجرد نص متهافت لا ترقى معطياته إلى مرتبة اليقين.

يباشر النص وبروح سجالية قوية الرد على الغزالي في عشرين مسألة، 16 منها في الإلهيات و4 في الطبيعيات، أما المسائل المرتبطة بالإلهيات فأغلبها كلامي وهي تدور حول الموضوعات الكبرى الآتية:

قِدَم العالم وحدوثه -ذات الله وصفاته- نفي الشريك عنه.

أما مسائل الطبيعيات الأربع فهي:

-السببية- جوهرية النفس واستقلالها عن الحق -خلود النفس- حشر الأجساد.

وقد اعتبر مقدم الكتاب أن المعطيات التي ما تزال تتمتع بالحياة في نص تهافت التهافت تتمثل في قضيتين كبيرتين هما:

1 ـ مسألة رؤية العالم: الله وعلاقة الطبيعة والإنسان به، وهي قضية كلامية وفلسفية في الوقت نفسه، وقد وقف فيها ابن رشد مدافعا على طريقة أرسطو في النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان.

2 ـ قواعد الحوار وأخلاقياته، كما بلورها النص، وقد حددها المقدم والمشرف على إصدار الكتاب في أربعة مبادئ رئيسية:

1 ـ الاعتراف بحق الاختلاف وبالحق في الخطأ.

2 ـ ضرورة فهم الرأي الآخر في إطاره المرجعي الخاص به.

3 ـ التعامل مع الخصم من منطلق التفهم والتزام الموضوعية.

4 ـ الاعتقاد في نسبية الحقيقة العلمية وفي إمكانية التقدم.

تلك هي العناصر التي ما تزال حية في نص ابن رشد، والمعطيات التحليلية السجالية الأخرى الواردة فيه تنتمي بلغتها ومحتواها ومفاهيمها إلى البنيات العتيقة في التراث الإسلامي، وهي محكومة في جوهرها بنظرة الفكر الإسلامي للعالم حيث تتداخل معطيات العقيدة مع مستويات تطور المعرفة والعلم في عصورنا الوسطى، أما العناصر التي اعتبرها مقدم النص حية فإنها المفاتيح التي تسهل إمكانية انفتاح فلسفة ابن رشد على الأزمنة التي تلتها، حيث تشكل مباديء الحوار التي صاغ الباحث قواعد مؤسسة للفكر الفلسفي الحديث، بل لعلها قواعد عامة لمشروع الحداثة كما تبلور في الفكر الحديث والمعاصر.

ورغم أن مقدم الكتاب يبني أحكامه الاستنتاجية على معاينته المباشرة للأثر الرشدي، وانطلاقا من قراءة تعمل على ترميم ثغراته وتحوير مفرداتها بالصورة التي تجعلها مطابقة لما يعتبره عبارة رشدية ومفردات ومفاهيم بل ولغة رشدية، إلا أن قراءات أخرى للتهافت ولنصوص ابن رشد الأخرى ترسم لها حدودا تقف عندها ولا تتعداها، وذلك بحكم انتمائها التاريخي والنظري إلى منظومة في القول محكومة قبل ذلك وبعده بمقدمات عامة ومرجعيات مضبوطة من بين عناصرها الأساسية: قراءة معينة لأرسطو، وتعقل محدد للعقيدة الإسلامية، وتصور مرسوم سلفا للخاصة والعامة والجمهور، وهو الأمر الذي يعني أن الخلاصات المركزية التي يدافع عنها مقدم النص تدعو إلى النقاش، بل تدعو إلى إنشاء مقاربات متعددة من أجل مزيد من إشاءة النص، وإبراز مفعولاته في تاريخ الفلسفة، وكذا محاولة توضيح نوعيات العلاقة التي يمكن أن يقيمها معه الفكر العربي المعاصر، في إطار معالجته لإشكالية الموقف من التراث، وهي الإشكالية التي ترتبط في المجال الثقافي العربي بالمعاصر بإشكاليات في السياسة والايديولوجيا، إشكاليات تفتح المجال واسعا أمام الأخذ والرد، فعسى أن تكون أطروحات الجابري التي تبلورت بصورة أكبر وأبرز في مشروعه الرشدي -الذي ننتظر استوائه النظري المتكامل في المصنف الذي خصصه الباحث لسيرة وفكر ابن رشد- مناسبة لمزيد من تعميق النظر في أطروحته المركزية المتعلقة بنقد العقل العربي، بما يطورها ويمنحها الحجية النظرية والتاريخية التي تروم بلوغها.