ص1      الفهرس    المحور 

الإسلام والغرب - الجوار المفقود

بقلم المستشرق الألماني: جيرنوت روتر

ترجمه عن الألمانية وعلق عليه:ثابت عيد

1 - الإسلام - العدو الوهمي الجديد للغرب:

كان الأمر بسيطا جدا في العقود الماضية - منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الدول التي تبنت نظرية الخلاص الشيوعية - : فنحن كنا الأخيار، أو الطيبين - أما الأشرار - الأعداء - فكانوا دائما الآخرين. هكذا كان الغرب الرأسمالي ينظر إلى الشرق الشيوعي، مثلما كان الشرق الشيوعي ينظر إلى الغرب الرأسمالي. وامتد الثنائي القطب شرقا وغربا، أو إيديولوجيا يسارا ويمينا، إلى داخل المجتمعات الفردية. لقد كانت صورة العدو الوهمي das Feindbild بسيطة بمثل كونها سهلة الفهم. ومع انهيار المعسكر الشرقي 1989-1990م أصيبت صورة العدو الوهمي هذه بالتصدع والشروخ. وأخيرا عفى عليها الزمان، وأصبحت غير صالحة للاستعمال من قبل القادة العسكريين ومنتجي السلاح، أو المسؤولين السياسيين، لمواصلة تبرير ارتفاع النفقات العسكرية في الغرب. وعندما انقض صدام حسين على الكويت، بعد ذلك بشهور قليلة، مهددا بذلك، كما يقال، إمدادات الغرب بالطاقة، جاء هذا الاعتداء في الوقت المناسب تماما. كان التوقيت دقيقا إلى درجة أن البعض لم يشأ أن يصدق في الواقع أن هذا قد حدث من قبيل الصدفة، ليقدّم بـ"العالم المتمدين" عدوا وهميا جديدا: الإسلام. وحتى الخميني نفسه، ذلك المتشدد Fundamentalist الحقيقي، لم يتمكن قبل ذلك بعشر سنوات من خلق مثل هذه الأجواء المعادية للإسلام والشرق. وعن قصد تجوهلت حقيقة أن المجرم السياسي صدام حسين يمثل الإسلام بالقدر نفسه الذي يمثل به نوريجا المسيحية مثلا. وبعد ذلك شيّدت البنية العلوية الإيديولوجية لصورة العدو الوهمي الجديد.

 

2 - صامويل هانتينجتون وصراع الحضارات:

في سنة 1993 قدّم صامويل هانتينجتون Samuel Huntington - وهو على كل حال مدير المعهد الشهير للدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد -الدعوى Thèse بأن الصدامات العسكرية المستقبلية ستحدث على طول الشريط الواقع بين المناطق الحضارية، وخاصة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. بواسطة مثل هذه الدعاوي يتم الترويج للصدامات المستقبلية على أنها صدامات لا يمكن تحاشيها، أو تكهنات تتحقق من تلقاء نفسها :Self-fulfilling prophecies - وكان الاستقبال الإيجابي لهذه الدعوى في وسائل الإعلام الغربية مخيفا حقا. وهو في رأيي لا يثبت، إلا أن حرب الحضارات المتنبأ بها قد بدأت بالفعل في عقول الغربيين قبل ذلك بوقت طويل.

3 - نقاط الاتفاق ونقاط الخلاف بين الأديان الثلاثة:

إن التنافر، أو عدم التوافق Inkompatibilitaet، المزعوم بين الفكر الإسلامي -ومن جهة نظر الغربيين الفكر العربي في المقام الأول- والفكر الغربي، هو بالنسبة لكتاب كثيرين حقيقة لا ريب فيها. وكون نقاط الاتفاق بين الإسلام والمسيحية واليهودية تفوق نقاط الخلاف بينها، هي حقيقة يندر حتى إظهارها أو إبرازها. فمنشأ الديانات الثلاث هو عالم شبه الجزيرة العربية السامي، وسيدنا إبراهيم هو الأب الأول المشترك لها، والتوحيد الأبوي هو رسالتها المشتركة، والوحي الإلهي هو وسيلتها المشتركة، وهي جميعا تقرّ بأن الجنة والنار هما جزاء العمل في الحياة الدنيا. وكما أن محمدا (صلعم) كان مقتنعا بأن ما تلقاه من وحي يطابق الوحي الذي كان موجها أصلا إلى اليهود والمسيحيين، فكذلك اعتقد مسيحيو الشرق لفترة طويلة أن الإسلام ليس إلا صورة جديدة من المسيحية. نقطة أخرى تجمع بين هذه الأديان، ولكنها في الوقت نفسه أكبر عامل يفرق بينها، هي ادعاء الحوز على الحقيقة المطلقة، وليس من المنتظر في الوقت الحالي قيام حوار بين أديان التوحيد الثلاثة، لأن ذلك يعني أن الديانات الثلاث عليها أن تعترف جميعا -الثلاث وليس فقط الديانتان الأخريان دائما- أنها نسخ متشابهة جدا من الأصل المفقود، كما وصف ذلك بجلاء لينسج Lessing(1) في قصته Ringparabel. سينتج عن ذلك مذهب مجرد مستنير للألوهية الطبيعية Deismus(2)، وهو على الأرجح تصور مذعر لمعظم علماء الدين في الديانات الثلاث.

4 - الجهل كأحد أسباب سوء الفهم:

بيد أن الأمر في التصورات العدائية Feindbider المتبادلة لا يتعلق بمسائل الخلاف العقائدية على الإطلاق، أو يحدث هذا عرضا فقط على أحسن تقدير. فالتناقض لا يبنى عند كلا الطرفين بين الإسلام والمسيحية، ولكن بين الإسلام والغرب. وهذا يعني أن نقطة الانطلاق تتمثل في كتلتين ثقافيتين متجانستين، تسمى الأولى باسم دينها، والثانية باسم موقعها الجغرافي. وهكذا يتم النقاش على مستويين مختلفين. وطبقا لذلك كثيرا ما لا يتفاهم الطرفان. ولكن سوء الفهم له أيضا سبب آخر هو أن كل فريق يعتبر تصوراته الخاصة بالقيم بديهية وصحيحة، وأن كل ما يخالف هذه التصورات -حقيقة أو خيالا- ينظر إليه على أنه سلبي وخاطئ. ولنضرب مثالين لذلك من القرون الوسطى. المثال الأول: إن مؤلف ملحمة رولاند Rolandslied(3) يجعل العرب يعبدون محمدا (صلعم) وأبولو Apollo وتيرفاجانت Tervagant. فالثالوث المسيحي كان حقيقة بديهية في عقول الغربيين إلى الحد الذي جعلهم يتهمون المسلمين به أيضا. كذلك فإن عبادة محمد (صلعم)، كمؤسس دين، على التوازي مع عبادة المسيح، هي نقل خاطئ تماما للتصورات الذاتية. المثال الثاني يتمثل في تهمة أخرى محببة كانت تقول إن المسلمين يعبدون - بجانب الله - فينوس Venus : إلاهة الحب عند الرومان. ومما استند إليه أصحاب هذا الزعم قولهم بأن المسلمين قد رفعوا من شأن يوم الجمعة، وجعلوه أفضل أيام الأسبوع، وأن يوم الجمعة (dies veneris - vendredi, venerdi)(4) قد كان في القرون الوسطى اللاتينية هو يوم فينوس Venus: إلاهة الحب عند الرومان، بينما كان يوم الأحد (domenica dies, dimanche)(5) هو يوم الإله. كذلك يصادف المرء في المعالجات الحديثة لقضايا الشرق الأوسط بصورة مستمرة تعبيرات غربية يتم فرضها على هذه القضايا العربية. فمثلا في الحرب الأهلية اللبنانية كان المسلمون بالنسبة لوسائل الإعلام الغربية هم "اليساريين"، وكان المسيحيون هم "اليمينيين"، بالرغم من أن هذه المسميات لا أساس لها من الواقع.

5 - خطأ مساواة الإسلام بالتطرف والعنف:

وأخيرا فإن قصور الغرب عن الفهم ناتج عن مساواة وخيمة العواقب للإسلام بحركات التطرف التي اتخذت من العنف أسلوبا لها. إن تنوع التيارات المختلفة داخل الإسلام لا يلاقي لدى الغرب أي اهتمام يذكر: حيث أن هناك الإسلام الشعبي والتصوف، وكذلك التيار التقليدي والتيار الإصلاحي، ناهيك بالطبع عن طبقات المثقفين الذين يؤمنون بالإسلام كديانة، ولكنهم في الواقع مسلمو الثقافة فحسب، مثلما يشعر بعض الأوربيين المنكرين لوجود الله بالانتماء كلية إلى الثقافة الغربية ذات النزعة المسيحية. بل إن الغربيين يركزون أبصارهم على من يطلق عليهم" المتطرفين" Fundamentalisten - الذين يسمون أنفسهم بالمناسبة "إسلاميين" - ويتجاهلون في ذلك حقيقة أن التنوع الإسلامي نفسه يظهر تشكيلة واسعة من التيارات تمتد من الحركات المسالمة حتى جماعات الإرهاب المسلحة. ويبدو أن التفريق يتم بصمت بين المتشددين الطيبين أو الأخيار، مثل السعوديين، والمتشددين الأشرار، مثل الإيرانيين، لأن ذلك يخدم المصالح السياسية والاقتصادية للغرب.

6 - الإسلام في الكتب المدرسية الألمانية:

إذا تصفح المرء كتب التاريخ المدرسية الألمانية، سيجد أن اتصال الغرب المسيحي بالعالم الإسلامي قد تراجع وانحصر في ثلاثة أحداث عسكرية. أولها هي معركة بلاط الشهداء المسماة موقعة تور وبواتييه Tours und Poitiers سنة 732م -التي أنقذ فيها كارل (= شارل) مارتل Karl Martell الغرب- كما يقال -من الاجتياح الإسلامي، وهو ما يعتبر هراء تاريخيا، لأن الأمر من وجهة النظر الإسلامية كان يتعلق بمجرد حملة من الحملات التقليدية، عديمة الأهمية تماما من الناحية الاستراتيجية العسكرية في أرض العدو. وبالرغم من ذلك فما زال تمجيد هذا الحدث التاريخي يمثل جزءا من المعارف الأساسية في الغرب. ويتبع ذلك الحملات الصليبية والتي وإن لم يعد الغرب اليوم يمجدها كعمل بطولي عظيم، إلا أن الحسرة على فقدان القدس تظهر تلميحا في كل ما يقرأه المرء أو يسمعه عن هذا الموضوع. إن كون صلاح الدين وخلفائه - بطردهم الصليبيين - قد صانوا الشرق الأوسط من السيطرة الغربية، هو حقيقة لا يقدّرها الغرب. وفي مقابل ذلك يتم تقريظ الأمير أويجن Prinz Eugen "الفارس النبيل"، كمنقذ للغرب والمسيحية، لأنه أدّب الأتراك، ووضعهم عند حدودهم. كل هذا يجري في الغرب تحت الشعار الذي يبدو أنه لا يمكن استئصاله، القائل بأن مقصد الإسلام الوحيد هو التوسع "بالنار والحديد". إن سعي بعض الدول -التي اتفق أن حكامها في ذلك الوقت كانوا مسلمين- إلى التوسع -تماما مثلما فعلت ذلك دول أخرى كان يحكمها مسيحيون، مع ملاحظة أن أوضاع المسيحيين في حالة الفتح الإسلامي كانت في العادة أفضل بكثير من العكس- هو في الواقع حقيقة معروفة لا جدال فيها، ولكنها لم تتمكن فيما يبدو من فرض نفسها على الوعي الأوروبي. وتمثّل أسطورة النار والحديد أحد أوجه أهم فكرة نمطية ثابتة في إطار المشاعر العدائية تجاه الإسلام Feindbidtopos- أي أن الإسلام والمسلمين جميعا يتسمون أصلا بالعنف والعدوانية، وبذلك فهم يمثلون تهديدا للحضارة الغربية. ولم يتغير شيء من هذه الصورة منذ القرون الوسطى، برغم كافة الخبرات التاريخية.

7 - الخبراء المزيفون:

وإذا كان المرء في ذلك الوقت قد استمتع بتصوير محمد (صلعم) كوحش شيطاني مخيف، وبالروايات التي تصف المسلمين وهم يقطعون أطراف الصليبيين وهم أحياء، وينزعون أحشاءهم من أجسامهم برافعة-فقد احتل مكان ذلك اليوم ما يطلق عليه "الكتب التخصصية" Sachbuecher التي تكشف عناوينها بصورة كافية عن مقاصد مؤلفيها، مثل: "سيف الله" (Allahs Schwert)، و"سيف الإسلام" (Das Schwert des Islam)، و "السيف الأخضر" (Das gruene Schwert)، الخ. ثم يأتي علاوة على ذلك الحديث عن "مشاعر الجماهير الإسلامية الحماسية التي لا يمكن التنبؤ بها" (على حد تعبير الصحفي الألماني شول لاتور Scholl-Latour)، تماما مثل الحديث عن "الرغبة العربية في تدمير الذات". ويتم تقييم 1400 سنة من التاريخ العربي بعبارات مثل: "إن حلم تأسيس وطن عربي كبير قد تبدد منذ سنة 622م، بصورة متكررة مع المذابح والاغتيالات والثورات وأعمال العنف. لقد قضت نشوة القتل والاستشهاد في مراحل متقطعة على محاولات بناء دولة مستقرة ذات توجهات عقلانية". بغض النظر عن أن "حلم تأسيس وطن عربي كبير" لم يظهر منذ سنة 622م، ولكن على أكبر تقدير منذ نهاية القرن التاسع عشر، تحت تأثير فكرة الدولة القومية الأوروبية، وهو ما يجعل ملاحظة الخبير السابق لشؤون الشرق الأوسط جيرهارد كونسلمان Gerhard Konzelmann لا أساس لها من الصحة التاريخية-تظهر هنا علاوة على ذلك- مثلما هو الحال عند مؤلفين كثيرين آخرين أيضا-بجانب العنف- فكرة نمطية مبتذلة أخرى هي: الزعم بلاعقلانية المسلمين عامة والعرب خاصة.

8 - الغرب لا يفهم معنى الجهاد:

إن ما يتخلل تبريرات الزعم بأن الإسلام هو دين عنف كنغمة أساسية هو فكرة الجهاد. يقينا يعتبر "الجهاد في سبيل الله" فرضا على أمة الإسلام، ويمكن أن يتخذ صورة الكفاح المسلح. والواقع أن الجماعات الإسلامية المتطرفة قد أعلنت الجهاد شعارا لها، لإضفاء صفة الشرعية الدينية على أعمالها الإرهابية. ولكن أين يحصل كبار علماء الدين الإسلامي في وسائل الإعلام الغربية على منبر-أو مجال أو فرصة- ليوضحوا من خلالها أن فريضة الجهاد المسلح تقتصر على حالة الدفاع فحسب؟ أو ليشرحوا أن "الجهاد في سبيل الله" بالمعنى الأصلي للكلمة يعني فرضا أخلاقيا وروحانيا؟ وأن يشجبوا إرهاب الجماعات الإسلامية المتطرفة على أنه غير إسلامي البتة؟

9 - وجهة النظر الإسلامية:

إن الاتهام الدائم الذي يوجهه الغرب إلى الإسلام بأنه في الحقيقة دين عدواني، ينظر إليه من جانب المسلمين على أنه نفاق صرف. وفي كتابات المتشددين المسلمين تقلب هذه التهمة أيضا وتوجه إلى الغرب. ويتم تبرير ذلك في أغلب الأحوال بحقائق تاريخية محددة، بداية من الحروب الصليبية، ومرورا بالقضاء على المسلمين واليهود في إسبانيا وطردهم منها، وعبورا بمحاكم التفتيش، حتى عصري الاستعمار والانتداب، وانتهاء بتأسيس دولة إسرائيل (التي ينظر إليها على أنها وليد الاستعمار الغربي الحديث)، وسياسة الاقتصاد العالمي التي توصف بأنها استغلالية وإمبريالية، والتي يمارسها الغرب بمساندة بعض الحكومات المطيعة في الشرق الأوسط. الشعار المتداول: البترول، كذلك فإن التدخل المستمر في الشؤون الإسلامية أو العربية الداخلية، مع ادعاء الولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة على الكرة الأرضية برمتها، والذي يمكن استنتاجه على أبعد تقدير منذ حرب الكويت-كل ذلك يفهم في هذا السياق. وكون التهديد الجسدي للمسلمين من جانب المسيحيين ما زال مستمرا بصورة عينية ملموسة، فهو ما يقوم به الصرب في الوقت الحاضر بممارستهم للتطهير العرقي في البوسنة. وهي بالمناسبة حقيقة يحلو للصحافة العربية أن تنظر إليها على أنها في الوقت الحالي آخر أعمال محاكم التفتيش.

10 - المخاوف متبادلة:

إن مخاوف الغرب بأنه مهدد من قبل العالم الإسلامي، وهي مخاوف يتم تشجيع ترويجها عن قصد، تقابلها مخاوف الشرق الأوسط من التهديد المستمر من قبل الغرب. فإذا استعرضنا تاريخ القرن العشرين بالذات والظروف السياسية الخاصة بسياسية القوة، سنجد أن الخوف في الحالة الثانية له ما يبرره، لأن التهديد فيها حقيقي. ويصاحب الإحساس بالتهديد المادي إحساس آخر قوي بالتهديد من قبل الثقافة الغربية. ويقابل الوهم الغربي القائل بعدم عقلانية الشرقيين، وهم المتشددين الإسلاميين القائل بالانحطاط الروحاني للغرب. وهنا يتم التفريق بوضوح بين الاكتشافات الخاصة بعلوم الطبيعة من ناحية-والتي لا ينظر إليها، إلا باعتبارها امتدادا منطقيا للمعارف والعلوم التي ورثها الغرب عن عرب القرون الوسطى، وهي اكتشاف يقبلها المسلمون ولا يعترضون عليها-ومن ناحية أخرى بين الفكر المادي الصرف الذي ينظر إليه على أنه فكر "منحط"، وليس دينيا، بل إنه ضد الدين، وما يتبع ذلك من الإعلان عن انحلال المعايير الأخلاقية في الغرب. ويعبر كل من عالج هذه الموضوعات-على الأقل بين السطور-عن الخوف من فقدان الهوية الحضارية.

11 - المرأة في الإسلام:

بجانب عدوانية الإسلام، تحتل مكانة المرأة في المجتمعات الإسلامية مقاما متميزا في برنامج الغرب الخاص بصورة العدو الوهمي. وهذه أيضا فكرة نمطية ثابتة Topos تعود جذورها إلى القرون الوسطى، بيد أن بعض مظاهرها قد تغير كلية في تلك الأثناء. فقد نتج عن التصورات الإسلامية الخاصة بالجنة، وما فيها من حور العين ذوات البكارة الأبدية، وكثرة زوجات النبي (صلعم)، والحق الشرعي لكل مسلم في الزواج من أربع نساء-أن القرون الوسطى المسيحية صورت الإسلام على أنه الوليد الشهواني للشيطان، ومحمدا (صلعم) على أنه وحش جنسي آثم. وهكذا كتب في نهاية القرن الحادي عشر رئيس كاتدرائية مدينة ماينتس Mainz في ألمانيا -ايمبريخو Embricho، يقول إن المسلمين يختفلون:" بجميع أشكال الزواج التي تحرمها الشريعة الإلهية. ولأنهم جردوك، أيتها الطبيعة، من حقوقك غصبا- تسعى المرأة إلى ممارسة السحاق مع نظيرتها، ويمارس الرجل اللواط مع مثيله. بل وخلافا للتقاليد، يجامع الشقيق شقيقته، ولا تمانع الأخت المتزوجة أن يباضعها أخوها الشيطان. الأبناء يهتكون عرض أمهم، والبنت تغتصب أباها. وكل ما هو محبب على هذا المنوال،كانت الشريعة الجديدة(= الإسلام) تحلله". نظرا لمثل هذه الكتابات السطحية الوضيعة، لا يستطيع المرء أن يتخلص من الإحساس بأن هؤلاء الكتاب قد أرادوا إشباع تخيلاتهم الجنسية الشاذة من ناحية، وسعوا من ناحية أخرى إلى صرف الأنظار عن أوضاع معينة موجودة بالفعل في الغرب المسيحي، بما في ذلك الأديرة المسيحية، أو أنهم أرادوا توجيه الموعظة إلى الآثمين في المجتمعات الغربية. وبالرغم من أن الإسلام لم يعد يتصدر تصوراتنا العدائية كمركز للدعارة الجنسية والفجور في المقام الأول، إلا أن لفظ "حريم" (Harem) ما زال يلعب دورا محدودا في هذا السياق. وكون نظام الزوجة الواحدة هو القاعدة، وتعدد الزوجات هو الاستثناء، في العالم الإسلامي، فهذه حقيقة لم تتمكن من التقليل من هذه الأفكار الخاطئة، تماما مثلما لم تقلل الإباحية الجنسية الموجودة بالفعل في الغرب من تلك التصورات المشوهة عن الإسلام. وبالرغم من ذلك فلم يعد موضوع تعدد الزوجات هو أهم النقاط التي يهاجمهما الغرب، إذ احتل مكانه الفكرة النمطية الثابتة Topos الخاصة باضطهاد المرأة في المجتمعات الإسلامية. إن الرواج المنقطع النظير الذي حققه كتاب بيتي محمودي Betty Mahmoody وفيلمها "ليس بدون ابنتي" (Nicht ohne meine Tochter)- يرينا على أي تربة مخصبة بالأوهام وقع ذلك العمل الدنيء المشحون بالأقوال العنصرية.

12 - استراتيجية صرف الأنظار عن العيوب الذاتية:

وهنا أيضا لا أستطيع أن أتخلص من الانطباع بأنه من خلال تقديم الزوج المسلم المعتدي على زوجته كقاعدة، يريد الغربيون أن يجعلوا مثلا من وجود "بيوت النساء" Frauenhaeuser المخصصة للزوجات المعتدى عليهن في الغرب المسيحي نسيا منسيا. وحتى لا يساء فهمي: فليس قصدي هنا هو الدفاع عن البنى الأبوية في المجتمعات الإسلامية، ولكن هدفي هو أن أوعي وأوضح أن توظيف وضع المرأة المسلمة في خلق صور مكررة ومبتذلة للعدو، يبدو أنه يهدف في الغالب إلى صرف الأنظار عما يقابل ذلك من العيوب الذاتية القائمة في الغرب.

13 - رأي المسلمين في مكانة المرأة في المجتمع الغربي:

كذلك فإن الوهم الغربي الخاص باضطهاد المرأة في الإسلام، أو التعصب المفرط للرجال ضد النساء المبني على تفوق الرجل على المرأة Sexismus، والذي يظهر بوضوح في أنظمة الحريم, له ما يقابله بصورة معاكسة في تصورات المتطرفين الإسلاميين للغرب كعدو، حيث تصور المرأة في الغرب على أنها مستغلة، أو مسخرة جنسيا. وحق المرأة أن تسير في الشوارع شبه عارية، لا يقيم من وجهة النظر هذه على أنه حرية شخصية، ولكن ينظر إليه باعتباره إذلالا وتحقيرا للمرأة. ويوسم البغاء والمجلات والأفلام الجنسية على أنها سمات انحطاط أخلاقي. بهذه الصورة عن دور المرأة يتم الربط بوثاقة وإحكام بين انهيار البنى الأسرية وعزلة الإنسان في الغرب. وتبرز هذه الحقيقة على الأقل كأحد أسباب تعاطي المخدرات، وارتفاع نسبة الانتحار في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وكما أن الحجاب قد أصبح بالنسبة للغرب رمزا لاضطهاد المرأة في العالم الإسلامي، فكذلك صار المتشددون المسلمون ينظرون إلى الملابس المثيرة للشهوة الجنسية على أنها رمز لإهانة المرأة، وجعلها أداة للمتعة في الغرب. كلتا الاستراتيجيتين لكي يحمل كل طرف الطرف الآخر تهمة معاداة المرأة التي يمارسها هو نفسه.

14 - صورة الإسلام في الغرب بعد انتهاء الحروب الصليبية:

إن تصورات الغرب العدائية تجاه الإسلام لها جذور تبلغ من العمر ألف عام. والأصوات التي دعت إلى حوار سلمي بين الحضارتين كانت منذ القرون الوسطى حالات استثنائية، أو اقتصرت على حلقات العلماء، والتي وإن لم يعترف فيها بقيمة الدين الإسلامي، إلا أن العالم العربي كان ينظر إليه فيها بعين التقدير والاحترام. أما الرأي العام المتعارف عليه plebeia opinio، فلم يتأثر بذلك. وبعد سقوط عكا -آخر قلاع الصليبيين- سنة 1291م، وبسبب الحروب التي دارت داخل أوروبا اللاتينية-المسيحية، اختفى السراسنة die Sarazenen، كما كان العرب يسمون في ذلك الوقت، إلى حد ما من الأفق الغربي. وركز مفكرو النزعة الإنسانية(6) في عصر النهضة(7) جهودهم على التراث الكلاسيكي القديم. وشمل احتقار العصور الواقعة بينهما كل ما هو عربي.

15 - حصار الأتراك فيينا وخوف الغرب من الإسلام:

وظل الوضع هكذا، حتى زحف الأتراك المتواصل نحو أبواب فيينا، بعد فتح القسطنطينية(سنة 1453م)، سيناريو التهديد القديم مرة أخرى. وهكذا كتب مارتن لوتر Martin Luther(1483-1546م) -الذي كان يعتبر الإسلام العدو الخارجي، والبابا العدو الداخلي- سنة 1541م "دعوة للدعاء على الأتراك" (Vermanungen zum Gebet wider den Tuerken).

16 - صورة الإسلام في عصري التنوير والرومانسية:

مع الروح المتسامحة لعصر التنوير Aufklaerung (بداية من القرن السابع عشر)(8) من ناحية، وروح عصر الرومانسية Romantik (1760-1830م)(9) المتميزة بالحماسة والهيام من ناحية أخرى، وكذلك مع حركة الاستشراق التي كانت تتطور ببطء، بدا وكأن الغربيين قد تجاوزوا تصوراتهم العدائية تجاه الإسلام. وحتى الدين الإسلامي أصبح ينظر إليه الآن أحيانا نظرة إيجابية. وهكذا كتب لايبنيتس Leibniz سنة 1710 في كتابه عن نظرية العدل الإلهي Theodizee، يقول: "أيضا محمد (صلعم) Mahomet لا يبتعد عن هذه القواعد الأساسية للدين. وقام أتباعه بنشرها بين شعوب أقاصي آسيا وأفريقيا، التي لم تكن المسيحية قد وصلتها بعد. وقضوا في كثير من البلدان على الخرافات الوثنية التي كانت تتعارض مع المذهب الصادق للتوحيد الإلهي وخلود النفس".

 

17 - ليسينج وروكرت وجوته يمتدحون العرب:

ويمثل بعد ذلك كل من ليسنج Lessing (1729-1781م)، ورويكرت Rueckert (1788-1866م) وجوته Giethe (1749-1832م) في الأدب الألماني قمم نظرة تمجيدية صريحة للشرق. تحدث جوته عن العرب بحماس وهيام، ولكن حماسه هذا فتر عندما تعرض لمحمد (صلعم)، لأنه: "نصب حول العرب غلافا دينيا كئيبا، وعرف كيف يحجب عنهم الأمل في أي تقدم حقيقي". ولكن "الرأي العام"، المسمى اليوم plebeia opinio (= رأي العامة)، لم يتأثر بهذه العقليات المستنيرة.

18 - صورة المسلمين عند الكاتب الألماني كارل ماي:

وأحسن دليل على ذلك هو نجاح أعمال الكاتب الشعبي كارل ماي Karl May (1842-1912م)(10) الذي طبع صورة الشرق لدى أجيال برمتها من الناطقين بالألمانية. وفي صورة الشرق هذه -إذا غضضنا النظر عن بعض الشخصيات الغريبة والساذجة- يظهر المسلمون بالذات كأشخاص محتالين، وحشيين، متجهمين، ينتصر عليهم كارا بن نيمسي Kara Ben Nemsi المجاهد في سبيل المسيح. ويظهر عند كارل ماي إحساس الأوروبيين بالتفوق الذي كان في تزايد مستمر منذ دخول نابليون مصر على أبعد تقدير. وفضلا عن ذلك يعتقد الأوروبيون في هذا السياق أنهم ملزمون بالقيام بمهمة حضارية تجاه الشرق.

19 - من أسباب خوف الغرب من الإسلام:

كان من الطبيعي أن يختفي عنصر التهديد من التصورات العدائية تجاه الإسلام في عصري الاستعمار والانتداب، بسبب تفوق الغرب تكنولوجيا وعسكريا. وبالرغم من استمرار هذا التفوق حتى يومنا هذا، إلا أنه قد تم إعادة إحياء عنصر التهديد هذا في العقود الأخيرة من جديد. ويعود ذلك في المقام الأول إلى أربعة أسباب رئيسية. أولها: زوّد الغرب والكتلة الشرقية سابقا دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي نالت استقلالها بكميات هائلة من أنظمة التسليح الحديثة، ومستلزماتها من التكنولوجيات المتقدمة، والتي يمكن استخدامها الآن -على الأقل من الناحية النظرية- أيضا ضد أوروبا -أو على الأقل ضد المصالح الأوروبية والأمريكية في الشرق. اللفظ المتداول: القنبلة الذرية الإسلامية. ثانيا: إن هجرة أعداد كبيرة من المسلمين- والتي شجعها الغرب في البداية -حيث يمثل الأتراك في ألمانيا، ومواطنو شمال أفريقيا في فرنسا غالبية العمال المخارجين وطالبي اللجوء السياسي- أدت إلى تصاعد موجة العداء تجاه الأجانب. وهو عداء موجه في المقام الأول ضد المسلمين، ويركز على رموزهم الإسلامية. التعبير المتداول: "مسألة الحجاب". ثالثا: أدت التوترات الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك أزمة الهوية الحضارية، وفشل الإيديولوجيا المستوردة من الغرب مثل القومية والاشتراكية -عند طبقات اجتماعية معينة في الشرق الأوسط إلى إحياء معايير ورموز إسلامية. بيد أن الخصم في هذه الحالة كان الأوساط الحاكمة في تلك الدول ذاتها. وفي مقابل ذلك يشعر الغرب بأنه هو المستهدف الحقيقي. اللفظ المتداول: التطرف الإسلامي. رابعا: إن زوال صورة العدو من الصراع القديم بين الشرق الغرب، قد أيقظ- كما سبقت الإشارة في البداية- الرغبة لدى أوساط معينة في الغرب، لإيجاد عدو جديد. ولما كانت صورة الإسلام كعدو مستترة أو كامنة في الغرب منذ ألف سنة على الأقل، فقد كان من السهل إحياؤها مرة أخرى.

20 - خاتمة:

لقد شجع بطرس المبجل -رئيس دير مدينة كلوني- إنجاز أول ترجمة للقرآن سنة 1143م -وكان الهدف المعلن لهذه الترجمة هو محاربة الإسلام عن طريق دحض قواعده. وهو ما يعتبر مع ذلك تقدما هائلا. كتب بطرس مخاطبا المسلمين: "إنني أهاجمكم- ليس بالسلاح، و لا بالعنف -مثلما اعتاد أصحابنا أن يفعلوا- ولكن بالعقل. ليس بالكراهية، ولكن بالحب". إن الغرب سيكون قد حقق الكثير في علاقته بالحضارة الأكثر قربا له، وبالرغم من ذلك غريبة عليه، إذا توصل إلى حوار معها يخلو من الكراهية والعنف n

 

هوامش المترجم

1 - ليسنج جوتهولت (1729-1781م) "مسرحي وناقد ألماني. هاجم في نقده مقلدي المسرح الفرنسي، واتخذ شكسبير مثلا أعلى. ودعا إلى جمالية مسرحية جديدة. من نقده "فن المسرح في همبورغ"، "لاوكون". ومن مسرحياته ناتان الحكيم"، [وهي] مسرحية برجوازية فلسفية".

2 - Deismus بالألمانية، و deism بالإنجليزية: " مذهب الألوهية الطبيعية: المذهب القائل إن الله خالق الكون والمشرع له، ولكنه ليس أكثر من ذلك. فهو ليس مصدر الخير، وليست له صلة مباشرة بالعالم، ولذا فلا يمكن أن يكون هناك اتصال بين الإنسان والله، كما ينكر هذا المذهب الوحي والأنظمة الدينية".

- انظر: أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان، بيروت 1986، (الطبعة الثانية)، ص 100.

3 - ملحمة رولاند Chanson de Roland يعود تاريخ كتابتها إلى الفترة ما بين سنة 1100م وسنة 1125م. وتتكون من أكثر من أربعة آلاف بيت من الشعر البطولي باللغة الفرنسية القديمة. تصوّر هذه الملحمة فناء مؤخرة الجيش الجرماني الغربي على يد المسلمين في ممر رونسفال، ثم انتقام شارلمان من المسلمين. وتدور أحداث هذه الملحمة حول المعركة البطولية التي سقط فيها الشريف الألماني رولاند، أحد فرسان شارلمان. وفي سنة 1135 قام القسيس كونراد بنقل هذه الملحمة إلى اللغة الألمانية الوسيطة، حيث أصبحت تعرف بـ Rolandslied

4 - يوم الجمعة باللغة اللاتينية Veneris dies - وبالفرنسية Vendredi - وبالإيطالية Venerdi - يعني يوم إلاهة الحب فينوس.

5 - يوم الأحد باللغة اللاتينية dominica dies - وبالفرنسية dimanche وبالإيطالية domenica - يعني يوم الإله.

6 - النزعة الإنسانية: Humanism بالإنجليزية - و Humanisums بالألمانية: "هو تعبير شائع في العلوم الإنسانية، لكنه يستخدم بمعان مختلفة، وأحيانا متناقضة. وإذا أردنا التعميم، فيمكن وصفه بذلك التيار الفكري الواسع الذي يسعى إلى التأكيد على القيم الإنسانية في مواجهة القيم المادية أو الاقتصادية أو التقنية أو الدينية والعلوية عموما. في عصر النهضة كانت "النزعة الإنسانية" عبارة عن النزعة إلى تقديس العقل، وإلى العودة إلى الثقافة القديمة، أي تجاوز ثقافات القرون الوسطى الدينية واللاهوتية. و"النزعة الإنسانية" عموما هي نزعة إلى اعتبار الإنسان مقياسا للأشياء. وبالنسبة للبعض، هي التأكيد على أن الإنسان يستطيع بقواه الخاصة أن يصل إلى الخلاص".

7 - عصر النهضة: Renaissance "العصر الذي بدأ منذ انتهاء العصور الوسطى حتى العصر الحديث، وامتاز بحركة إحياء الفنون والآداب".

- انظر : أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان، بيروت 1986، (الطبعة الثانية)، ص 354.

- وراجع أيضا مادة: فلسفة النهضة (فكر أوروبي)، بقلم محمد سبيلا. في: الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الثاني، الجزء، معهد الإنماء العربي، بيروت 1988، ص 1034 وما بعدها.

8 - فلسفة التنوير Auklaerung: "حركة فلسفية بدأت في القرن الثامن عشر، وتتميز بفكرة التقدم، وعدم الثقة بالتقاليد، وبالتفاؤل والإيمان بالعقل، وبالدعوة إلى التفكير الذاتي، والحكم على أساس التجربة الشخصية".

- انظر: المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، القاهرة 1979، ص 139.

9 - رومانسية فلسفية: Philosophical romanticism "مذهب جماعة من فلاسفة الألمان في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، وعلى رأسهم فيتشة وهيجل. ويعارض هذا المذهب الآراء السائدة في القرن الثامن عشر، وبخاصة مذهب التنوير، ويعول على العاطفة والحدس والحرية. ويستهين بالقواعد الجمالية والمنطقية، ويعتد بفكرة الحياة واللامتناهي".

- انظر: المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، القاهرة 1979، ص 93-94.

10 - كارل ماي Karl May (1842-1912): كاتب ألماني تخصص في قصص المغامرات الخيالية. وتدور مغامراته هذه في دول لم يكن قد زارها من قبل، وخاصة أمريكا الشمالية ومنطقة الشرق الأوسط.