ص1      الفهرس    المحور 

العرب والعولمة : ما العمل؟

 

محمد الأطرش

"دعنا نتخلص… من المبادئ الميتافيزيقية والعامة التي تستند إليها من وقت لآخر (سياسة) الحرية الاقتصادية. ليس صحيحا أن الأفراد يمتلكون "حرية طبيعية" في فعالياتهم الاقتصادية. لا يوجد "عقد" يمنح حقوقا دائمة للذين يملكون أو للذين يستحوذون. ليس العالم محكوما من الأعلى بحيث يوجد دائما انسجام بين المصلحة الفردية ومصلحة المجتمع. وليست إدارة العالم هنا في الأسفل تحقق عمليا هذا الانسجام. ليس استنتاجا صحيحا من مبادئ الاقتصاد أن المصلحة الشخصية المتنورة تصب دائما في خانة المصلحة العامة. كما أنه ليس صحيحا أن المصلحة الشخصية هي بعامة متنورة. فعندما يتصرف الأفراد بصورة مستقلة لكي يحققوا أهدافهم، فهم في أغلب الأحوال إما جاهلون جدا أو ضعفاء جدا ليحققوا حتى هذه. لا تظهر التجربة أن الأفراد عندما يشكلون وحدة اجتماعية هم دائما أقل بصيرة منهم عندما يتصرفون بصورة منفردة.. لذلك لا يمكن أن نقرر استنادا إلى أرضية تجريدية، بل يجب أن نقرر استنادا إلى المزايا التفصيلية.. ما يجب أن تأخذ الدولة على عاتقها توجيهه مسترشدة بحكمة المجتمع وما يجب أن تتركه وبأقل تدخل ممكن للجهد الفردي".

جون ماينرد كينز(1)

 

مقدمة:

الهدف الأول لهذه الدراسة هو المناقشة باختصار لظاهرة العولمة التي يجري كثيرا الحديث عنها. وهذا ضروري للإجابة عن السؤال: هل العولمة قدر كاسح لا مفر منه، وإنها تلغي لدرجة كبيرة السيادة الوطنية أو القومية، وأنه لا بديل عن قبول سياساتها ونتائجها في الحقول الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية. فإذا كان الأمر كذلك فلا معنى حينئذ من الإجابة عن السؤال: ما العمل؟ أم أن العولمة الحالية بالصيغة المذكورة أعلاه أمر مبالغ فيه جدا سواء من حيث درجة الشمول أو من حيث تأثيرها على السيادة القومية، وتاليا فإنه ما تزال أمام الدولة أو مجموعة من الدول مجالات كبيرة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وثقافية تعتبر مرغوبة. ومن الواضح أن الهدف الأول من هذه الدراسة ضروري كتمهيد لمناقشة هدفها الثاني، وهو: ما هي مجالات العمل المتاحة أمام الوطن العربي تجاه العولمة؟ وستركز هذه المقالة على الناحية الاقتصادية وبدرجة أقل على الناحية السياسية لما يسمى العولمة.

أولا : العولمة

يمكن تعريف العولمة بأنها تعني بشكل عام اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتقانة ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات(2)، وهذا المفهوم للعولمة يختلف عن مفهوم الاقتصاد الدولي. فهذا الأخير-كما يتضح من التسمية- يركز على علاقات اقتصادية بين دول ذات سيادة. وقد تكون هذه العلاقات منفتحة جدا في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، ولكن يبقى للدولة دور كبير في إدارتها وفي إدارة اقتصادها.

فبينما تشكل الدولة العنصر الأساسي في مفهوم الاقتصاد الدولي، تشكل الشركات الرأسمالية متخطية القوميات العنصر الأساسي في مفهوم العولمة. وهذه الشركات ضخمة بحيث إن قيمة المبيعات السنوية لإحداها تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لعدد من الدول متوسطة الحجم. ويرى البعض أنه نظرا لحجم استثماراتها المباشرة وغير المباشرة في الكثير من دول العالم، فإنها قادرة على الحد من سيادة هذه الدول. فإذا رغبت دول ما في اتباع سياسيات معينة تؤثر سلبيا على أرباح أحد فروع هذه الشركات، قامت الشركة الأم بإغلاق الفرع، و(نقلته) إلى مكان آخر. وهذا بحد ذاته يشكل رادعا للدولة المضيفة عن اتباع سياسة تجاه الشركة تعتبرها الأخيرة غير مناسبة، وتاليا يحد من سيادة الدولة. كما تقوم الشركات المالية عابرة القارات، كالمصارف، وبيوتات المال الأخرى، وشركات التأمين، وصناديق التقاعد مثلا والتي توجد بها استثمارات غير مباشرة أو توظيفات في العديد من البلدان، بدور الشرطي الذي يؤمن التزام الدول المضيفة لهذه الاستثمارات غير المباشرة بمعايير أداء معينة في سياساتها الاقتصادية كتلك المذكورة في الملاحظة الهامشية رقم(2).

فإذا لم تلتزم الدولة المضيفة بهذه المعايير نزحت الاستثمارات غير المباشرة والتوظيفات الأخرى، مما يؤدي إلى انخفاض أسعار عملات وأسعار أسهم وسندات الدولة المضيفة لهذه الاستثمارات وانخفاض احتياطات مصرفها المركزي من العملات الأجنبية وحدوث إفلاسات مالية عديدة فيها، مما يضطرها إلى الاستقراض من صندوق النقد الدولي. وهذا ما حدث في أزمة المكسيك في نهاية 1994 وأوائل 1995، وفي الأزمات المالية التي عانت منها بعض بلدان جنوب شرق آسيا منذ صيف 1997، كماليزيا، وأندونيسيا، وتايلاند، وتايوان، وكوريا الجنوبية. فالبديل عن دور الأسواق المالية كشرطي بالنسبة للدول المضيفة للاستثمارات غير المباشرة قيام صندوق النقد الدولي بهذا الدور، مما يؤدي إلى تزايد مديونيتها لهذا الأخير، وتاليا تخليها له عن جزء كبير من سيادتها.

إن ما هو قائم حاليا في الاقتصاد الرأسمالي العالمي يمثل مرحلة من مراحل تطوره، وقد يكون من الممكن تسمية هذه المرحلة بـ"العولمة" كما هي محددة أعلاه، أو اقتصادا دوليا أكثر تكاملا واندماجا وسأحاول الإجابة عن ذلك لاحقا.

من المعلوم أن النظام الرأسمالي المدفوع بحافز تعظيم الأرباح الخاصة يهدف إلى التوسع، وذلك عبر استثمار أرباحه وعبر استقراضه من أسواق الرساميل. فإذا لم يتوسع يتعرض للركود والكساد المتمثل في أزمات دورية. والأمثلة التاريخية على هذه الأزمات كثيرة ومعروفة. كما يؤدي التوسع-وكما ذكر كارل ماركس- إلى ظهور المنشآت الاقتصادية الكبرى عبر تركز وتمركز رأس المال. ومن أهم آليات تحقيق ذلك عمليات الدمج بين المنشآت الكبرى واستيلاء منشأة كبرى على منشأة أخرى. كما أنه في عملية توسع يراكم فوائض مالية لا تجد مجالات مربحة في استثمارات حقيقية تؤدي إلى زيادة الإنتاج والتجارة، بل تجد هذه الفوائض مجالاتها المربحة في المضاربة ضمن إطار الدولة الواحدة، كما أن هذه الفوائض تضغط لتأمين حرية انتقالها من دولة إلى أخرى عبر إزالة القيود على حركة الرساميل. ومن الواضح أن أهم سمة للنظام الرأسمالي العالمي الراهن هو ما يسمى بـ"العولمة" المالية.

وتقوم الدولة الرأسمالية المهيمنة أو الدول الرأسمالية المهيمنة في النظام الرأسمالي العالمي بالعمل على تأمين سلامة نظامها وتاليا توسعه، وذلك عبر تحقيق حرية التجارة الخارجية أو درجة كبيرة من هذه الحرية وحرية انتقال الرساميل.

فما بين عامي 1840 و 1914 فرضت بريطانيا الدولة المهيمنة في النظام الرأسمالي العالمي والأكثر تقدما آنذاك في حقل التنمية الصناعية حرية التجارة وحرية انتقال الرساميل على الأقطار التي استعمرتها وعلى دول وقعت تحت سيطرتها كالامبراطورية العثمانية. كما شنت مثلا حربا على الصين في عامي 1840 و 1842 لإجبارها على استيراد الأفيون. وقد طبقت نظاما نقديا دوليا يسهل ويمول حرية التجارة والاستثمارات وهو قاعدة صرف الاسترليني بالذهب. ولقد نجم عن ذلك كله توزيع في العمل الدولي لغير صالح بلدان العالم الثالث المتقدمة آنذاك والخاضعة للاستعمار، إذ تم القضاء على تنمية صناعية واعدة في الصين والهند والامبراطورية العثمانية.

وبعد الحرب العالمية الثانية عملت أمريكا (والتي لم تطبق حرية التجارة على نفسها بالدرجة ذاتها التي طبقتها بريطانيا ما بين عامي 1840 و 1914)على تطبيق درجة عالية من حرية التجارة المتعددة الأطراف وعلى إلغاء التكتلات التجارية والنقدية التي نشأت في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية (وأهمها نظام التفضيلات الامبريالية وكتلة الاسترلين). كما مارست دورا أساسيا في إقامة نظام نقدي رأسمالي دولي مستند إلى قاعدة صرف الدولار بالذهب تمثل في نظام بريتون وودز المتضمن إنشاء صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي.

ولكن أوروبا الغربية التي خرجت مدمرة من الحرب العالمية الثانية لم تطبق درجة عالية من حرية التجارة مع منطقة الدولار واستمرت في فرض قيود على المدفوعات الجارية بالدولار. كما مولت التجارة بين دولها ضمن إطار اتحاد المدفوعات الأوروبي. وفي أواخر عام 1958 بدأت أوروبا الغربية بإزالة القيود على المدفوعات الجارية بالدولار، وقبلت في أوائل الستينيات رسميا المادة الثامنة(3) من اتفاقية صندوق النقد الدولي. أما الغالبية العظمى لدول العالم الثالث، باستثناء بعض دول أمريكا اللاتينية، فاستمرت في تطبيق القيود على المدفوعات الجارية بالعملات القابلة للتحويل، واستمرت تلجأ إلى المادة الرابعة عشرة من اتفاقية صندوق النقد الدولي التي تسمح بأسعار الصرف المتعددة وتسمح بوضع قيود على المدفوعات الخارجية الجارية بالعملات القابلة للتحويل دون تحديد موعد زمني لإزالتها. وبطبيعة الحال لجأت هذه الدول إلى وسائل أخرى في حقل الحماية فيما يتعلق بالاستيراد.

نتيجة انتعاش الاقتصاد الأوروبي منذ نهاية الخمسينيات، ونتيجة إزالته القيود النقدية على المدفوعات الجارية بالدولار زادت التجارة الدولية بنسبة أكبر من زيادة الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهذا هو السبب الأساسي الذي يظهر أنه ما بين عامي 1950 و 1973 زاد حجم التجارة الدولية كنسبة وسطية سنوية بمقدار (4،9) بالمائة، بينما زاد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمقدار (3،5) بالمائة. وما بين عامي 1973 و 1984 تعرض العالم الرأسمالي المتقدم لمرحلة من الركود الاقتصادي، فانخفضت نسبة النمو الاقتصادي ونسبة نمو حجم التجارة الدولية، إذ بلغت النسبة الوسطية السنوية (1،2) بالمائة و(6،3) بالمائة على التوالي.

ولكن منذ منتصف الثمانينيات برزت ظاهرة جديدة في الاقتصاد الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي التزايد الكبير في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فخلال فترة عشرة الأعوام (1975 إلى 1985) زادت الصادرات الدولية بالأسعار الجارية وزاد تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة متقاربة بلغت خلال الفترة المذكورة بمجملها ما ينوف عن (200) بالمائة. ولكن منذ عام 1985 بدأت نسبة نمو الأخيرة تفوق بكثير نسبة نمو الصادرات. فما بين عام 1983 و 1990 زادت التجارة الدولية بنسبة وسطية سنوية قدرها (9)بالمائة، بينما زادت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة(34) بالمائة. كما زاد تدفق صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى البلدان النامية ما بين عامي 1991 و 1996 بنسبة سنوية وسطية مقدارها حوالي (50) بالمائة(4).

ومن أهم أسباب التزايد الكبير في الاستثمارات الأجنبية المباشرة ما يأتي:

-انتشار إزالة القيود على حركة الرساميل وإزالة الضوابط الأخرى المفروضة عليها في الدول الرأسمالية المتقدمة وفي عدد من الدول النامية في أمريكا اللاتينية وفي جنوب شرق آسيا.

-قيام عدد كبير من الدول النامية منذ أوائل الثمانينيات وقيام دول الكتلة الاشتراكية السابقة في الاتحاد السوفياتي وشرق أوروبا خلال ما انقضى من عقد التسعينيات بإزالة القيود النقدية على المدفوعات الخارجية الجارية، إذ بلغ عدد هذه الدول حتى نهاية عام 1996 حوالي تسعين دولة(5). فمثلا أزالت أكبر دولتين ناميتين، الصين والهند، هذه القيود (أي قبلت المادة الثامنة من اتفاقية صندوق النقد الدولي) بتاريخ 1 كانون الأول/ ديسمبر 1996، و30آب/ أغسطس 1994 على التوالي. فإزالة القيود المذكورة ساهمت في تحسين نسبة التجارة الدولية، وتاليا شجعت على نمو الاستثمارات المباشرة.

- تبني عدد من الدول الرأسمالية المتقدمة بدءا من أوائل الثمانينات لما يسمى الخصخصة. كما تبنى العديد من بلدان العالم الثالث والبلدان الاشتراكية سابقا في الاتحاد السوفيتي السابق وفي بلدان أوروبا الشرقية برامج في هذا المجال تحت ضغط الدول الرأسمالية المتقدمة، وبخاصة أمريكا والمؤسسات المالية الدولية التي تسيطر عليها، وأصبحت هذه الضغوط أكثر فعالية نتيجة انهيار الكتلة الاشتراكية المذكورة. وساهمت هذه العملية في فتح مجالات جديدة للاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر شرائها ما هو معروض للبيع من منشآت، وسنتعرض لاحقا للتساؤل عما إذا كان هذا النوع من الاستثمارات يشكل استثمارا حقيقيا حسب المفهوم الاقتصادي.

ولكن الظاهرة الأهم والأخطر بكثير من تزايد تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة هي تفاقم المضاربات المالية بالعملات القابلة للتحويل، وبالاستثمارات غير المباشرة، وبوسائل الدين الأخرى المقومة بعملات قابلة للتحويل. ولإعطاء فكرة عن ذلك يمكن أن نذكر حجم المتاجرة بالعملات القابلة للتحويل، إذ بلغ الحجم الوسطي اليومي عام 1986 (188) مليار دولار أمريكي، أو ما نسبته (4،7) بالمائة لقيمة الصادرات السنوية العالمية من سلع وخدمات في ذلك العام. ولقد ارتفع هذا الحجم اليومي إلى حوالي (1200) مليار دولار عام 1995، أو ما نسبته (2،19) بالمائة من قيمة الصادرات السنوية العالمية في ذلك العام الأخير(6). باختصار بلغ الحجم السنوي للمتاجرة بالعملات القابلة للتحويل عام 1995 حوالي(73) مرة حجم الصادرات الدولية من سلح وخدمات في ذاك العام.

ومما لا ريب فيه أن التقدم التقاني الكبير الذي شهده العالم في حقل الاتصالات ونقل المعلومات قد ساهم في تحقيق التزايد الهائل في المضاربات بالعملات القابلة للتحويل وفي الأسهم والسندات ووسائل الدين الأخرى المقومة بهذه العملات. ولكن هناك حقيقتين يتعين تأكيدهما: الأولى هي أنه ليس لهذا الحجم الهائل من لمضاربات إلا علاقة واهية جدا بعملية الإنتاج والتجارة على الصعيد العالمي. والثانية هي أنه لم يكن من الممكن لهذا الحجم الهائل من المضاربات أو المتاجرة غير المنتجة أن يتحقق لولا سماح الحكومات في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وفي بلدان نامية في أمريكا اللاتينية، وفي بعض بلدان جنوب شرق آسيا، بحرية تحويل عملاتها الوطنية على حساب الرساميل لموازين مدفوعاتها.

ثانيا: هل تلاشت سيادة الدولة؟

لا أظن ذلك لأسباب عديدة من أهمها:

1-ما تزال الدولة تقوم بدوركبيرفي الاقتصادات القومية عدا أدوارها الأخرى في مختلف مجالات الحياة. ويكفي أن نذكر كمؤشر فقط على دورها في المجال الاقتصادي بأنه خلال عام 1995 أنفقت الدولة في أمريكا(33) بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي، وفي ألمانيا(49) بالمائة، وفي السويد(68) بالمائة(7). كما أن حجم الدولة في الكثير من دول العالم يتراوح بين النسب المذكورة أعلاه أو نسب اقل أو أكثر. فدور الدولة والقطاعات التابعة لها في الأقطار العربية النقطية مثلا أكبر منه بكثير من دورها في الأقطار العربية غير النفطية نظرا للدور الكبير النسبي الذي يمثله النفط في اقتصادات الأقطار الأولى، ونظرا لأنها تملك هذا القطاع.

فإنفاق الدولة يؤدي إلى سيطرتها على جزء كبير من موارد المجتمع وإلى توجيه هذا الجزء لتحقيق الأهداف التي ترغب فيها. كما يؤثر -ضمن عوامل أخرى- على وضع ميزان مدفوعاتها على الحساب الجاري ويعكس هذا الوضع لدرجة كبيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية منها وإليها(8)، فضلا عما سبق عندما تتعرض منشآت القطاع الخاص للأزمات، فإن الدولة تلجأ لمساعدتها على حل أزماتها. والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة ومعروفة. فعلى سبيل المثال يكفي أن نذكر أن من أهم أسباب إنشاء المصارف المركزية في العالم هو تزويد القطاع الخاص المصرفي بالسيولة اللازمة عند تعرضه لأزمة سيولة. فخلال أزمة البورصات العالمية في شهر تشرين الأول/أكتوبر 1987 تدخل المصرف المركزي الأمريكي بفعالية للحيلولة دون انهيار النظام المصرفي الأمريكي.

وخلال الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1997، أعلنت وزارة المالية اليابانية والمصرف المركزي الياباني عن دعمهما للمنشآت المالية المنهارة لتمكينها من تسديد التزاماتها المحلية والأجنبية. فأين هو إذن الانحسار أو التلاشي في دور الدولة؟ ولعل من الصحيح القول بأنه خلال الفترة بين عامي 1840 و 1914 كانت درجة الانحسار في دور الدولة أكبر بكثير لأنه لم تكن هناك سيادة لأقطار العالم الخاضعة للاستعمار.

2- إن ما يسمى "العولمة" الحالية حسب التعريف المحدد أعلاه مبالغ فيها ودرجة شموليتها محدودة جدا.

- إن الغالبية الكبرى للشركات الدولية ليست شركات عولمة حقيقية. فأغلب القيمة المضافة حوالي(70) إلى(75) بالمائة من إنتاجها العالمي يتم في موطنها الأصلي. كما أن أغلب أصولها الثابتة موجودة في الوطن الأم، وأغلب مبيعاتها أو جزء كبير منها في الوطن الأم(9). فهذه الشركات متجذرة في الوطن الأم وتحتاج إلى الدولة في مجالات عديدة: فالدولة الأمريكية مثلا وعلى أعلى المستويات تتدخل لتسويق إنتاج شركات السلاح لديها. نتيجة لكل ما سبق ليس لدى الدولة القومية أية مشكلة في ممارسة سلطتها على الشركات المذكورة. وفي حال عدم قيامها بذلك، فإن السبب ليس ضعف الدولة القومية وإنما نتيجة خيارات سياسية. فضلا عن ذلك، من الصعب جدا على فروع هذه الشركات والموجودة في دول أخرى والتي تمثل استثمارات حقيقية أن تهدد الدولة المضيفة بإغلاق مصانعها أو فنادقها مثلا، وبخاصة إذا كان حجم السوق الذي تمارس نشاطها فيه كبيرا.

-ليست هناك "عولمة" حقيقية فيما يتعلق بانتقال قوة العمل البشري. فبينما تمارس المراكز الرأسمالية والمؤسسات المالية الدولية التابعة لها مختلف الضغوط لتأمين حرية انتقال السلع والخدمات والرساميل توضع مختلف القيود والعراقيل لمنع انتقال أو هجرة قوة العمل البشري. فالقرنان الثامن عشر والتاسع عشر اتصفا بدرجة أكبر بكثير من حرية الهجرة، هذا إذا استثنينا الهجرة القسرية للأفارقة السود إلى الأمريكيتين. فمن المعلوم أن هجرة الأوروبيين إلى الأمريكيتين وإلى نيوزيلندا وأستراليا، وجنوب إفريقيا وإلى الكثير من أقطار العالم الثالث المستعمرة آنذاك مثلت صمام أمان للرأسمالية الأوروبية وساهمت في الحيلولة دون حدوث تفجير اجتماعي ناجح فيها بسبب البطالة المتفشية وانتشار الفقر والبؤس.

-إن "عولمة" رأس المال المتمثل في الاستثمارات الأجنبية المباشرة محدودة جدا. فلو كانت هناك عولمة حقيقية لرأس المال لما اعتمدت الغالبية العظمى من استثمارات أية دولة على ادخاراتها الوطنية، ولتمكنت الاستثمارات الأجنبية المباشرة من أن تمول لدرجة كبيرة الاستثمارات القومية. ولتوضيح هذه الفكرة يمكن أن نذكر أن الاقتصاد القومي لأية دولة يمثل نموذجا للتكامل في حقل رأس المال من حيث إن الاستثمار في أي إقليم من أقاليمها لا يعتمد على الادخارات المحلية لهذا الإقليم وإنما على الادخارات القومية بشكل عام، وبخاصة عندما تقوم الدولة بدور فعال في عملية التنمية.

ولكي نوضح الدور الضئيل الذي تقوم به الاستثمارات الأجنبية المباشرة والصافية يمكن أن نذكر أنه خلال عام 1996 بلغ تدفق هذه الاستثمارات إلى البلدان النامية (مضافا إليها هونغ كونغ والمناطق الحرة في بعض أقاليم الصين، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وتايوان وإسرائيل) حوالي (105) مليارات دولار. وهذا الرقم يمثل أقل من(2) بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية لهذه البلدان في العام 1995.

وبطبيعة الحال فإن هذه الاستثمارات على ضآلتها النسبية مركزة لدرجة كبيرة في عدد من الدول النامية في جنوب شرق آسيا وفي أمريكا اللاتينية. ولإبراز ذلك يمكن أن نذكر أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمتدفقة إلى البلدان النامية في الشرق الأوسط وأوروبا(10) بلغت عام 1996 مقدار (2،1) مليار دولار، أي ما نسبته أقل من خمس الواحد بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية لهذه البلدان عام 1995(11). لذلك فمقولة ضرورة اعتماد البلدان النامية على الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا أساس لها من الصحة.

وتجدر الإضافة هنا أن هزالة الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمذكورة أعلاه تتفاقم إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يأتي:

أ-إن جزءا معتبرا منها لا يمثل استثمارات بالمفهوم الاقتصادي، أي لا يؤدي إلى زيادة الطاقات الإنتاجية في البلدان المستلمة لهذه الاستثمارات وإنما يمثل شراء الشركات الدولية أو مستثمرين آخرين لمنشآت وطنية قائمة في هذه البلدان ضمن إطار برامج الخصخصة فيها، أي يمثل إحلال ملكية الأجانب لهذه المنشآت بدلا من الملكية الوطنية.

ب-إن جزءا من هذه الاستثمارات لا يتضمن تدفقا جديدا في صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإنما يمثل إعادة تقييم لأصول فروع الشركات الدولية الموجودة في البلدان المستلمة لهذه الاستثمارات. فإذا زادت قيمة هذه الأصول تم احتسابها من منظور الشركة الدولية الأم كاستثمار جديد في البلد المستلم لهذه الاستثمارات.

يتضح أعلاه هزالة صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأنها لا يمكن أن تحد من سيادة الدولة المستلمة لها.

-إن ما يسمى "العولمة" المالية لا تشمل أغلب دول العالم وإنما تشمل عددا قليلا من دوله يتكون من أغلب الدول الرأسمالية المتقدمة ومن غالبية بلدان أمريكا اللاتينية ومن عدد محدود من بلدان جنوب شرق آسيا. فأغلب دول العالم، وبخاصة في العالم الثالث لا تسمح بحرية تحويل عملاتها المحلية إلى عملات أجنبية رئيسية قابلة للتحويل بهدف تمويل نزوح الرساميل(12). وكنتيجة منطقية لذلك لا تقبل الاستقراض من مستثمرين أجانب ولا تسمح لمواطنيها باستقراض كهذا عبر إصدار سندات أو أسهم أو وسائل دين أخرى مقومة بعملتها الوطنية. وبالمقابل لا يمكن للمستثمرين الأجانب شراء سندات أو أسهم كهذه إذا لم يكونوا قادرين على بيعها متى يشاؤون وعلى تحويل قيمها إلى العملة الأجنبية المرغوبة. نتيجة لذلك فإن أغلب دول العالم ليست خاضعة لدور الأسواق المالية الدولية كشرطي، وتاليا لا تتأثر سيادتها من هذه الناحية(13).

فضلا عن ذلك، إن المراكز الرأسمالية التي تعرضت في القرن التاسع عشر مثلا، أو منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لأزمات مالية ليست عاجزة عن وضع حلول للتخفيف من حدة الأزمات، إذ يمكنها مثلا الاتفاق على أن تحدد بشكل عام علاقات أسعار صرف عملاتها بعضها ببعضها الآخر وأن تتدخل مصارفها المركزية لتحقيق ذلك وعلى تحقيق تنسيق في سياساتها المالية، كما حدث في اجتماع كتلة الدول الرأسمالية الصناعية السبع عام 1985، والذي نجم عنه اتفاق "البلازا" واجتماع عام 1987 والذي نجم عنه اتفاق "اللوفر". وعلى الرغم من أن حجم المتاجرة بالعملات الأجنبية القابلة للتحويل على حساب الرساميل أكبر بكثير جدا من قيمة احتياطيات مصارفها المركزية إلا أن هذه الأخيرة قادرة على زيادة احتياطياتها بدرجة كبيرة عبر عمليات الدعم المتبادل وغير المشروط بين هذه المصارف كما حدث في الستينيات والسبعينيات(14). كما يمكن لهذه المراكز أن تضع ضوابط على تسليف مصارفها التجارية والاستثمارية بحيث تحد أو تمنع التسليف لتمويل المضاربات، كما فعل الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت في الثلاثينيات، وأن تفرض ضريبة خاصة على أرباح المضاربين. ومع ذلك يبقى التساؤل التالي: هل تسمح الرأسمالية المالية بتحقيق ذلك وربما باتخاذ إجراءات أكثر جذرية، أم أن المرحلة الحالية من تطور النظام ستؤدي إلى المزيد من الاستقطاب في توزيع الثروات والدخول على مستوى العالم وعلى المستوى القومي للكثير من دوله، وإلى المزيد من انتشار البطالة والفقر والبؤس والفوضى المالية الدولية؟

في ضوء ما سبق ذكره في هذا القسم من الدراسة أرى أن المرحلة الحالية من تطور النظام الرأسمالي العالمي ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تمثل نظاما رأسماليا دوليا أكثر تكاملا، وليس نظام عولمة رأسمالية بالمعنى المحدد أعلاه. ويتعين الإضافة هنا أن أمريكا هي الدولة القومية الأكثر نفوذا وتأثيرا في هذا النظام (وبخاصة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي) سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية. فنفوذها السياسي يعتمد على كونها أقوى دولة في العالم عسكريا واقتصاديا. ويتمثل هذا النفوذ -ضمن أشياء أخرى- في أنها تسيطر لدرجة كبيرة على مجلس الأمن الدولي وتهيمن في حقل الصراع العربي-الصهيوني. وتتمثل قوتها الاقتصادية في أن حجم ناتجها المحلي الإجمالي يتراوح ما بين(18) بالمائة وحوالي(20) بالمائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو يبلغ حوالي ضعفي الناتج المحلي الإجمالي لثاني أقوى دولة في العالم من الناحية الاقتصادية، وهي اليابان. كما أن الدولار الأمريكي يمثل أهم وأكبر دور في الاحتياطيات النقدية الدولية، وفي تمويل التجارة والاستثمارات الدولية. فضلا عن ذلك، إن الشركات الأمريكية الدولية هي الأكبر والأكثر في العالم مقارنة بأية دولة متقدمة أخرى. فوسائل الإعلام الأمريكية، وما تنتجه أمريكا من أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية هي الأوسع انتشارا. كما أن نمط الاستهلاك الأمريكي قد اخترق العديد من أسواق العالم على الرغم من أن تأثيره ما يزال ضعيفا.

ثالثا: ما العمل

يظهر التحليل الاقتصادي أعلاه أن المرحلة الراهنة من تطور الاقتصاد الدولي لا تحد كثيرا من خيارات أغلب دول العالم بما فيها أغلب دول العالم الثالث، ومن ضمنها الوطن العربي في حقل الاقتصاد. فالاستثمارات الأجنبية المباشرة في الوطن العربي هزيلة: كما أن الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة هزيلة جدا، وبخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أغلب البورصات المالية العربية، باستثناء بورصة مصر، ما تزال في مرحلة الطفولة(15). فالوطن العربي على أساس صاف مصدر للاستثمارات والتوظيفات إلى الخارج وليس مستوردا لها. أما فيما يتعلق بالهيمنة الأمريكية سياسيا على المنطقة، فإنه في إمكان العرب مقاومتها إذا تضامنوا أو اتحدوا. فخلال حرب رمضان عام 1973 أظهر العرب درجة عالية من التضامن كان من الممكن أن تؤدي إلى نتائج سياسية إيجابية لولا أن هنري كيسنجر ومن بعده الرئيس جيمي كارتر وبمعاونة الرئيس الراحل أنور السادات أجهضوا ذلك عبر عقد اتفاقيتين مرحليتين منفردتين بين مصر وإسرائيل أدتا إلى سلم منفرد فيما بينهما. كما أن كلا من سوريا ولبنان رفض المفاوضات المتعددة الأطراف، ضمن إطار صيغة مدريد على الرغم من الضغوط الغربية التي مورست عليهما. فضلا عن ذلك، إن تحقيق درجة من التضامن العربي تجاه مؤتمر الدوحة الاقتصادية أدى إلى فشله رغم الضغوط الأمريكية الكبيرة لإنجاحه، ولكن كل هذا لا يعني أن ضغوط المراكز الرأسمالية وعلى رأسها أمريكا لن تستمر في العمل على تحقيق درجة أعلى من تكامل الاقتصاد العربي مع النظام الرأسمالي الدولي وفي العمل على إعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية بشكل يخدم أساسا مصلحة إسرائيل. وتتمثل هذه الضغوط على سبيل المثال في المشروعين الأوسطي والمتوسطي، وتتمثل أيضا في برامج التصحيح الهيكلي التي يفرضها صندوق النقد الدولي على الدول التي هي بحاجة للاستقراض منه و/أو بحاجة إلى جدولة ديونها. لذلك يتعين على العرب القيام بتنفيذ مشروع قومي متكامل يهدف إلى تحقيق أسباب القوة العربية بجميع جوانبها. وهذا المشروع ضروري لمعالجة الإشكاليات العربية الراهنة بقطع النظر عن التحديات الدولية والتحدي الصهيوني.. كما أن تبني مشروع كهذا سيدعم الموقف العربي تجاه هذه التحديات. وسأناقش باختصار أدناه بعض العناصر الأساسية لهذا المشروع مع التأكيد أنها متداخلة ومتكاملة ويدعم بعضها الآخر. كما أود أن أعتذر للقارئ إذا كررت فيما يأتي بعض ما ذكرته في مقالات سابقة.

1 - إقامة منظومة أمنية إقليمية عربية: من الواضح أن الأمن القومي العربي وأمن بعض الأقطار العربية في حالة انحسار. وهذا يتمثل في احتلال إسرائيل لأراضي عربية في فلسطين والجولان وجنوب لبنان وبقاعه الغربي، وفي عدوانها المتكرر على سكان هذه الأراضي وعلى مناطق عربية أخرى، كما يتمثل هذا الانحسار في التقسيم الفعلي للعراق وفي الحصار الوحشي المفروض عليه، وفي عدوان أمريكا بين فترة وأخرى على أراضيه، وفي احتلال تركيا لحزام أمني في شماله، وفي اعتداءاتها المتكررة عليه، وفي تحالفها مع إسرائيل، وبدعم من أمريكا، مما يشكل تهديدا للأمن القومي العربي بعامة ولأمن سوريا والعراق بخاصة. فالانحسار في الأمن القومي العربي يؤثر سلبيا ولدرجة كبيرة على التنمية العربية وعلى إمكانات العرب في مجابهة تحديات المرحلة الراهنة من تطور النظام الرأسمالي الدولي.

أما الهدف الأساسي من إقامة المنظومة المذكورة فهو تأمين أمن الوطن العربي وتأمين أمن أقطاره من داخل النظام العربي بدلا من استيراد بعض الأقطار لأمنها من أمريكا لقاء تكلفة اقتصادية وسياسية ومعنوية باهظة.

ومن المعلوم أن إعلان دمشق قد لحظ نظاما إقليميا أمنيا عربيا ضمن إطار الدول الموقعة على هذا الإعلان. ولكن لم يحظ هذا النظام برؤية النور. وأرى أن من الخطوات الضرورية لإقامة هذا النظام:

- إجراء مصالحة عربية شاملة تتضمن عودة العراق إلى الشمل العربي.

- قيام الأقطار العربية أو عدد مهم منها بخرق الحصار المفروض على العراق والذي يمثل أبشع أنواع الإرهاب الدولي، وأيضا الحصار المفروض على ليبيا والسودان، إذ أصبح من الواضح لأبسط الناس أن الغرب وعلى رأسه أمريكا يكيل بمكياليين: فعلى العرب والمسلمين تفرض أقسى العقوبات بينما تسترضى إسرائيل بكل الوسائل الممكنة.

- الاتفاق على ميثاق شرف عربي وعلى وضع آلية لفض النزاعات العربية وعلى إقامة محكمة عدل عربية.

- إنشاء قوة عربية ضمن إطار الجامعة العربية هدفها الحيلولة دون اعتداء قطر عربي على آخر. ويمكن تمويل هذه القوة عبر تخصيص نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي للأقطار العربية. ومن الواضح أن التكلفة الاقتصادية والسياسية والمعنوية لإنشاء قوة كهذه ستكون أقل بكثير من التكلفة التي تدفعها بعض الأقطار العربية لأمريكا لتأمين أمنها. وسيكون من النتائج المهمة لإقامة المنظومة الأمنية العربية تحرير بعض الأقطار العربية من خوفها من بعضها الآخر، وتاليا تحرير إرادتها في التضامن والعمل لمجابهة الخطر الأساسي الذي يهدد العرب، وهو إسرائيل، ومجابهة الهيمنة الأمريكية.

2 - إنشاء سوق عربية مشتركة: تستند قضية إقامة هذه السوق إلى ما يأتي:

أ-الهوية العربية والانتماء القومي

ب-ضرورات دعم الأمن القومي العربي

ج-المصلحة الاقتصادية المشتركة.

وقناعتي هي أن اعتبارات الهوية العربية والانتماء القومي وضرورة دعم الأمن القومي العربي تسبق الاعتبارات الاقتصادية البحتة مع اعترافي بأهمية هذه الأخيرة. باختصار يجب دعم إقامة سوق عربية مشتركة تدريجيا بين الأقطار العربية أو بين بعضها كمرحلة انتقالية لأننا أولا نشكل أمة واحدة، إذ أنني أرى أنه يجب ألا نشغل أنفسنا كثيرا، ومن المنظور الاقتصادي البحت، بما إذا كانت بعض الأقطار المنضمة إلى السوق ستستفيد اقتصاديا أكثر أو أقل من أقطار أخرى منضمة، إذ يمكن أن نبرهن أنه حتى في حالة الدولة الواحدة هناك أقاليم فيها تستفيد أكثر من أقاليم أخرى. ولكن أهم عامل يبقي هذه الأقاليم موحدة مع الأقاليم الأخرى في دولة واحدة هو عنصر الانتماء القومي العربي الواحد. وهذا لا يعني أنه يجب عدم قيام الدولة القومية بتحقيق تنمية إقليمية متوازنة. كما يتعين ثانيا دعم إقامة هذه السوق لأنها قادرة على تعزيز الأمن الاقتصادي العربي، وتاليا الأمن القومي العربي.

أما أهم المنافع الاقتصادية للسوق، فتتضمن ما يأتي:

-سيدعم توسيع حجم السوق العربية التنمية ويمكننا لدرجة أفضل من إقامة صناعات ثقيلة وصناعات حربية.

-إنها قادرة في حالة اتباع سياسات مناسبة على تحقيق درجة أعلى من التكامل الاقتصادي العربي، وتاليا التخفيف من حدة التبعية للخارج وتحقيق درجة أفضل من استقلالية القرار العربي مما من شأنه أن يدعم الأمن القومي العربي.

-دعم المركز التفاوضي العربي في الاقتصاد الدولي الراهن والمؤلف لدرجة معتبرة من تكتلات اقتصادية كبرى.

-تحسين مركزنا التفاوضي ككتلة تجاه "الغات"، وتمكين الأقطار العربية المنضمة إلى السوق من إعطاء بعضها بعضها الآخر معاملة تفضيلية لا تسري على الدول غير الأعضاء. فمن المعلوم أن المادة(24) من اتفاقية "الغات" تسمح للدول الأعضاء في تكتل اقتصادي ألا تمنح الدول غير الأعضاء معاملة الدولة الأكثر رعاية.

ومن المعروف أن القمة العربية المنعقدة في صيف 1996 قد وافقت على إقامة منطقة تجارة حرة عربية كبرى. كما أتخذ المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية قرارا بالبدء بتنفيذها اعتبارا من أول عام 1998 وخلال العشرة الأعوام القادمة. فضلا عن ذلك، إن كلا من مصر وسوريا أعد مشروعا لإقامة سوق عربية مشتركة ستجري مناقشة كل منهما فيما بينهما ومع أقطار عربية أخرى.

إنني أفضل المضي قدما نحو الإقامة التدريجية لسوق عربية مشتركة بحسب المفهوم العلمي المعروف لهذه السوق وذلك للأسباب التالية:

أ-إن الذين يطالبون بإقامة منطقة تجارة حرة لا يرغبون الالتزام بمرحلة أعلى من مراحل التكامل الاقتصادي العربي. فبالنسبة إليهم إن منطقة التجارة الحرة هي نهاية المطاف. أما بالنسبة للمؤمنين بالقومية العربية، فإن نهاية المطاف هي إقامة الاتحاد العربي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه عندما تم الاتفاق على إقامة السوق الأوروبية المشتركة عام 1957 بين ست دول أوروبية، رفضت السوق طلب بريطانيا الانضمام إليها عبر إقامة منطقة تجارة حرة معها، وأصرت على أن تلتزم بريطانيا مسبقا بأهداف السوق الأوروبية المشتركة، وقبلت بريطانيا ذلك فيما بعد وانضمت إلى هذه السوق.

ب-تتضمن منطقة التجارة الحرة قدرا كبيرا من عدم التكافؤ في المنافسة، وبخاصة بسبب عدم توحيد الجدار الجمركي تجاه العالم الخارجي، وإشكاليات عديدة أخرى، مما يخلق صعوبات في تطبيقها. فتجربة السوق العربية المشتركة التي تم إنشاؤها في عام 1964 (والتي هي فعليا منطقة تجارة حرة) خير دليل على ذلك.

ج-إن لعملية التكامل الاقتصادي دينامية خاصة. فكل مرحلة أدنى -كمرحلة منطقة التجارة الحرة مثلا- تخلق ضرورات للمضي قدما نحو مرحلة أعلى. بكلمات أخرى، إن المرحلة الأعلى تصبح ضرورية لحل إشكاليات تنشأ في مرحلة أدنى.

وأود أن أضيف إلى ما سبق ما يأتي:

-في حال توافر الإرادة السياسية لدى غالبية الأقطار العربية، فإن إقامة سوق عربية مشتركة -تتضمن كما هو معروف حرية انتقال قوة العمل البشري- أسهل بكثير من قيام سوق كهذه بين دول مؤلفة من قوميات مختلفة، فالأقطار العربية تتصف بتجانس حضاري أو ثقافي.

-ليس من الضروري إقامة السوق العربية المشتركة دفعة واحدة وتدريجيا بين جميع الأقطار العربية، بل يمكن البدء بإقامتها بين دولتين أو ثلاث أو أكثر، يمكن أن تشكل في المستقبل عامل جذب لأقطار عربية أخرى.

-يتعين دعم السوق العربية المشتركة عبر إقامة مشاريع مشتركة مخططة مسبقا بهدف خلق درجة أعلى ومسبقة من التكامل في الاقتصاد العربي كإقامة مشاريع مشتركة بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي -أو درجة عالية منه- في تأمين الغذاء.

-من الضروري أن تتضمن السوق العربية المشتركة درجة فعالة من الحماية من مزاحمة الصناعات الأجنبية نظرا لأن مستوى التنمية العربية الراهنة أقل من مستوى التنمية في الدول الصناعية المتقدمة. ويجدر التذكير هنا أنه عندما تم إنشاء الاتحاد الجمركي الألماني (الزولفراين) عام 1834 بين الدويلات الألمانية تضمن درجة فعالة من الحماية نظرا لتأخر هذه الدويلات عن بريطانيا في مجال التنمية الصناعية. إنني مدرك أن بعض الأقطار العربية في الخليج العربي ترغب في تطبيق مستوى متدن جدا من الحماية، وأن تكون الكتلة الاقتصادية العربية المزمع إنشاؤها منفتحة جدا على الخارج. ولكن التساؤل هو إلى متى يمكن لهذه الأقطار أن تبقى منفتحة بهذه الدرجة الكبيرة على الاستيراد من الدول الأجنبية في الوقت الذي تفرض فيه هذه الأخيرة رسوما على استيراداتها من النفط العربي ومن منتوجات الصناعات البتروكيماوية العربية؟ وإلى متى يمكن لهذه الأقطار أن تستمر في عدم إقامة نظام ضرائبي متكامل على مواطنيها؟ فهي ليست أغنى من أمريكا أو اليابان أو ألمانيا أو أية دولة أوروبية صناعية متوسطة الحجم. فلو توافر للأقطار العربية الخليجية نظام ضرائبي عصري لما اضطرت مؤخرا إلى الاستدانة من الخارج لتمويل عجوز موازناتها أو موازين مدفوعاتها، ولما نزحت منها هذه المقادير الكبيرة من الرساميل، ولما اضطرت إلى الإبطاء في عملية نموها الاقتصادي(16).

هناك من يرى أن قيام السوق العربية المشتركة لن يؤدي إلى تحقيق درجة أعلى، أو أعلى بدرجة كبيرة، من التكامل في الاقتصاد العربي -أي لن يؤدي إلى أن يؤمن الوطن العربي نسبة أعلى من مستلزمات استثماره واستهلاكه من داخل الوطن العربي بدلا من خارجه؛ وأن تجربة التكامل الاقتصادي العربي على الصعيد المؤسسي الجماعي أو على الصعيد المؤسسي الثنائي قد فشلت في تحقيق درجة أعلى من التكامل الاقتصادي الفعلي، فقيمة التجارة العربية البينية كنسبة لمجمل التجارة العربية سواء من حيث التصدير أو من حيث الاستيراد ما تزال ضئيلة وتتراوح بين سبعة إلى تسعة بالمائة. وقبل التعرض لما اعتبره أسبابا حقيقية لهذا الفشل، سأحاول مناقشة مقولتين تحاول تفسيره:

المقولة الأولى ترى أن من أسباب فشل عملية التكامل الاقتصادي العربي هو ضعف التنمية الاقتصادية العربية، وتاليا ضعف الإنتاج، وأنه لم يكن هناك إنتاج كبير ليتم تبادله. وهذا التفسير غير مقنع لأن هناك تبادلا تجاريا كبيرا نسبيا بين العرب من جهة، وبين الدول الصناعية المتقدمة من جهة أخرى. فضلا عن ذلك، كان الإنتاج العربي في القرن الثامن عشر مثلا أقل بكثير مما هو عليه في الزمن الراهن، ومع ذلك كانت نسبة التجارة بين الأقطار العربية عالية في ذلك القرن. ويشير روجر أوين في كتابه الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي 1800 - 1914 "إلى أنه في حين كانت صادرات مصر لسوريا في سنة 1750 ما بين (000 500) و(000 800) ليرة ذهبية، فإن صادراتها لفرنسا -كانت أهم الدول الأوروبية تجارة مع دول المنطقة- كانت فقط (000 100) ليرة ذهبية. وفي سنة 1783 كانت قيمة الصادرات المصرية لأوروبا حوالي(14) مليون ليرة ذهبية على حين كانت صادراتها لمدينة جدة وحدها(34) مليون ليرة ذهبية(17).

ومن الواضح أن من أهم أسباب ارتفاع قيمة التجارة بين الأقطار العربية كنسبة لمجمل التجارة العربية في القرن الثامن عشر وخلال فترة الثلاثين أو الأربعين عاما الأولى من القرن التاسع عشر هو أن بلدان المشرق العربي الخاضعة للإمبراطورية العثمانية كانت تشكل مع هذه الإمبراطورية وحدة اقتصادية تتضمن عدم وجود أية حواجز جمركية أو إدارية أو نقدية على انتقال السلع ضمن إطار هذه الوحدة وعدم وجود أية عوائق في وجه انتقال الأشخاص والرساميل. كما كانت تتضمن وجود عملة واحدة كوسيلة للتداول. إضافة إلى ذلك، كان مستوى التنمية في هذه الإمبراطورية متقارب أو شبه متقارب.

ويتعين عدم التقليل من أهمية العمل على تنمية الإنتاج العربي كوسيلة -ضمن أشياء أخرى- لزيادة نسبة التبادل التجاري بين الأقطار العربية. ولكن ما يمكن الاعتراض عليه هو استعمال ذريعة ضعف الإنتاج كمبرر لعدم إقامة سوق عربية مشتركة أو كمبرر للتأخير في إقامتها. فزيادة الإنتاج ليست شرطا مسبقا وإنما ستكون نتيجة لإقامة هذه السوق. فضلا عن ذلك، زاد الناتج المحلي الإجمالي العربي الحقيقي بنسبة ما ينوف عن ستة بالمائة كوسطي سنوي ما بين عامي 1961 و1991 -وهذه نسبة محترمة- ومع ذلك لم يحصل أي تقدم في حقل التكامل الاقتصادي العربي من منظور زيادة نسبة التجارة العربية البينية لمجموع قيمة التجارة العربية أو تخفيف درجة اعتماد الوطن العربي في تجارته على الخارج سواء من حيث التصدير أو الاستيراد. أما أسباب ذلك فسأتعرض لها لاحقا. وأخيرا أود أن أؤكد -وكما ألمحت أعلاه- أنني من الذين يعتقدون بضرورة دعم التكامل الاقتصادي العربي ليس نتيجة توسيع حجم السوق العربية فحسب، وإنما أيضا بصورة مسبقة عبر التخطيط الإنمائي التكاملي المسبق الذي يهدف إلى إقامة مشاريع عربية أو مشاريع مشتركة ضمن إطار خطة قومية عربية تهدف إلى دعم الإنتاج وتساهم في خلق درجة أفضل من التكامل في الاقتصاد العربي وفي بنيته الإنتاجية.

أما المقولة الثانية فترى أن تجانس البنية الصناعية في الأقطار يشكل أحد معوقات توسيع التجارة بين العرب كنسبة لتجارتهم الكلية. وبداية يجدر التأكيد أن هناك عوامل تكامل في الاقتصاد العربي. ففي حقل قوة العمل البشري العربي توجد أقطار عربية لديها فائض في هذه القوة، وهناك أقطار لديها نقص في قوة العمل العربي وتستورد عمالة أجنبية، وفي حقل الغذاء هناك أقطار لديها عجز أو نقص في إمكانات إنتاجه، وهناك أقطار عربية لديها إمكانات كبيرة في إنتاجه. وفي حقل المال هناك أقطار عربية لديها نواقص مالية (جزء كبير منها موظف أو مستثمر في الخارج)، وهناك أقطار أخرى تعاني من نقص في الموارد المالية.

لا نكران أن هناك قدرا من التجانس في بنية الصناعات التحويلية في العديد من الأقطار العربية.

ولكن هذا لا يشكل مبررا لتأخير قيام السوق العربية المشتركة حتى يحصل تكامل تام في بنية الصناعات التحويلية. فتحقيق درجة أعلى من التكامل في هذه البنية سيتم نتيجة السوق المشتركة التي توسع من مجال التنافس والتخصص. فضلا عن ذلك، قد لا يكون هناك مبرر ضمن إطار هذه السوق لأن يتخصص كل قطر حصرا بصناعة معينة أو بفعالية اقتصادية معينة، إذ قد توجد منشآت لصناعة واحدة في أقطار عدة تتنافس فيما بينها ويلبي مجموع إنتاجها حاجات السوق العربية ويؤمن فائضا متاحا للتصدير.

أما الأسباب الحقيقية في رأيي وراء عدم تحقق تقدم في التكامل الاقتصادي العربي على أرض الواقع -من منظور التزايد النسبي في اعتماد الوطن العربي على إنتاجه- على الرغم من تزايد الإنتاج العربي وتزايد الثروات العربية بخاصة ما بين عامي 1974 و 1985 فتتركز فيما يأتي:

-لم يتم تنفيذ الكثير من الاتفاقات والقرارات المتخذة على الصعيد المؤسسي العربي الجماعي كاتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية وقرار السوق العربية المشتركة واستراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك. ويعكس هذا عدم توافر الإرادة السياسية لدى معظم الأنظمة العربية لتحقيق درجة من التوحد أو التكامل الاقتصادي.

-تركز جزء كبير من التزايد في الثروات والدخول العربية، وبخاصة بعد التصحيحين الأول والثاني لأسعار النفط (في نهاية 1973 وأوائل 1973 وفي عام 1979) لدى قلة نسبية من العرب انغمست في البذخ الاستهلاكي غالبا على الاستيراد من الخارج. كما هربت هذه القلة قسما كبيرا من ثرواتها إلى الخارج. ومن المعلوم اقتصاديا أنه كلما كانت نسبة الدخل التي تنفق داخل الوطن العرب أعلى ونسبة الدخل التي تنفق خارجه أقل، يؤدي التزايد في الإنفاق القومي إلى درجة نمو أفضل، وإلى درجة أعلى من التكامل في الاقتصاد العربي على أساس افتراض عدم اتباع سياسة تضخمية.

-تزامن التصحيح الأول لأسعار النفط، ومنذ حوالي منتصف السبعينيات، مع اتباع سياسات انفتاح اقتصادي على الخارج في عدد من الأقطار العربية غير النفطية، كما استغلت أمريكا الصراع العربي-الصهيوني كوسيلة للضغط على مصر في اتجاه تحقيق هذا الانفتاح.

3 - التنمية العادلة والمستقلة: يتعين العمل على تحقيق تنمية عربية نشطة وعادلة وتتصف بدرجة عالية من الاستقلالية وتهدف ليس فحسب إلى التقليل من مخاطر تحديات المرحلة الراهنة من تطور النظام الرأسمالي، وإنما إلى رفع مستوى غالبية الناس أيضا. وتجدر الإشارة إلى أن التنمية العربية الراهنة تمر في مرحلة أزمة تتمثل في إشكاليات عديدة من أهمها:

-التباطؤ خلال الفترة (1991-1996) في نسبة نمو الاقتصاد العربي، إذ بلغت هذه النسبة كوسطي سنوي حوالي (8،2) بالمائة، أي أقل من النسبة السنوية لنمو السكان. ونجم هذا التباطؤ لدرجة كبيرة عن تداعيات أزمة الخليج الثانية وعن تزايد مديونية بعض الأقطار العربية النفطية، وتاليا محاولاتها كبح الإنفاق العام فيها.

-تفاقم سوء التوزيع في الثروات والدخول أساسا نتيجة التوسيع الكبير في العشرة الأعوام الأخيرة أو ما ينوف عن ذلك في دور القطاع الخاص والمتمثل جزئيا في بيع العديد من منشآت القطاع العام له وتحرير القطاع الخاص من العديد من القيود الاقتصادية المفروضة على نشاطه. وتم كل ذلك تحت شعار ما يسمى "الخصخصة" وحرية الأسواق. ونجم هذا التوسع عن عوامل داخلية (لا يتسع المجال لذكرها هنا) وعوامل خارجية. وتمثلت هذه الأخيرة في الضغوط التي مارستها المراكز الرأسمالية وعلى رأسها أمريكا، وفي ضغوط صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي اللذين تسيطر عليهما هذه المراكز، إذ تم استغلال حاجة العديد من الأقطار العربية للاستدانة أو لجدولة ديونها أو إسقاط بعض الدين كوسيلة لتحقيق التوسع المذكور في دور القطاع الخاص. فالانتقال إلى نمط غالب من النمو الرأسمالي يؤدي منطقيا إلى سوء التوزيع المذكور وإلى تفاقمه. وهذه الظاهرة موجودة في المراكز الرأسمالية(18) وعلى الصعيد العالمي(19). وكأحد المؤشرات الإحصائية على سوء التوزيع في الوطن العربي يمكن أن نذكر أنه في الوقت الذي توجد فيه شريحة قليلة من الناس تتمتع بثروات ضخمة، وعلى الرغم من نمو الدخل الفردي الوسطي بحوالي 3 بالمائة سنويا خلال الفترة من عام 1960 إلى عام 1993، إلا أنه يوجد في السنة الأخيرة حوالي (73) مليون إنسان عربي يعيشون دون حد الفقر ويعاني أكثر من عشرة ملايين من نقص التغذية(20).

ولقد ساهم أيضا في تفاقم سوء التوزيع كون جزء كبير من الرأسمالية العربية ذا طابع طفيلي غير منتج، وانتشار ظاهرة التهرب من دفع الضريبة في الأقطار العربية التي تفرض ضرائب على مواطنيها، والإعفاءات الكبيرة الممنوحة للقطاع الخاص من دفع الضرائب على الكثير من استثماراته، وضعف مراقبة الأجهزة الحكومية على فعاليات القطاع الخاص، وانتشار الفساد.

-استفحال البطالة: على الرغم من عدم وجود إحصاءات على مستوى الوطن العربي تدل على نسبة البطالة إلا أن تزايد هجرة العاملين العرب إلى خارج الوطن العربي ومؤشرات أخرى تشير إلى استفحالها. ونجم ذلك عن:

أ-المستوى المتدني لنسبة النمو الاقتصادي الحقيقي في الوطن العربي خلال الأعوام 1991-1996. فهذه النسبة الضئيلة غير قادرة على امتصاص جزء معتبر من قوة العمل العربي الراغب في العمل.

ب-تراجع دور الدولة والقطاع العام والتخطيط في أغلب الأقطار العربية نتيجة الاتجاه نحو الخصخصة وحرية الأسواق بدرجة كبيرة.

ج-كون جزء كبير من البطالة العربية ذا طبيعة هيكلية أو بنيوية. فبطالة كهذه لا يمكن معالجتها عبر الإجراءات العامة في تأثيرها كالسياسة المالية أو النقدية، وإنما تتطلب تدخلا وتخطيطا مباشرين من قبل الدولة، وبخاصة فيما يتعلق بالأقاليم أو المناطق المحرومة.

د-تسرب جزء كبير من الإنفاق العربي على استيراد مقومات البذخ الاستهلاكي والفشل في تحقيق تنمية تكاملية تؤدي إلى رفع نسبة النمو، وتاليا زيادة إمكانات استخدام قوة العمل العربي.

هـ-ضعف أو انعدام مساهمة الفعاليات الطفيلية في خلق فرص عمل.

-الفشل في إشباع الحاجات الأساسية لغالبية الناس: وهذا يبدو واضحا من ارتفاع نسبة الفقر في الوطن العربي ومن استفحال البطالة التي هي من أسباب الفقر ومن نتائجه أيضا. وكمثال آخر على هذا الفشل يمكن ذكر ارتفاع أسعار المساكن وأجرتها السنوية في العديد من العواصم العربية والتي تتجاوز بكثير إمكانات غالبية الناس أو شريحة كبيرة منهم، إذ يوجد باختصار أزمة سكن في العديد من هذه العواصم. كما أن هناك نقصا كبيرا في تأمين الرعاية الصحية في العديد من الأقطار العربية غير النفطية بأسعار يمكن لشريحة كبيرة من الناس دفعها. هذا بينما يتم في أغلب الأقطار العربية النفطية تأمين الرعاية الصحية مجانا.

-التبعية: هناك تبعية عربية في عدة حقول ناجمة لدرجة كبيرة عن بنية الاقتصاد العربي وعن نظامه الاقتصادي:

أ-تبعية في مجال الاقتصاد بشكل عام تمثلت في مديونية رسمية للخارج، وبخاصة للغرب ومؤسساته المالية. وبلغت هذه المديونية عام 1995 حوالي(220) مليار دولار متضمنة مديونية العراق، بينما تقدر الرساميل الخاصة العربية الموظفة والمستثمرة في الخارج بحدود(750) مليار دولار.

ب-تبعية غذائية تمثلت في انخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي العربي في تأمين الغذاء وتزايد نسبة الاعتماد على الخارج لتأمينه. فخلال الفترة (1969-1970) بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي في تأمين الغذاء(70) بالمائة، بينما تم استيراد(30) بالمائة من الحاجات الاستهلاكية الغذائية من الخارج. ولقد انخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي إلى(52) بالمائـة خلال الفترة (1988-1990).

ج-تبعية أمنية ناجمة أساسا عن حالة التمزق والتشرذم العربيين، وتمثلت في اعتماد عدد من الأقطار العربية على استيراد أمنها من الخارج، وبخاصة من أمريكا لقاء ثمن فادح تدفعه لها.

د-تبعية في حقل المياه تتمثل في تهديد الأمن المائي العربي.

هذه التبعيات متشابكة ويؤثر بعضها في بعضها الآخر، وتنعكس سلبا على استقلالية القرار العربي. كما أضعفت هذه التبعيات العرب منذ أواخر السبعينيات في صراعهم مع إسرائيل، ودفعت بعض الأقطار العربية منذ توقيع اتفاق أوسلو البائس إلى رفع المقاطعة الاقتصادية من الدرجتين الثانية والثالثة عن إسرائيل، كما دفعت بعض الأقطار إلى الهرولة نحو التطبيع بشكل أو آخر معها.

لماذا مارست المراكز الرأسمالية الضغوط لتحقيق نشر الخصخصة وحرية الأسواق في بقية بلدان العالم؟ هل فعلت ذلك لتأمين مصالح هذه الأخيرة؟ بطبيعة الحال الجواب هو النفي.. فالدول تتصرف عادة بهدي من مصالحها وليس بهدي من مصالح دول أخرى. فضلا عن ذلك، ساهم انتشار نظام رأسمالية الحرية الاقتصادية لدرجة كبيرة على مستوى العالم في إفراز نتائج سلبية واضحة تمثلت في تزايد الاستقطاب العالمي من منظور تفاقم سوء التوزيع في الثروات والدخول، وفي انتشار الفقر والبطالة، وفي استغلال الأطفال وتفشي الانحرافات الاجتماعية، وفي أزمات مالية حادة تعرضت لها المكسيك عام 1994 وتعرضت لها مؤخرا بعض بلدان جنوب شرق آسيا المندمجة جدا في النظام الرأسمالي العالمي. كما أن نتائج نظام رأسمالية الحرية الاقتصادية لدرجة كبيرة على الاتحاد السوفياتي السابق، وبخاصة روسيا، وعلى بعض بلدان أوروبا الشرقية، تبدو بحجم الكارثة.

إن مصالح المراكز الرأسمالية -وكما ذكرنا سابقا- تكمن في تأمين درجة عالية من حرية التجارة الدولية وفي تأمين حرية انتقال الرساميل. ولتحقيق ذلك يتعين توافر ثلاثة شروط على مستوى الوطن العربي (الذي يعنينا هنا)، وهي:

1 - المزيد من الخصخصة: إذ أن إعطاء الدور الأكبر للقطاع العام في حقل التجارة الخارجية، وبخاصة في حقل الاستيراد، يمكن الدولة المستوردة حتى في حالة إزالة جميع القيود والرسوم على الاستيراد من التحكم في استيرادها عبر القطاع العام. فحاكم مصر محمد علي باشا الذي بدأ خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر بتنمية صناعية واعدة في مصر، حاول التخفيف كثيرا من الآثار السلبية الناجمة عن إخضاع مصر لحرية التجارة. ولقد تمكن من تحقيق ذلك أساسا عبر احتكار الدولة للجزء الأكبر من التجارة الخارجية بهدف الحماية وبهدف تعبئة جزء أكبر من الفائض الاقتصادي لتمويل التنمية، وبخاصة الصناعية. ولكن الدول الاستعمارية آنذاك وعلى رأسها بريطانيا أجهضت هذه التجربة الواعدة.

2 - حرية الأسواق الداخلية: أي إزالة القيود الاقتصادية على فعاليات القطاع الخاص، وبخاصة حريته في "تحديد أسعاره". ومن الواضح أنه يمكن للدولة المستوردة حتى في حال إزالة جميع القيود والرسوم على المستوردات أن تتحكم في جزء كبير من استيراداتها إذا لم تطبق بالكامل حرية الأسواق الداخلية، إذ يمكن مثلا أن تحدد الأسعار الداخلية للسلع المستوردة التي تعتبرها ذات آثار سلبية على تنميتها على مستوى أكثر انخفاضا من تكاليف استيرادها، مما يدفع المستوردين في القطاع الخاص إلى عدم استيرادها.

3 - نشر وتعميق ثقافة السوق: أي أن يكون الاعتبار الوحيد في استيراد سلعة هو سعرها ونوعيتها وجودتها، وليس أي اعتبار آخر وطني أو سياسي أو ثقافي أو إنساني.

ومن المعلوم أن الكثير من الدول والملايين من الأفراد قاطعوا منتوجات جنوب إفريقيا إبان ممارستها سياسة التمييز العنصري انطلاقا من اعتبارات مناقضة لثقافة السوق. فأمريكا مثلا تفرض عقوبات اقتصادية على عدد من الأقطار العربية وعلى إيران انطلاقا من اعتبارات هيمنتها الإمبريالية. أما اليابانيون فيفضلون على الأغلب منتوجاتهم الوطنية على المنتوجات الأجنبية، انطلاقا من اعتزازهم بمنتوجاتهم ومن الاعتقاد بأن استمرارية وظائفهم تعتمد على ذلك. ومن الواضح أن ضغوط أمريكا لنشر رأسمالية الحرية الاقتصادية إلى درجة كبيرة في الوطن العربي تهدف -ضمن أشياء أخرى- إلى نشر ثقافة السوق، وبخاصة في مجال التعامل الاقتصادي مع إسرائيل بقطع النظر عن اغتصابها فلسطين واستمرار احتلالها أراضي عربية أخرى.

إن نتائج درجة أعلى بكثير من حرية التجارة وتطبيق حرية انتقال الرساميل على الوطن العربي (وبخاصة آثار مشروع إقامة منطقة تجارة حرة في السلع المصنعة بين الأقطار العربية المتوسطية من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى بحلول عام 2010) فستكون على الأغلب ما يأتي:

ستؤدي درجة عالية من حرية التجارة بين الدول الأجنبية، وأغلبها أكثر تقدما وقوة من الناحية الاقتصادية (فالاتحاد الأوروبي يعتبر أول قوة اقتصادية في العالم) من جهة، وبين الأقطار العربية المتفرقة والأقل تقدما بكثير من الناحية الاقتصادية من جهة أخرى، إلى تكريس التخلف النسبي للأخيرة وإلى تفاقمه. بكلمات أكثر تحديدا سيؤدي الانفتاح الكبير على الاستيراد و/أو إزالة جميع القيود الجمركية والإدارية والنقدية على استيراد السلع المصنعة من الاتحاد الأوروبي إلى القضاء على أغلب الصناعات التحويلية العربية وإلى استفحال البطالة، وإلى محاولة الكثير من المواطنين العرب الهجرة إلى الدول الغربية. وتجدر الإشارة أن من أهداف مشروع الشراكة الأوروبية-المتوسطية هو الحيلولة بالتحديد دون هذه الهجرة، وبخاصة من الأقطار العربية في شمال إفريقيا.

أما من حيث التصدير من الأقطار العربية، فمن الأهداف الأساسية لتحديات المراكز الرأسمالية إعطاء أولوية قصوى للتصدير، وأن يكون المحرك الأساسي لعملية النمو بدلا من أن يكون هذا المحرك العمل على إشباع الحاجات الأساسية لغالبية المواطنين العرب. فاستراتيجية تنموية كهذه غير مأمونة العواقب على المدى المتوسط، ويمكن أن تحقن الاقتصادات العربية بقدر كبير من الهشاشة وتجعلها أكثر تعرضا للابتزاز من الدول أو الكتل الاقتصادية الكبرى، إذ لا يغربن عن البال أن القوة هي أهم عامل في العلاقات الدولية، وأن السوق سواء على المستوى القومي أو المستوى العالمي تمثل في التحليل الأخير علاقات قوة. فاستراتيجية الاعتماد على التصدير كالمحرك الأساسي للنمو تؤدي تدريجيا وعلى مر السنين إلى تزايد الصادرات من سلع وخدمات كنسبة للناتج المحلي الإجمالي، وبخاصة للدول الصغيرة. ومن الأمثلة الأكثر تطرفا عن ذلك هي هونغ كونغ، وسنغافورة، وماليزيا، وتايلند. فصادرات هونغ كونغ وسنغافورة تتجاوز بكثير قيمة الناتج المحلي الإجمالي لكل منهما (إذ ‘ن هناك درجة من الاستيراد بقصد إعادة التصدير)، إذ بلغت صادرات سنغافورة كنسبة لناتجها المحلي الإجمالي عن عام 1995 (123) بالمائة، وبلغت النسبة لماليزيا (90) بالمائة، ولتايلند (2،42) بالمائة، بينما بلغت النسبة لكل من أمريكا (عام 1996) وللاتحاد الأوروبي، واليابان (عام 1995) على التوالي (3،11) بالمائة، و(10) بالمائة، و (4،9) بالمائة. ومن الواضح أن أيا من الكتل أو الدول الأخيرة قادر على تحكيم اقتصادات البدلان الأولى إذا قررت تقييد أو منع الاستيراد منها. ويتعين ألا يكون هناك أدنى شك في أن الدول الكبرى أو الكتل الكبرى لن تتوانى عن خرق الاتفاقات الدولية إذا شعرت أن مصلحتها تقتضي ذلك. ألم تخرق الولايات المتحدة في آب/أغسطس 1971 أهم اتفاقية نقدية دولية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي اتفاقية بريتون وودز عندما منعت تحويل الدولار المقدم إليها إلى ذهب من قبل السلطات الرسمية لبقية دول العالم على أساس أن سعر الأونصة الصافية من الذهب تساوي(35) دولارا أمريكيا؟

باختصار، يمكن القول بأن درجة عالية من حرية التجارة تطبقها الأقطار العربية ستتضمن أن يكون الضرر من ناحية الاستيراد أمرا مؤكدا، أما الاستفادة من ناحية التصدير، فأمر محتمل في أحسن الأحوال. فضلا عن ذلك، ستتضمن استراتيجية النمو المعتمدة أساسا على التصدير ضغوطا لتخفيض تكاليف الإنتاج، وبخاصة الأجور الحقيقية للعمال العرب بهدف تأمين مقدرة تنافسية في الأسواق العالمية، إذ أن إحدى الوصفات المتكررة لصندوق النقد الدولي هي العمل على إبقاء الأجور الحقيقية منخفضة. ومن شأن هذه الوصفة أن تؤدي إلى إضرابات عمالية وتوترات اجتماعية واقتصادية وسياسية أخرى يمكن أن تؤثر سلبيا على عملية التنمية العربية في المستقبل وعلى المردود الاجتماعي منها.

أما فيما يتعلق بتدفق الاستثمارات الأجنبية الخاصة إلى الوطن العربي، فيتعين التفريق بين الاستثمارات الأجنبية المباشرة والحقيقية -أي التي تتضمن زيادة في الطاقات الإنتاجية- والاستثمارات غير المباشرة. مما لاشك فيه أن الاستثمارات المباشرة ستؤدي إلى زيادة نمو الوطن العربي. ولكن المستفيد الأساسي منها -وضمن إطار سوء التوزيع الراهن في الثروات والدخول في الوطن العربي- سيكون الأثرياء والوكلاء المحليين للمستثمرين الأجانب. كما أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمكثفة ستؤدي إلى سيطرة الأجانب، وبخاصة رعايا الدول الغربية، على الاقتصاد العربي وممارستهم نفوذا اقتصاديا وسياسيا متناميا، وإلى بروز ظاهرة الاستكبار الأجنبي البغيظة، وإلى تفاقم تذويب الهوية العربية. أما تدفق الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة والتي تمثل متاجرة في الأسهم والسندات المقومة بعملة الدولة المضيفة لهذه الاستثمارات والقابلة للتحويل على حساب الرساميل لميزان المدفوعات، فستكون خطرة وتعرض الاقتصاد العربي في المستقبل لأزمات مشابهة لما حدث مؤخرا في بعض بلدان جنوب شرق آسيا. ولقد أثبتت هذه الأزمات المالية -كما أثبتت أزمات سابقة- أن مقولة ضرورة نظام رأسمالية الحرية الاقتصادية لقيام الديموقراطية أو دعمها تبعث على السخرية، إذ إن حفنة من المضاربين الأجانب ذوي الثروات الضخمة أجهضت مسيرة تنمية هذه البلدان وأجهضت سيادتها. وتم كل ذلك ضد إرادة شعوبها. ويجدر التأكيد هنا أن درجة اعتماد الوطن العربي على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة -وكما أظهرنا أعلاه- ضئيلة جدا.

أما البرنامج العملي لمعالجة إشكاليات التنمية العربية المذكورة أعلاه، ولمجابهة التحديات التي تطرحها المراكز الرأسمالية، ولتحصين الوطن العربي ضد الأزمات المالية والانكشاف على الأزمات الخارجية وللحيلولة دون تأثره بالإجراءات التي تتخذها المراكز الرأسمالية لإدارة اقتصاداتها -كالتعديل في أسعار فوائدها- فيتضمن إجراءات يتعين اتخاذها على الصعيد القومي وعلى الصعيد القطري.

ولقد تم ذكر أهم الإجراءات التي يتعين اتخاذها على الصعيد القومي عندما ناقشنا قضية إقامة سوق عربية مشتركة من منظور دعم التنمية العربية ودعم الأمن القومي العربي. ويمكن اتخاذ إجراءات أخرى على هذا الصعيد من أهمها ما يأتي:

-تنفيذ الاتفاقات العربية المتعلقة بتنظيم انتقال العمالة بين الأقطار العربية وإعطاؤها المزايا نفسها المعطاة لمواطني الأقطار المضيفة للعمالة. ولقد بقيت هذه الاتفاقيات من دون تنفيذ بسبب أن أهم الأقطار المضيفة للعمالة لم تصادق عليها. لذلك بقي انتقال العمالة العربية تلقائيا ولم تنظمه أو تشجعه إجراءات عربية متخذة على الصعيد العربي المؤسسي الجماعي. وتستند دواعي تنفيذ الاتفاقيات المذكورة إلى اعتبارات الكرامة الإنسانية، وإلى ضرورة إزالة أسباب التوتر التي برزت مؤخرا بين بعض الأطراف العربية المصدرة للعمالة -بما فيها الطرف الفلسطيني- وبعض الأطراف المضيفة لها. فضلا عن ذلك، إن الأقطار العربية الخليجية تعاني تضخما في حجم العمالة الأجنبية الوافدة، مما قد يخلق لهذه الدول في المستقبل مشاكل يمكن أن تستغلها الإمبريالية تحت شعار حقوق الإنسان. لذلك من الضروري تشجيع إحلال قوة العمل العربي ما أمكن محل قوة العمل الأجنبي في هذه الأقطار حفاظا على هويتها العربية.

-الاستمرار في تشجيع الاستثمارات العربية المباشرة في الأقطار العربية.

-دعم المؤسسات الإقليمية المالية العربية، وزيادة إمكاناتها في تمويل التنمية العربية وعجوز موازين المدفوعات العربية والتجارة العربية البينية، وإعطاء أفضلية قصوى للاستقراض من هذه المؤسسات حين الحاجة بدلا من الاستقراض من الأسواق المالية الدولية. وفي حال الحاجة للجوء إلى هذه الأخيرة يتم الاستقراض عبر قروض محددة الأجل.

ويتضمن البرنامج على الصعيد القطري بهدف دعم التنمية العادلة والمتصفة بدرجة أعلى من الاستقلالية ما يأتي:

أ-العمل على تحقيق التوازن الاقتصادي الداخلي (أي الحيلولة دون حدوث تضخم غير مرغوب فيه) والتوازن الخارجي (تفادي عجز كبير في ميزان المدفوعات)، فالفشل في تحقيق ذلك قد يؤدي إلى صعوبة تطبيق استراتيجية تنمية مستقلة.

ب-إعادة الاعتبار لدور التخطيط في عملية التنمية، وبخاصة على المستوى الكلي وعلى مستوى المشاريع الاستثمارية المهمة ومشاريع التكامل الاقتصادي العربي مع إعطاء دور مناسب للأسواق المنظمة.

ج-إعطاء القطاع الخاص دورا مناسبا في عملية التنمية، وبخاصة في القطاع الزراعي حيث توجد درجة عالية من المنافسة، وإخضاعه للرقابة التموينية حيث يكون في مركز احتكاري أو شبه احتكاري.

د-التراجع عما يسمى الخصخصة وعن تطبيق نظام الحرية الاقتصادية، إذ أدى نظام رأسمالية الحرية الاقتصادية لدرجة كبيرة في الوطن العربي -وكما ذكرنا أعلاه- إلى تفاقم سوء التوزيع في الثروات والدخول وإلى زيادة البطالة والفقر واستفحال التبعية.

هـ-إعطاء الدور الأهم والرائد في عملية التنمية العربية للقطاع العام شريطة إخضاعه للمراقبة والمحاسبة الديمقراطيتين، وشريطة انتقاء عناصر إدارته استنادا إلى اعتبارات الكفاءة والأمانة ودفع رواتب مجزية للعاملين فيه. ومن مبررات دعم القطاع العام هو أنه أقدر على تحقيق ما يأتي:

-تجهيز جزء كبير من الفائض الاقتصادي في المجتمع ووضعه تحت تصرف الدولة لاستعماله بحسب أولوياتها. وهذه المقولة تستند جزئيا إلى الافتراض الواقعي أن من الصعوبة بمكان الحيلولة دون تهرب القطاع الخاص من دفع الضريبة. كما أن هذا القطاع قد يهرب أرباحه (التي هي جزء من الفائض الاقتصادي) بعد تحويلها إلى عملات أجنبية إلى الخارج. فكون القطاع العام أقدر على تجهيز الفائض الاقتصادي لأن أرباحه تعود إلى الدولة ولا تهرب إلى الخارج أو تنفق على الاستهلاك التفاخري، فهذا يتضمن زيادة إمكانات الدولة في تمويل الإنفاق على الأمن القومي والتنمية من دون تضخم كبير أو بقدر قليل نسبيا من الاستقراض من الجهاز المصرفي الداخلي أو من مصادر التمويل الأجنبية، مما يعني التقليل من التبعية.

-تأمين درجة أعلى من التشغيل لوسائل الإنتاج، ومنها قوة العمل البشري. فالدولة أقدر على توجيه استثمارات القطاع العام من توجيه استثمارات القطاع الخاص.

-توزيع أفضل في الدخول والثروات

-القيام بتنفيذ بناء البنية الاقتصادية التحتية.

-القيام باستثمارات لبناء قاعدة صناعية، وبخاصة في مجالات الصناعات الثقيلة لا تعطي أكلها إلا في الأجلين المتوسط والبعيد: وهذه القاعدة ضرورية لبناء أسباب القوة العربية وللتخفيف من حدة التبعية، إذ أثبتت تجربة القطاع الخاص في الوطن العربي، وبصورة عامة، أنه يركز على القيام بتلك الفعاليات ذات الربح العالي والسريع وعلى المضاربة في العقارات، وعلى إقامة صناعات استهلاكية خفيفة يمكن اعتبار جزء منها ذا فائدة محدودة أو من دون فائدة على الإطلاق.

-تنفيذ استثمارات ذات ربح خاص منخفض أو من دون ربح خاص، وفي الوقت نفسه ذات عائد اجتماعي مرتفع كالاستثمارات في مجال تحسين البيئة وتجميل المدن.

-إشباع بعض الحاجات الأساسية للناس كتأمين المنازل رخيصة الأجر أو الثمن، والعناية الصحية المجانية أو شبه المجانية والتعليم المجاني أو شبه المجاني، والمواصلات العامة الرخيصة، وتمويل ذلك عبر الفائض الاقتصادي المتاح. فالقطاع الخاص المدفوع بحافز تنظيم الأرباح الخاصة لا يقوم بتأمين هذه الحاجات الأساسية بأسعار يمكن دفعها.

و-يتعين إزالة الإعفاءات الضريبية والامتيازات الأخرى الممنوحة لاستثمارات القطاع الخاص في مجالات عديدة، إذلا أرى مبررا لمنح إعفاءات وامتيازات كهذه لأصحاب الاستثمارات ولا أعطي المعاملة نفسها للعالم الفيزيائي وللعامل على خط الإنتاج، وللمدرس الابتدائي وللجندي الذي يحمي الثغور مثلا. وإذا تم كل ذلك، فالتساؤل هو من أين ستأتي الموازنة بمواردها؟ فعملية التنمية هي محصلة لجهد المجتمع العامل ككل.

ز-التقليل بقدر الإمكان من الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وبخاصة تلك التي لا تتضمن زيادة في الطاقات الإنتاجية العربية وإنما تتضمن إحلال ملكية أجنبية محل ملكية وطنية، وقصر الاستثمارات الأجنبية المباشرة على تلك التي تتضمن نقل تقانة عالية.

ح-يتعين تعريض الصناعة لقدر من المنافسة الأجنبية. وهذا يتضمن أن تكون الحماية على مستوى معقول، وأن تستند كقاعدة على الرسوم الجمركية، بينما تكون إجراءات المنع هي الاستثناء وفي حالات تقتضيها مثلا اعتبارات الأمن القومي والاعتبارات الأخلاقية للمجتمع.

ط-الحيلولة دون نزوح الرساميل الخاصة إلى الخارج وقصر التحويل على حساب الرساميل لميزان المدفوعات على تسديد قروض خارجية وعلى أرباح استثمارات أجنبية مباشرة وعلى تمويل إعادة رأس المال الأجنبي المستثمر، وبحسب ما تم الاتفاق عليه بين الدولة المضيفة والمستثمر الأجنبي. وفي حال الأقطار العربية التي تقبل بحرية التحويل على حساب الرساميل لموازين مدفوعاتها، كالأقطار العربية الخليجية ولبنان، فيتعين عدم السماح للأجانب شراء اسهم وسندات ووسائل الدين الأخرى التي تصدرها هذه الأقطار أو الشركات العاملة فيها والمقومة بالعملة المحلية. والهدف هو الحيلولة دون مضاربة الأجانب فيها.

ي-القيام بحملة عربية واسعة لمقاومة ظاهرة الفساد والرشوة والعمل لإصلاح الإدارة والأداء الحكومي في الأقطار العربية وتحصين الدولة من محاولات الاختراق الأجنبية أو الطفيلية على حساب المال العام.

ك-يجب تحجيم الفئات الكمبرادورية والطفيلية التي تجني ثروات كبيرة من دون جهد إنتاجي.

ل-يتعين إعطاء أهمية قصوى للتعليم ولرفع مستواه في الوطن العربي وتمكين المواطنين العرب أو نسبة عالية منهم من الحصول على المعارف والتقانات والمهارات التي يتطلبها العصر الحديث، إذ يشكل ذلك دعامة أساسية في بناء قوة الوطن. ويجب تعزيز هذه الدعامة عبر غرس الروح القومية وتجذير الثقافة العربية اللتين تساهمان في توحيد الوطن والأمة. كما يجب تأمين مجانية التعليم في جميع مراحله، إذ يساهم ذلك في تقليص عدم المساواة في الفرص، ويساهم تاليا في تحقيق درجة أفضل من الحراك الاجتماعي.

م-يتعين الانغلاق ما أمكن (رغم أن ذلك صعب في عصر الانترنت والأطباق الفضائية) على استيراد بعض أنماط الثقافة المبتذلة من الخارج، وبخاصة تلك الأفلام التلفزيونية التي تعتمد على الإثارة والعنف والجنس وتحاول تعميم قيم السوق الرخيصة. كما يتعين عدم السماح باستيراد أفلام تعرض في صالاتنا السينمائية أو على شاشات التلفزيونات العربية تشكل دعاية رخيصة لمصلحة أمة معينة وضد أمة أخرى، وبخاصة إذا كانت هذه الأخيرة الأمة العربية، إذ لم تتعرض حديثا أمة للإهانة المستمرة والعنصرية والواسعة الانتشار في وسائل الإعلام الأمريكية كما تعرضت له الأمة العربية. فإذا كان اليهود يقاطعون حتى الآن الأفلام التي تظهر فيها الممثلة الانكليزية الكبيرة فينسا رادغريف بسبب تعاطفها مع الفلسطينيين، فيجب على العرب مقاطعة أي فيلم قام بالدور الرئيسي فيه ممثل شارك أو ممثلة شاركت في أفلام عنصرية ضد العرب. إننا ببساطة بحاجة إلى المزيد من الغضب الفعال. وبالمقابل يجب الانفتاح على كل ما هو قيم وخير في الحضارات المعاصرة.

4 - في الديمقراطية باختصار مكثف: والتساؤل الآن هو من سيقوم بتنفيذ المشروع القومي الذي ذكرنا أعلاه بعضا من عناصره. هل يمكن الاعتماد على الأنظمة العربية وأغلبها متقاعس في مجال الأمن القومي، وفي مجال التكامل الاقتصادي، وفي مجال تحقيق التنمية العادلة والمستقلة. في رأيي إن مفتاح الحل يعتمد على تعبئة الشعب العربي وراء ما تم اقتراحه أعلاه من إجراءات وما يمكن أن يقترحه آخرون من إجراءات مرغوبة. ومن الصعب أن تتم في المرحلة الراهنة تعبئة الشعب العربي من دون انتشار الديمقراطية. فالديمقراطية كجوهر تعني احترام حقوق الإنسان كافة، وبصورة تؤمن التوازن بين حق الفرد من جهة، وحق المجتمع من جهة أخرى. فهذه الحقوق مرغوبة بذاتها ولذاتها. كما أن الديموقراطية تشكل نهجا في الحكم وطريقة في الحياة ووسيلة ضرورية في المرحلة العربية الراهنة لتعبئة قوى الشعب العربي وراء عملية التغيير المرغوب في الواقع العربي.

 

الهوامش

1 - John Maynard Keynes, "The End of Laissez-Faire (1926) ", in: Essays in Persuasion (London, New York: W.W. Noron and Co., 1963), pp. 312-313.

2 - من الكتاب الذين تبنوا هذا المفهوم للعولمة بدرجة أكبر أو أقل انظر:

M.Horsman and A. Marshall, After the Nation State (London: Harper Collins, 1994), K. Ohmae, The Borderless World (London: Collins, 1990) , and R. B. Reich, The Work of Nations (New York: Knoph, 1991).

ويقول روبرت رايخ في كتابه المذكور أعلاه "بما أن كل عامل من عوامل الإنتاج تقريبا… أصبح ينتقل بدون جهد عبر الحدود فإن فكرة (وجود) اقتصاد أمريكي أصبحت بدون معنى"، ص 9.

ولعل أكثر التعاريف تطرفا للعولمة وأنها تتضمن زوال سيادة الدولة الرد المتصور لوزير مالية أمريكا روبرت روبن (والذي تضمنه مقال الصحافي الأمريكي توماس فريدمان) على رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد. فخلال الاجتماع السنوي في أيلول/سبتمبر هذا العام لمجلس محافظي المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي في هونغ كونغ، هاجم هذا الأخير شرور العولمة والمضاربين في أسواق العملات والأسهم، وبخاصة جورج سورس المضارب المعروف، واتهمهم بأنهم كانوا وراء الأزمة المالية التي عانت منها بعض بلدان جنوب شرق آسيا منذ صيف هذا العام. كما انتقد القوى الكبرى لإجبارها بعض البلدان الآسيوية على فتح أسواقها للمتاجرين في العملات والأسهم والسندان ولتدميرها اقتصادات هذه البلدان وقدراتها التنافسية في الأسواق العالمية. وتضمن الرد المتصور لوزير مالية أمريكا-ضمن أشياء أخرى- ما يأتي:

"اعذرني محمد، ولكن على أي كوكب أنت تعيش؟ إنك تتكلم عن المشاركة في العولمة كأن ذلك يتضمن خيارا متاحا لك. العولمة ليس خيارا وإنما حقيقة واقعة. يوجد اليوم سوق عولمة واحدة. والطريقة الوحيدة الممكن أن تنمو فيها هي اللجوء إلى أسواق السندات والأسهم للحصول على الاستثمارات وبيع ما تنتجه مصانعك في أسواق العولمة التجارية. كما أن أهم حقيقة حول العولمة هي لا أحد يسيطر أيها الأبله. أسواق العولمة تشبه الانترنت، كل يوم تحكينا بدرجة أكثر التصاقا. ولا يوجد أحد في مركز السيطرة، لا جورح سورس، ولا القوى الكبرى ولست أنا…

فسوق العولمة اليوم عبارة عن قطيع الكتروني من متاجرين مجهولين بالعملات والأسهم وسندات المشاركة يجلسون وراء أجهزة الكومبيوتر… وهؤلاء لا يعترفون بالظروف الخاصة (لأية دولة)، وإنما يعترفون فقط بقواعدهم. وهي لحد بعيد متسقة. فهم يحددون نسبة الادخار التي يجب أن تحققها دولتك، ومستوى الفوائد ونسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي، مستوى عجز ميزان المدفوعات الجاري. فالقطيع يرعى في 180 دولة، لذلك ليس لديه الوقت لأن ينظر إلى وضعك بالتفصيل. إنه يتوصل إلى أحكامه بصورة خاطفة عما إذا كنت تعيش استنادا إلى قواعده…" انظر:

Thomas L. Friedman, "Excuse me, Mohamed", New York Times (20 Septembre 1997).

أما مجلة الأيكونوميست البريطانية الليبرالية، فترى أن مقولة الانحسار الكبير في سيادة الدولة القومية هي بمثابة خرافة على الرغم من أنها ترحب بأن تسيطر قوى الأسواق المالية وتلزم الحكومات باتباع سياسات تعتبرها رشيدة، انظر:

The Myth of the Powerless State ", Economist (7October 1995), pp. 13-14, and "The Survey of the” World Economy ", Economist (7October 1995).

3 - تقضي هذه المادة بشكل عام بإزالة القيود النقدية على المدفوعات الخارجية الجارية وإزالة أسعار الصرف المتعددة. بكلمات أخرى، تقضي بحرية تحويل العملة المحلية إلى عملات أجنبية قابلة للتحويل على الحساب الجاري لميزان المدفوعات.

4 - مصدر الرقم: International Monetary Fund [IMF], World Economic Outlook (October 1997), Table no. (7), p.29.

5 - المصدر لعدد الدول: International Monetary Fund [IMF], International Financial Statistics (May 1997), p.3. 6 - مصدر الأرقام: International Monetary Fund [IMF], World Economic Outlook (May 1997), Table no.(15), p. 64.

7 - مصدر الأرقام: The Myth of the Powerless State, p. 13”

8 - ساهمت النسبة الكبيرة في إنفاق أمريكا على السلاح وتمويل أغلبه عبر عجز الموازنة في الثمانينيات في تحقيق عجز كبير في ميزان مدفوعاتها على الحساب الجاري مع اليابان، وفي تمكين الأخيرة من تحقيق فائض مقابل على الحساب ذاته مع أمريكا. وانعكس هذا لدرجة كبيرة في تدفق الاستثمارات اليابانية إلى أمريكا.

9 - حول هذه الناحية انظر:

Paul Hirst and Graham Thompson, Globalization in Question (Cambridge, England: Polity Press, 1996), pp. 96-98.

10 - هذه البلدان هي التالية: البحرين، إيران، العراق، الكويت، ليبيا، عمان، قطر، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية، قبرص، مصر، الأردن، لبنان، اليمن، مالطا، سوريا، تركيا.

المصدر: International Monetary Fund [IMF], World Economic Outlook (October 1997), Table ( C), p. 137.

11 - مصدر أرقام الاستثمارات المباشرة من المصدر نفسه، الجدول رقم (7)، ص 29. واحتسبت أرقام الناتج المحلي الإجمالي من التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1996 ومن:

International Minetary Fund [IMF], International Financial Statistics (May 1997).

12 - تجد هذه الدول دعما لموقفها هذا في المادة السادسة من اتفاقية صندوق النقد الدولي والتي تسمح له بالا يمول عجزا في ميزان المدفوعات لأية دولة سببه نزوح الرساميل منها، وأن يطلب من الدولة المعنية وضع قيود على نزوحها، وإذا لم تفعل ذلك يحق للصندوق أن يعلن عدم جدارتها باستعمال موارده في الحساب العام. ومنذ أوائل الثمانينيات ونتيجة ضغط الرأسمالية المالية العالمية بدأ الصندوق يدعم عمليا حرية انتقال الرساميل. وعلى الرغم من أن ذلك لا يخالف قانونيا نص المادة السادسة المذكورة إلا أنه يخالف روحها. فضلا عن ذلك، أن الأزمات المالية التي نشأت أو تفاقمت نتيجة هذه الحرية زادت من حاجة الدول المتعرضة لهذه الأزمات إلى اللجوء إلى دعمه التمويلي. وهذا أدى إلا توسيع نطاق سيطرته ونفوذه .. وبطبيعة الحال كان للصندوق مصلحة في ذلك. وتجري في الوقت الراهن محاولات لإلغاء المادة السادسة ولتعديل اتفاقيته، بحيث يعطي مستندا قانونيا للعمل على تأمين حرية انتقال الرساميل.. حول المطالبة بذلك انظر محاضرة ستانلي فيشر النائب الأول للمدير العام لإدارة الصندوق.

Stanley Fischer, Capital Account Liberalization and the Robe of the IMF (Washington, DC: International Monetary Fund 1997), especially p. 11.

13 - تجدر الإشارة إلى أن عدم تأثر هذه الدول أو عدم تأثرها بدرجة معتبرة بمضاربات المستثمرين الأجانب لا يعني أنها غير خاضعة للتأثر بمضاربات ذات مصدر أساسي داخلي ومن قبل مواطنيها.

14 - حول عمليات الدعم المتبادل بين المصارف المركزية للمراكز الرأسمالية، انظر:

Charles A. Coombs, The Arena of International Finance (New Tork, London: John Wiley and Sins, 1976), particulary pp. 74-78.

15 - حول هذه الناحية انظر:

Economic and Social Commission for Western Asia, Stock Markets in the ESCWA Region, 1994, p.1.

16 - حول السوق العربية المشتركة، انظر الحوار الذي أجرته صحيفة البعث السورية مع كاتب هذه الأسطر والمنشور في عددها بتاريخ 21/7/1997. انظر أيضا أجوبة هذا الكاتب عن الأسئلة التي طرحتها مجلة المستقبل العربي على عدد من المثقفين العرب حول "الأوضاع العربية الراهنة وسبل تجاوز اللازمة"، المستقبل العربي (تشرين الثاني/نوفمبر 1997)، ص 93.

17 - Roger Owen, The Middle East in the World Economy, 1800-1914 (London: Methuen, 1981), pp. 52-53.

كما وردت في: لبيب شقير، الوحدة الاقتصادية العربية: تجاربها وتوقعاتها، 2ج (بيروت مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، الهامش رقم (9)، ص 255.

18 - إن ظاهرة سوء التوزيع المذكورة موجودة في الدول الرأسمالية المتقدمة على الرغم من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، وعلى الرغم من التأمينات والخدمات الاجتماعية المقدمة. ويعود فشل المراكز الرأسمالية في تحقيق توزيع أقرب للعدالة إلى أن كل ما قامت به من تدخل ومن تقديم تأمينات وخدمات اجتماعية لم يؤثر جذريا في نمط النمو الرأسمالي. وحين استفحل هذا النمط في أمريكا وبريطانيا مثلا منذ أوائل الثمانينيات تفاقم سوء التوزيع فيهما. ولقد ذكر الاقتصادي الأمريكي المعروف روبرت علبرونر أن عقد الثمانينيات في أمريكا اتصف "بانخفاض متواصل في الدخول الحقيقية لكل العائلات ما عدا تلك المتربعة على أعلى القمة… فحوالي سبعين بالمائة من الزيادة في الثروة القومية خلال عهد (رئاسة) ريغان ذهبت إلى أغنى الواحد بالمائة من العائلات، بينما انخفضت الدخول الحقيقية لحوالي سبعين مليون عائلة تشكل الأربعة أخماس الأدنى من العائلات". انظر:

Robert Hilbroner, "The Deficit: A Way out, "New York Review of Books (19 November 1992).

19 - تضمن تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن التنمية البشرية لعام 1996 أرقاما مذهلة لسوء التوزيع في الثروة والدخول على مستوى العالم. ونكتفي هذا بذكر ما يأتي "فاليوم يعادل صافي قيمة أغنى 358 شخصا في العالم. وهم أصحاب البلايين الدولارية، دخل أفقر نسبة(45) بالمائة من سكان العالم مجتمعين-وعددهم 3،2 بليون نسمة، وهذه بالطبع مقارنة للثروة والدخل. ولكن المقابلة بين الثروة وحدها، إذا تسنت، ستكون صارخة بدرجة أكثر نظرا لأن ثروة أشد الناس فقرا تكون أقل عموما بكثير من دخلهم". انظر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية لعام 1996 (نيويورك: البرنامج، 1996)، ص13.

20 - المصدر نفسه، ص 38.