ص1      الفهرس    المحور 

 

المقومات الذهنية التامة في عملية الترجمة(*)

 

عبد الله الحميدان

ترجمة: الحسين الحافر

على الرغم من أن الاختلافات بين الأنساق المفهومية مسألة مألوفة إلى حد ما في اللغات، فإنها، مع ذلك، تشكل تحديا للمترجم. فضلا عن أن تباينات رؤى العالم تشكل، بسبب اختلافها الذي يصل إلى درجة الحيرة والجدال، تحديا إضافيا، لكن، ما يعوق عملية الترجمة أكثر، هو أن إدراك المترجم لمحيطه، غالبا ما تغيره المقولات المفاهيمية التي تنتجها كل من اللغة -المصدر واللغة- الهدف. بيد أن محاولة التوفيق بين الاختلافات المتعلقة بأولوية مشاكل دون أخرى في الترجمة، تبدو مهمة صعبة بالنظر لوجود فوارق في الفلسفات الأساسية، وفوارق أخرى في الإجراءات المنهجية. وبغية إبراز الخطوات التي نرمي من خلالها، في هذا العرض، إلى توضيح بعض المعضلات الرئيسية المرتبطة بعملية الترجمة ينبغي تحديد مفهومنا لـ"الترجمة" بصفة عامة.

ليست الترجمة وهما، كما تزعم مؤلفات عديدة (براور، 1959) بقدر ما هي أولا وقبل كل شيء مبحث تواصلي يسعى إلى تحقيق نفس المفعول الموجود في اللغة -المصدر على المتلقي في اللغة- الهدف. وتعد كفاءات المترجم ومهاراته التقنية والمعرفية عوامل ذهنية أساسية قد تيسر، أو تزيد في تعقيد، "خفيات الترجمة". وتستمد مسألة المهارة المعرفية للمترجم أهميتها من كون الجزء الأعظم من اللغة التي نتواصل بها يركز على ما هو ذاتي (بوركو، 1967). ولهذا السبب، وقبل تحليل أي لغة مكتوبة، ينبغي تحليل الخصائص الدلالية الضمنية. ومن ثم، فإن استعمال المترجم لمعجم ما، أو لما يماثله في اللغة-المصدر، يكون في غالب الأحيان قائما على تقدير نسبي وحدسي للتحليل المعرفي للعلاقة الموجودة بين مفهومين، أحدهما مشتق من اللغة-المصدر، والثاني من اللغة-الهدف _ديك، 1968). إن فهم الخصائص الدلالية للكلمات، يجعل هذا النوع من النشاط الذهني حيويا ومتطورا في الآن نفسه، وعندما يقوم المترجم، في النهاية، بإنتاج ترجمته (في اللغة-الهدف)، فإنه يكون قد أنتج شكلا معادلا لواقع اللغة-المصدر لا شكلا مطابقا لهذا الواقع (دييس، 1962). ولهذا السبب فإن هذه الدراسة ترفض الفرضية القائلة إن الترجمة عملية علمية مطلقة (نايدا، 1964).

إن ما يجعل من الترجمة مسألة شائكة، هو كون الدلالات الإيحائية للمعجم غالبا ما تتغير تبعا للعوامل المؤثرة التي تتكيف معها (فانت، 1968). ولم يستطع، لحد الآن، أي علم أن يقوم بحد أو بالأحرى، بتحديد حمولة هذا التغير. ومن الناحية الافتراضية، تدل المناهج الإجرائية، في عملية الترجمة، على أنه بإمكان المترجم القيام بتقسيم الصعوبات اللغوية للغة-المصدر إلى عناصر ممثلة بطريقة ذهنية (فلاناجن، 1965). ثم إن تيار الوعي، المشتق من المكونات اللسانية، يتم تجزيئه إلى وحدات فكرية. وهذه الأخيرة تتم ترجمتها إلى اللغة-الهدف بصورة قابلة للتطبيق في الإطار اللساني للغة الأصلية للمتلقي (بروار، 1959). وهذا الإجراء الافتراضي يؤكد الاعتقاد الذي مفاده أن المترجمين هم بمثابة بنيويين في مقاربتهم. وسيتم الحديث بشكل مفصل عن الفرق بين "البنية والبناء" في الوقت المناسب. ويمكن الاستدلال، تبعا لتحليل فودور، على أنه باستطاعة المترجمين إقامة علائق بين القيم الدلائلية الموجودة في اللغة-الهدف، ومن أجل ذلك، يستعمل المترجم العمليات المنطقية المبنية على معرفة موثوق بها للقدرة الدلالية وللإنجاز، سواء في اللغة-المصدر أو في اللغة-الهدف (ويلز، 1982). ومثل هذه العمليات المنطقية تتطلب من المترجم مقومات ذهنية داخلية تجعله كذلك قادرا على التوفيق بين الاختلافات سواء اللغوية منها أو الدلالية في اللغتين معا (فودور، 1967). وقد تنبثق عن هذا نتيجة ترجمية، بعدما يكون قد تم تحويل خصائص لغة معينة إلى سمات دلالية، وبالتالي تؤول تلقائيا من طرف متلقي اللغة- الهدف (إرفيت، 1967).

وتكون فلسفة الاحتمالات حاضرة بقوة في العملية الذهنية المتصلة بالترجمة، وذلك لأن المترجم يجد، بالكاد، العناصر المتطابقة في اللغة-المصدر (ومسلي، 1970). وهكذا يكون مجبرا، باستمرار، على انتقاء واحد من بين عدة تأويلات ومعادلات ممكنة. ويمكن كذلك الاستدلال على أن عملية الترجمة لا تتحقق إلا بواسطة الفكر (بار-هيلل، 1954).

وهذه الوساطة الذهنية، تجعل المترجم قادرا على عرض الأفكار المتضمنة في اللغة-المصدر لا المعنى اللغوي المطابق لهذه اللغة بيرويش، 1969). غير أن ما نحن بصدده، لا يرتبط، البتة، بمسألة هل الترجمة ممكنة أم لا؟ يقدر ما يتصل بنوع الصعوبات التي يصادفها المترجم على مستوى الوساطة الذهنية؟ فكيف يعبر المترجمون المحترفون، في اللغة-الهدف، عن فكرة في اللغة-المصدر بصيغة أخرى؟. ويستدل (جونسن وليرد، 1970) على أن لا أحد يعلم علم اليقين الكيفية التي يتم بها تمثل المعنى في الذاكرة، لكننا نعتمد على أن العناصر التي يتشكل منها المعنى، هي ذات طبيعة لغوية. ويتم توظيف هذه العناصر في السيرورة المعرفية التي سبقت الإشارة إليها. ومن تم، يمكن القول إننا في الممارسة الترجمية لا نحتاج إلى معرفة الكيفية التي يتم بها تمثل المعنى، بل نحتاج، بكل تأكيد، إلى معرفة الكيفية التي يتشكل بها المعنى خارج العوامل اللغوية.

وتعتبر طبيعة النشاط للمترجم، من الناحية الأثالية Etymogically، شبيهة إلى حد كبير بمشكال Kaleidoscopie للأنشطة الذهنية. وإن الأمر لكذلك، في حدود أن لفظة "مترجم" لا تستطيع أن تمثل، كلية، جميع القدرات المنطقية والفكرية التي يعتمدها هذا الشخص في سيرورة إنتاج لغة-هدف.وبناء على ذلك، يمكن أن نقترح استبدال لفظة "مترجم": "المدرك"، "المولد"، "الباني"، "المركب"، "واضع المفاهيم" أو ربما "المستوعب". ويبقى، مع ذلك، أن هوية المترجم بكاملها أكبر من مجموع أجزائها كاملة. وكون "الترجمة" عملية ذهنية، فهذا رأي لا يمكن دحضه، وهذه العملية تختلف عن أي فعل تأويلي آخر. أن "تترجم"، معناه أن تعبر في لغة أخرى عن مصطلحات أو رموز لغة معينة. ومع ذلك، فلفظة "الترجمة" غير مقتصرة على فعل الإنتاج في اللغة-الهدف. فعندما نطلب من شخص ما أن "يترجم حماسه إلى أفعال ملموسة"، فإننا نكون قد طلبنا منه أن يترجم وسيلة أو وضعا ما إلى آخر. وبالمقابل، فـ"الترجمة"، في المجال الكنسي، تعني تحويل رفات قديس من مكان لآخر، أي نقل شخص إلى السماء دون تعريضه للموت. وبالمثل، عندما نترجم، فإننا ننقل المعنى من اللغة-المصدر دون أن نخضعه لأي شكل من أشكال التشويه، ففي عملية الترجمة، لا نعبر في اللغة-الهدف بكيفية إيحائية (بيفيرتش، 1961). ومن جهة أخرى، فالتأويل فعل تأويلي للمعنى المسند للقول أو للفعل. ومن تم فهو فعل يتصل بالتدلال أكثر مما يرتبط بالترجمة. وبهذا المعنى، فالتأويل يسعى إلى التعبير عن المأساة المتمثلة في محاولة إبراز فكرة المعنى، بينما يتم إبعاد الانطباع الذاتي للمترجم بصفة أساسية.

فالمحاولات التأويلية ينبغي تجنبها لكون عمل المترجم يقوم على نقل المعنى المقصود دون اجتهاد فكري كبير. فقراءته الشخصية قد تؤثر على ترجمته (واط، 1970). وللكشف عن بعض الخصائص الفكرية للمترجم، نحتاج كذلك إلى التميز بين "كفاءاته ومهارته" أثناء إنجازه لعمله. والمقصود بالكفاءة، تلك الخصائص اللغوية المتصلة بتجربته، والتي يوظفها في عملية الترجمة، والقابلة مع ذلك للتطوير. أما لفظة "مهارة"، فإنها توظف للإحالة على استعداد المترجم أو قدرته على الإنجاز. فالمهارة تحيل على أهليته وتمكنه ومواهبه الفكرية وحنكته كالذكاء والفطنة. ولكي يستفيد المترجم مما سبق، عليه أن يعتمد على بعض الإجراءات الذهنية:

أولا: ينبغي أن يشتغل على الصعيد المفهومي، ذلك أن المفهمة conceptualization تعني أن المترجم ينكب على قراءة اللغة-المصدر، ويفكر فيها في شكل مفاهيم. وعملية المفهمة هذه، تجعله قادرا على أن يدرك أن الأفكار في النص-المصدر توجد كما هي ممثلة في شكل رموز لغوية في اللغة-الهدف (وومسلي، 1970) وعلاوة على ذلك، فالخصائص الدلالية التي تربط الكلمات في اللغة-المصدر، تجعله قادرا على بناء المفاهيم، وعلى إعطائها وجودا واقعيا في ترجمته. لا مناص له، إذن، لنقل مفهوم متضمن في لغة-مصدر ما، من وضع الخصائص الدلالية لهذه اللغة في شكل مفاهيم. وذلك لأن مادة الترجمة تتمثل في المفاهيم وفي وجودها في ذهنه، لا في الرموز اللغوية كما تمت بنينتها في اللغة-المصدر (سفيشر، 1981).

وهذا هو السبب الذي جعلنا لم نستعمل مصطلح "فهم" لكونه لا يكفي لنقل الدلالة التي يشير إليها فعل "يفهم". فعملية الفهم تعني إدراك المعنى وحصره والإمساك به والتقاطه. ولكي يفهم شخص معين لغة نص-مصدر، فهو في حاجة إلى أن يكون مستأنسا بها كثيرا. بيد أن المترجم يحتاج إلى مفهمتها كما سبق حتى يتمكن من إنتاج ترجمة جيدة. وبما أن القارئ العادي للغة-المصدر ليس مفروضا فيه أن يترجمها، فإنه ليس محتاجا إلى تحويل الأفكار المتضمنة في هذه اللغة إلى مفاهيم. وتقتصر مهمة هذا القارئ على فهم الطابع اللغوي للغة-المصدر. إنه لا يقرأ إلا من أجل معرفة الرموز أو الكلمات المستعملة في هذه اللغة. فكل فرد يستطيع فهم عبارة معينة، ليس مجبرا على صوغ مفهوم لها، اللهم إلا إذا طلب منه أن يترجمها إلى لغة أجنبية.

وعندما يقوم فرد آخر، غير المترجم، بفهم شيء ما فإنه يدرك معناها بكيفية خاصة جدا. مثلا عندما يقول المرء: (I understand my neighbor is vacationing) فإن المستمع قد يعتبرها حقيقة، وبالتالي لن يكون هناك داع لمفهمتها. إن الترجمة، باعتبارها فعلا فكريا، تهتم بالمعرفة الكاملة للاختلافات اللغوية والدلالية بين لغتين مختلفتين (ريتشاردز، 1953)، ومن ثم، فالترجمة تقتضي أكثر من مجرد فهم اللغة-المصدر. أن يفهم المرء معناه أن تكون له معلومات ومعارف حول الشيء (…). وتستلزم مسألة المفهمة التفكير الواعي في الطريقة التي تنتظم بها الكلمات في اللغة المصدر، فالمترجم، الذي يتق إلى ترجمة جيدة، عليه أن يعرف كيف تؤثر الكلمات المجاورة في الكلمات الأخرى، داخل نفس البنية التركيبية وكيف تغير من معانيها (كواين، 1966).

وفي الترجمة الشفهية، يكون المترجم بصدد الإفصاح عن جملة ما لتفسير المعنى المقصود، وبالتالي لتفادي أي لبس ممكن. فهو يفصح بغية التوضيح. وأحيانا، قد يقوم المترجم، حسب مستوى تعقيد اللغة-المصدر، بتحليل التركيب النحوي للجملة (نيومارك، 1979). ويمكن اعتبار المترجم "مفصحا" ما دامت هذه الطريقة تعتبر جزءا من أنشطته الفكرية. وتتطلب العمليات الذهنية في الترجمة، أن يكون المترجم متمعنا، وهذا يعني أنه ينبغي أن يفكر بعمق، أن يصبح وسيطا، وأن يمعن النظر مليا في لغة المصدر قبل الإقدام على تحرير ترجمته. ولهذا فإن مصطلحي "متمعن" و"وسيط" بمثابة بديلين لكلمة "مترجم"، فالمترجمون ينجزون عملهم بكيفية تمعنية.

ويعتبر التفسير سمة أخرى للعملية الذهنية التي يقوم بها المترجم. إن التفسير عبارة عن شرح نقدي أو تأويلي يسبق إنتاج نص-هدف. ورغم أنه ليس ضروريا في شموليته، فإنه يمكن الاعتماد عليه كأداة لإتقان الترجمة. وإذا كانت بعض اللغات-المصدر تفسيرية في طبيعيتها، فإن لغات أخرى لا تحتاج إلى شرح. ولا يعد المترجم مفسرا إلا إذا اشتغل على لغة-مصدر تفسيرية (ليمان، 1971).

وبدهي أن المترجمين هم أهل معرفة. وهم بالفعل كذلك إذ أنه على المترجم، لكي يصل إلى المعرفة، أن يتعرف على كل شيء أو يعترف بكل شيء له صلة مباشرة بطبيعة ومحتوى وهدف لغة-مصدر معينة. وعندما لا تكون هذه اللغة قابلة للمعرفة من طرف المترجم، فإن الإنتاج المتوخى سيكون مستحيلا. فينبغي أولا، أن يتم فهم اللغة-المصدر وإدراكها. ينبغي أن تكون هذه اللغة داخلة في المجال السنني والدلالي لقدرة المترجم. وإذا لم تكن اللغة المصدر معرفية، فإنه يعجز عن تحديد أسباب الفشل أو أسباب النجاح. وبعد أن يكون قد توفر على معرفة باللغة-المصدر، آنذاك فقط يمكن له أن يتعامل معها باعتبارها موضوعا للفكر (هولمز، 1970).

وبما أنه أسلفنا القول، في مستهل هذا البحث، إن الترجمة ليست عملية علمية خالصة، فإن للحواس الإنسانية دورا كبيرا في إنتاج اللغة-الهدف. وإذا كنا نومن إيمانا بأنه ما كل شيء نفهمه قد تمت مفهمته بفضل تراكم تعلمنا وتجربتنا وتربيتنا، فإنه ينبغي، إذن، أن نترك هامشا للاعتقاد بكوننا نحصل على المعرفة اعتمادا على قوة حواسنا. ومما يعضد هذا الأمر حاجة المترجم للاعتماد على شيء آخر يتعدى المعنى السطحي للغة-المصدر. ويمكن أن نطلق على المترجمين، في ضوء هذا التصور اسم "المدركين". وهم بالفعل كذلك، لأن الإدراك هو الحصول على المعرفة، وعلى معلومات أخرى عن طريق الحواس. ويحتاج المترجمون، في تعاملهم مع تعقيدات اللغة المختلفة، ومع خفياتها الدلالية، إلى سيرورة الإدراك العقلي. ينبغي للمترجم أن يمتلك طبيعيا القدرة على التمييز. ولأنه يتوفر على موهبة الإحساس الفريد بالتنوعات اللغوية وبألغازها، فإنه بالإمكان اعتباره، بحق، "مدركا بالإحساس". بيد أن السؤال المطروح هو: بأي معنى يختلف فعل "أدرك بالإحساس" عن فعل "أدرك بالعقل"؟ فعندما يتعقل المترجم معنى لغة-مصدر معينة، فإنه يمسك بهذا المعنى بواسطة العقل لا بالحواس ولكي يتعقل، فالمترجم يراوده ذهنيا شك ما إزاء اللغة، فيكون تصورا أو اعتقادا أو فكرة ما دون يقين نهائي. وعندما يتم هذا التعقل، يشعر بالحاجة إلى مراجعة ترجمته قبل نشرها، وذلك لأن تعقل المترجم هو إعمال العقل في تأمل الأفكار… إنها عملية هدم لغوي ودلالي لن تكون إلا عملية عقلية، يميل فيها المترجم إلى استحضار رد فعل المتلقي في اللغة-الهدف. وبإمكان هذا الموقف أن يساعده على القيام بالتعديلات الضرورية في اللغة-الهدف. ويقتضي ذلك الإجابة على التساؤل التالي: بأي معنى تجري عملية الاستيعاب لدى المترجم؟ ومدى أهمية الاستيعاب في فعل الترجمة؟ الاستيعاب فعل بواسطته يقوم المترجم بتحويل واستلهام مفاهيم مشتقة قصد جعلها أجزاء ضمن مواد لغوية يكون واعيا بها. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار الاستيعاب مسألة حاسمة في وضع المعادلات (سفيشر، 1981). وينبغي أن تصبح المفاهيم، التي اشتقها المترجم من اللغة المصدر جزءا من المادة اللغوية للغة-الهدف، وأي تفاعل بين المواد اللغوية المنتمية لخلفيتين لغويتين متباينتين، ينبغي القيام به منذ البدء. وفي غياب الاستيعاب المعرفي، سيكون هذا النوع من الدمج مسألة مستحيلة (بيفر، 1968)، وأمام غياب هذا النوع من التهجين المفاهيمي، لن يتم إنجاز ترجمة جيدة. ومن شأن الوعي بخيوط هذا "الاستيعاب" الذهني، أن يسهم في حل جزء كبير من مشاكل الترجمة، فضلا عن أن عدم القدرة على هذا الاستيعاب الذهني، قد يؤدي إلى لغة هدف ناقصة تماما وضعيفة المعنى.

ومن اللازم في ختام هذا البحث، أن نرسم ملامح حل يرتكز على مفهوم الاستيعاب، ويتمثل ذلك في:

1 - أن الهوة الفاصلة بين لغتين مختلفتين، وبغض النظر عن طبيعة تبايناتهما، يمكن ردمها أو تقليصها عبر إقامة طرائق أو وسائل يتمكن بواسطتها المتمرنون على فن الترجمة أن يصبحوا بمثابة "مستوعبين".

2 - ينبغي إخضاع هؤلاء المتمرنين لأكبر عدد ممكن من التمرينات النظرية والعملية، وجعلهم قادرين على التخاطب، لأن التخاطب في فن الترجمة يعني استئناس المترجمين بالمعاني اللغوية المتضمنة في اللغتين معا. كما أن التخاطب يمكن أن يسهل ويعجل عملية الاستيعاب.

3 - ما دام المتمرنون على فن الترجمة ليس لديهم نظرية مخصوصة وجاهزة ومعتمدة، فالبديل إذن هو تمرينهم وتمريسهم كي يصبحوا متمكنين وقادرين على التمييز اللغوي. والتمييز اللغوي يعني التفريق والتوجيه والفصل وإدراك أو عدم إدراك وجه الاختلاف. وبالإمكان صقل حواس المتمرن لتصبح قادرة على التمييز، وذلك بالاشتغال على أكبر عدد من التمرينات، وبحثهم على القيام بمقارنة ومقابلة نسخ مترجمة لكنها تعتبر ناقصة، وجعلهم يستحضرون رد فعل المتلقي في اللغة-الهدف مقارنة بالمتلقي في اللغة-المصدر. ولا يستطيع المتمرنون التمييز ما لم يتم الزج بهم في تمارين كثيرة وذات طابع لغوي قابل للتمييز.

4 - ينبغي تلقين المتمرنين كيفية إتقان فن "البناء"، ذلك لأن فهم جملة ما في اللغة المصدر، أثناء عملية الترجمة شيء، وبناء معناها المشتق بواسطة الرموز اللسانية للغة-الهدف شيء آخر. إن الاقتصار على فهم جملة ما في اللغة-المصدر، لا يضمن إيجاد بنية متماسكة ومبنية بناء جيدا في اللغة-الهدف. ورغم صحة كون المترجمين يحتاجون إلى مفهمة بنيات اللغة-المصدر، فإن الإخفاق في هذا المسعى، قد يؤدي، لا محالة، إلى ضعف في عملية البناء، بل وحتى في تمثل المعنى المشتق من اللغة-الهدف. من اللازم التنصيص على أن تكوين المتمرنين ينبغي أن يهتم بكيفية بناء خلاصة بعض الإدراكات الفكرية التي تم الحصول عليها، عبر الحواس أو العقل، بناء لغويا. ومن شأن هذا النوع من التكوين، الرفع من قدرة المتمرن على التفكير التجريدي، أي الرفع من قوة تفكيره المنطقي (ألفيرسن، 1969).

وختاما، إذا كانت الترجمة، في جوهرها، نشاطا ذهنيا، فإن ذلك يتطلب من المتمرنين عليها أن يملكوا نصيبا كبيرا من الفطنة اللغوية. يحتاج المترجم إلى معرفة الكيفية التي تتعالق بها الرموز اللغوية الموجودة وتنتظم وفقا لقواعد أهل اللغة-الهدف. ويبرز البناء اللغوي، القائم على اعتبارات فلسفية وسيكولوجية باعتباره حصيلة للإدراك الفكري وللتفكير في الأشياء والمعاني التي اشتقت عن طريق الحواس.

ويمكن جعل إتقان الترجمة أمرا ممكنا، إذا ما تم تشذيب التنوعات اللسانية لدى المرء. لكن ما هو ألزم، هو ضرورة تخفيف مدرسي الترجمة من اعتمادهم على ما يسمى "نظرية الترجمة"، والشروع في تلقين طلبتهم كيف يكونون قادرين، لغويا، على الاستيعاب والبناء وإبداع المفاهيم والإدراك والتفسير والمعرفة والقدرة على التخاطب إلى حد كبيرh

 

هامش:

(*) عبد الله الحميدان، مجلة التواصل اللساني، المجلة الرابع، العدد الثاني، سبتمبر 1992، ص ص 7-15.