ص1        فهرس    المحور  

 

مدخل لقراءة "رسالة التوحيد"

سالم يفوت

مقدمة:

تعتبر رسالة التوحيد من أهم كتابات الشيخ الإمام محمد عبده (1849-1905) لاعتبارات عدة، نذكر من بينها أنها من آخر ما ألفه الإمام، فقد كان ذلك سنة 1897 أي خمس سنوات قبل تأليف كتاب الإسلام والنصرانية (1902) وما يقارب ربع القرن بعد حاشيته على شرح الدواني (1975)… وهذا ما يحملنا على الزعم بأن الرسالة هي التأليف المعول عليه في محاولة التماس مواقف الشيخ محمد عبده من أبرز القضايا الكلامية ومن علم الكلام ككل، لأنها تعكس مرحلة الاختمار والنضج في تفكيره.

يضاف إلى هذا الاعتبار آخر يتمثل في أن جل الدراسات التي أنجزت حول رسالة التوحيد اكتفت بجرد مواقف الشيخ الإمام من المسائل الكلامية التي تناولها في الرسالة دون أن تنفذ عبر عملية حفر إلى الإشكالية التي حددت تلك المواقف، وإلى الموقف عامة من علم الكلام، الثاوي خلف تلك المواقف، ويعني هذا، من بين ما يعنيه، أن تلك الدراسات تعاملت مع مواقفه من مختلف المسائل الكلامية كما لو كانت آراء كلامية تنضاف إلى أخرى هي تلك التي صاغعا المتكلمون على اختلاف فرقهم، أي كما لو كانت مواقف سجالية تبحث عن مواقف لها داخل علم الكلام نفسه وتحتمي بمظلته، والحقيقة غير ذلك، فشتان ما بين أن يتبنى المفكر موقفا في علم الكلام وأن يبلور موقفا من علم الكلام.

إن ما سوف ينصرف إليه اهتمامنا في هذا البحث هو الدفاع عن أطروحة مفادها أن رسالة التوحيد للشيخ الإمام ليست تأليفا في علم الكلام بل إنها تتضمن موقفا منه. ما طبيعة ذلك الموقف، وما محدداته، وما هو نسقه المرجعي؟

تتطلب منا محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة البداية بقراءة مختلفة لتاريخ الفرق الكلامية ولموقف "السلف" من علم الكلام وأهله.

عقائد السلف ومذاهب متكلمي الخلف:

يلاحظ المتتبع لأبرز الكتب المؤرخة للفرق الكلامية ولأكثرها انتشارا أن كتابها أشاعرة، ينطلقون في حكمهم على المذاهب الأخرى من مرجعية أو نسق إسناد أشعريين وذلك من خلال الرغبة في بيان "الفرقة الناجية" وتمييزها عن سائر الفرق الأخرى، التي تصنف على أنها ضالة أو هالكة أو ما شابه ذلك استنادا إلى الحديث المأثور القائل بافتراق الأمة ثلاثا وسبعين فرقة، منها واحدة ناجية.

فالبغدادي (المتوفي سنة 429 هـ) يقسم كتابه الشهير: الفرق بين الفرق إلى خمسة أبواب، الأول: في بيان الحديث المأثور في افتراق الأمة ثلاثا وسبعين فرقة. والثاني في بيان فرق الأمة على الجملة, الجملة. والثالث في بيان فضائح كل فرقة من فرق الأهواء الضالة. والرباع في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منه. والخامس في بيان الفرقة الناجية وتحقيق نجاتها وبيان محاسن دينها(1).

والإسفرايني (المتوفي سنة 471 هـ) يفعل الشيء ذاته في كتابه التبصير في الدين وبيان الفرقة الناجية من الفرق الهالكين،حيث يبدأ بالحديث: "افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة، وافترقت الناصرى اثنين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". وبعد تفصيل مقالات كل الفرق، يختم الكلام في الباب الخامس عشر ببيان اعتقاد أهل السنة والجماعة وبيان مالهم من المفاخر والمحاسن والآثار في الدين باعتبارهم الفرقة الناجية(2).

ولا يخرج الشهرستاني (المتوفى سنة 548هـ) عن هذا التقليد في كتابه الملل والنحل حيث يؤكد في المقدمة الأولى على أن الحق في جميع المسائل يجب أن يكون مع فرقة واحدة، بدليل قول الرسول: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، والباقون هلكى. قيل ومن الناجية. قال أهل السنة والجماعة"، بدليل الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة".

ورغم اختلاف روايات الحديث المتعلق بافتراق الأمة، واختلاف طرق إسناده، فإن مضمونه واحد: سائر الفرق الأخرى في النار إلا فرقة واحدة في الجنة هي أهل السنة والجماعة، فمن هم هؤلاء؟

الحقيقة أن لفظ أهل السنة والجماعة لفظ مشترك، كما يقول المناطقة، فهو يعني عامة، كل من يتمسكون بعقيدة السلف، وعلى رأسهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهي عقيدة خالية من أساليب علم الكلام وأهله، تقرر العقائد بدءا ولا تعالجها عقلا. لكن القراءة لمتأنية للكتب المؤرخة للفرق والملل والنحل تثبت لقرائها العكس، فهي تقدم بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في قالب كلامي أشعري متأخر، ورغم الميل العام إلى مماثلة عقيدة السلف أو اعتقاد أهل السنة والجماعة بالعقيدة الأشعرية، فإن التاريخ قد لا يوافق على هذه المماثلة، بالنظر إلى مواقف الأشعري ذاتها، وإلى التطور الذي عرفه المذهب الأشعري عند الباقلاني والجويني والغزالي.

كان الأشعري (260-330هـ) شافعي المذهب في الفقه. بدأ حياته الكلامية بالاعتزال، ثم تحول عنه إلى المذهب الجديد الذي أسسه هو معارضا به مذهب المعتزلة. وثمة اختلاف في أسباب ذلك التحول الذي تمخض عن ظهور مذهب جديد، ليس هاهنا موضع للإسهاب فيها، نظرا لتباينها ولكثرة الوضع فيها. غير أن بالمستطاع، مع ذلك، القول إنه تحول جاء ليوفق بين تيارين متطاحنين، كان هو نفسه ينتمي إلى أحدهما: الاعتزال الذي يجعل العقل رائدا، ويعتبره "قبل ورود السمع"، والمذهب الحنبلي وأهل الحديث عامة، وأهل النص الذين يتخذون من القرآن والاثر رائدا، معتبرين السمع "قبل ورود العقل". فقد تعرض هؤلاء الأحيرون، -وعلى رأسهم الحنابلة ممثلين في إمامهم- لمحنة أيام كان الاعتزال مذهب الدولة العباسية الرسمي، عرفت بمحنة خلق القرآن وقد اتخذ التوفيق صورة سلوك طريق وسط بينهما، ونجد أن هذه الوسطية انعكست على مواقفه من كبريات القضايا الكلامية، وعلى موقفه  من علم الكلام نفسه. فقد ظل الأشعري ينظر إلى التزام حرفية النص وتحريم استعمال العقل، علامة كسل وجهل، كما ظل يعتبر الجري وراء العقل، دونما احتياط بالشرع، وبخاصة في الآراء التي تتصل بالعقيدة، أمرا خطرا على الشرع، وأن ميل الأشعري إلى الوقوف ويسطا بين مذهب أهل الحديث ومذهب المعتزلة الذي تربى في أحضانه، جعل أفكاره تعكس تيارين فكريين متعايشين في مذهبه: تيار أهل السنة والحديث، وتيار كلامي متأثر بالأسلوب الاعتزالي. من هنا إبهامية المذهب وازدواجيته، إلى حد يدفع إلى الاعتقاد بأننا أمام عقيدتين للأشعري: عقيدة يتضمنها كتاب الإبانة عن أصول الديانة والتي هي أقرب إلى عقيدة السلف وعقيدة الإمام أحمد ابن حنبل، الذي يشيد به الأشعري في المقدمة(3)، وعقيدة مقالات الإسلاميين والتي هي أقرب إلى الأساليب الكلامية الاعتزالية(4)، وهذا ما قاد إلى مشكل هام في تاريخ الفكر العقائدي والكلامي في الإسلام، هو ما حقيقة موقف الأشعري؟ هل كان مجرد تابع لأهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث، أم كان صاحب موقف توسطي، كما يرى ابن خلدون في المقدمة؟ إذا كان موقفه موقفا توسطيا، فما موقع كتاب الإبانة من تطوره الفكري؟

الظاهر أن أهل الحديث لم يتقبلوا أفكار الأشعري يوم ظهر بمذهبه، محاولا التوفيق بين النقل والعقل،بين أهل أهل السنة والحديث من جهة وأصحاب الكلام والمعتزلة من جهة أخرى لم يتقبلوها بحماس، بل توجسوا منها خيفة نظرا لأصول الأشعري الكلامية الاعتزالية، والتي ظلت آثارها عالقة بأسلوبه في النظر وبعقائده، رغم تحوله. هذا فضلا عما اتسم به موقف أهل السنة والحديث من معاداة لعلم الكلام، ومقت لمواهبه ولعبارات أهله وطرق معالجتهم للقضايا الدينية والعقدية، بل يذهب ابن الجوزي، وهو من الحنابلة المتأخرين، إلى أن الأشعري أحد المسؤولين عن "تلبيس العقائد"، حيث يقول: "إن الأشعري ظل على مذهب المعتزلة زمانا طويلا ثم تركه وأتى بمقالة خبط بها عقائد الناس"(5).

وهذا ما يفسر لنا الخصومة الشهيرة بين الحنابلة والأشاعرة ببغداد، والنفور الذي قوبل به أتباع الأشعري في القرن الرابع ثم الخامس الهجري، وقد اتخذ كل ذلك أبعادا سياسية خطيرة، كما تحول إلى قتال دموي، اضطر معه الكثير من الأشاعرة إلى ترك بغداد، ومن بينهم الأشعري نفسه، بعد اتساع حركة لعن الأشعري في المساجد، والتي قادها الحنابلة.

ونعتقد أن جوهر الخصومة يرجع إلى الاختلاف حول "الشرعية الدينية" لعلم الكلام، وهل هناك حاجة إليه. ذلك أن الموقف الذي تبناه الأشعري، كان هو الدفاع عن تلك الشرعية خلافا موقف السلف وأهل الحديث، والذي وقفه الحنابلة وأهل السنة والقائم على تحريم الكلام والنظر في كتب أهله وكراهية الجدال في الدين، وهذا الموقف الأخير هو الذي سار فيه العديد من مفكري الأندلس مما جعلهم لا يتبنون الأشعرية في صيغتها المذهبية الكلامية، ولعل ذلك كان من موقع مالكي مناصر لعقيدة السلف ومناهض للأساليب المتكلمين خصوصا منهم المعتزلة الذين عصارهم مالك.

إلى جانب كتاب الإبانة الذي يغازل فيه الأشعري الإمام أحمد بن حنبل، كان قد ألف كتيبا عنونه رسالة استحسان الخوض في علم الكلام، وهو عنوان -يحمل أكثر من دلالة وينطوي على أكثر من معنى، ويتبين من مطلعها أن ردودها تتجه إلى مخاطب بعينه هو: "طائفة من الناس غلب عليهم الجهل فمالوا إلى التقليد وذموا البحث في أصول الدين، زاعمين أن الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري، بدعة وضلالة"، وأن الرسول بلغ الدين كاملا وبينه شافيا، كما أن أصحابه لم يتكلموا ولا خاضوا فيه.

وقد تركزت هذه الردود على القول بأن صمت الرسل وصحابته عن الخوض في القضايا الكلامية لا يعني التحريم الضمني لذلك، وعلى إيراد آيات قرآنية تحث على النظر والتفكير، مع بيان أن "كلام المتكلمين في الحجاج في توحيد الله مرجعه إلى هذه الآيات". ويقاس على ذلك كلامهم في الحجاج في باقي مسائل علم الكلام، فأصول كل المسائل موجودة في القرآن والسنة، وما علينا إلا أن نرد عليها ونقيس عليها، أي أن يقاس الغائب على الشاهد جائز حتى في العقائد. "ثم يقال لهم: النبي لم يصح عنه حديث في أن القرآن غير مخلوق أو هو مخلوق فلم قلتم إنه غير مخلوق. فإن قالوا: قاله بعض الصحابة وبعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي ما يلزمكم من أن يكون مبتدعا ضالا، إذ قال ما لم يقله الرسول". بل، لا يمكننا، حسب الأشعري، التوقف في المسائل الكلامية، لأننا سنكون مبتدعين، ما دام لم يؤثر عن النبي أمر بالتوقف.

إن ما يدافع عنه الأشعري في هذه الرسالة، هو ضرورة النظر في معرفة الله، واعتباره ذلك واجبا بالشرع. وهو ما لم يكن يقبله أصحاب الحديث عموما، والحنابلة على الخصوص، فقد كانوا يرون، اقتداء بالأئمة الفقهاء والسلف عدم الخوض في القضايا الكلامية، خلافا للأشاعرة الذين كانوا يرون استعمال النظر والحجة العقلية في معالجة مسائل العقيدة، وهو ما يفرز إشكالية علم الكلام(6).

وحتى نوضح هذا الأمر نقول: يقوم موقف مالك، كنموذج لموقف السلف من علم الكلام، على محاربة هذا الأخير بشدة خصوصا في مسألة الصفات وعلاقتها بالذات إذ كان معاصرا لواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، أي للاعتزال في بدايته القوي. كان مالك، يغلب التنزيه في الصفات، ويأمر بأن تفهم الآيات المتعلقة بالصفات "كما جاءت" لا بمعنى إجرائها على ظاهر النص فحسب، بل وشرط ألا يؤدي ذلك إلى تشبيه الله بالمخلوقات. من هنا كان حرصه على التنزيه وفي الوقت نفسه كراهيته للتأويل، إيمانا بأن "طريق النجاة هو إمرار النصوص كما جاءت" وكان يقول: "إنما أهلك الناس تأويل لا ما يعلمون" وبالرجوع إلى كتاب الموطأ لمالك وإلى ترتيب المدارك للقاضي عياض يتبين للمرء أن مالك بلور اتجاه عقيدة السلف، القائم على مقاومة البدع تخوفا من الوقوف في قياس الخالق على المخلوقات أو قياس الغائب على الشاهد(7).

وقد حاول ابن أبي زيد القيرواني (المتوفى سنة 386هـ) أن يصوغ هذه العقيدة في رسالة جعلها مختصرة. تجمل "واجب أمور الديانة". ومع أن البعد الزماني عن الإمام مالك، والذي يتعدى القرنين، فعل فعله من حيث تسرب المصطلح الكلامي الأشعري المتأخر إلى الرسالة، فإن القيرواني حاول جهد المستطاع أن يعكس عقيدة الإمام مالك بأمانة، ويمكن إجمالها فيما يلي:

1 ـ "القرآن كلام الله ليس بمخلوق قيبيد ولا صفة لمخلوق فينفذ"

2 ـ الإيمان بالقدر خيره وشروه وحلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجري على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل، إلا وقد قضاه وسبق علمه به".

3 ـ "يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتسييره إلى ما سبق من علمه وإرادته من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريده ويكون لأحد عنه غنى، أو يكون خالق لشيء إلا هو".

4 ـ "الإيمان بالبعث"

5 ـ "يغفر لمن يشاء إلا للمشرك"

6 ـ إن الله خلق الجنة فأعدها دار خلود، وأكرم فيها أولياءه بالنظر إلى وجهه، وأن الله خلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وجعلهم محجوبين عن رؤيته. إن الله يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم".

7 ـ "الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها"، وذلك خلافا للأشاعرة الذين يعتبرون الأعمال لا تشكل ركنا من الإيمان.

8 ـ إبطال جواز كرامات الأولياء والصالحين، ونفي خرق العادة على يدهم، فذلك شيء يخص به الله أنبياءه وحدهم. والمعروف أن الأشاعرة كانوا يقولون بجواز كرامات الأولياء وقدرتهم على خرق العادة(8).

هكذا، إذن، تبلور موقفان، أو على الأصح، منهجان في تناول قضايا العقيدة: منهج كلامي تتصدر الذب فيه عن السنة النزعة الأشعرية المتأثرة بأساليب أهل الكلام، وأسلوب المعتزلة في النظر، على الخصوص، ومنهج يقرر العقائد ابتداء، مفضلا إمرار النصوص المتعلقة بالصفات أو غيرها "كما جاءت" و"بلا كيف"، وهو المنهج الذي انتهجه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو حنيفة، واقترن أكثر باسم الأولين باعتبار أن مالك عاصر الاعتزال في انطلاقته الأولى، أما أحمد فقد امتحن في مسألة خلق القرآن "التي تمسك فيها بموقف صريح دفع ثمنه غاليا، مفاده أن القرآن كلام الله لا خالق وال مخلوق"(9).

وتبلور، تبعا لذلك، أسلوبان في التأليف وفي بسط العقائد أو شرحها أو الرد على الخصوم: أسلوب تقريري عرفت كتبه، غالبا، باسم كتب التوحيد، يقرر العقائد ابتداء كما جاءت وبلا كيف، مع ميل فيما يخص الصفات والذات إلى التنزيه. إنه أسلوب قوامه تقرير عقائد السلف دونما إعمال للقياس، قياس الخالق على المخلوق، وأسلوب كلامي يسعى إلى الدفاع عن العقائد بالأدلة والحجج العقلية مع ما يفترضه ذلك من تأويل وقياس، وهو الأسلوب الذي اتبعه المتكلمون بمن فيهم المتكلمون الأشاعرة.

والجدير بالملاحظة هنا أن العديد من رموز الفكر الفلسفي بالأندلس تبنوا الأسلوب الأول في النظر إلى مسائل علم الكلام رافضين تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الأمور الإلهية استنادا إلى المماثلة بين الخالق والمخلوق وقياس الأول على الثاني أكتفي هنا بنموذجين اثنين هما: ابن حزم القرطبي (383-456هـ) وابن رشد الحفيد (520-595 هـ).

إن كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل(10) لابن حزم ليس تأليفا في علم الكلام بل في نقد العلم من خلال إبراز عيوبه المنهجية القائمة على الانطلاق من المماثلة بين طرفين غير قابلين للتسوية والاستدلال بالشاهد على الأمور الغيبية، لذا فهي في اعتقاده منهجية غير برهانية تمكن المرء من إثبات القضية وعكسها، أي كل القضايا المقررة سلفا فإن كان المتكلمون المسلمون، معتزلة وأشاعرة، اعتمدوا في إثباتهم حدوث العالم على مذهب الجوهر الفرد كوسيلة للتأكيد على وجود الخالق والصانع… فإن غير المقرين بحدوث العالم اعتمدوا هم أيضا في حججهم على قياس الغائب على الشاهد، وهذا ما أكده ابن حزم نفسه الذي بين أن الحجج التي يبني عليها هؤلاء استدلالهم تقول: لم نر في الشاهد شيئا يحدث إلا من شيء آخر فلا شيء إلا من شيء سابق عليه، وهذا يعني أن العالم لم يزل وإنه لا مدبر له. وعليه، فإن قياس الغائب على الشاهد منهج جدلي، يعطيك كل ما تريده سلفا، ويوصلك إلى النتائج التي تريدها سلفا، لذلك كان منهجا لا يحترم العقيدة من حيث إن أساسها التسليم والإيمان، ولا يحترم العقل من حيث إن أساسه وجوهره إما الانتقال من قضية إلى أخرى انتقالا عقليا أساسه الاستنباط المنطقي أو الأخذ بما تجود به عليه الملاحظات والتجارب، أو بأوائل الحس والعقل. لهذا نجد ابن حزم، في رده على من نفوا وجود المدبر وقالوا بقدم العالم اعتمادا على قياس الغائب على الشاهد، يؤكد أن ليست كل الحقائق تدرك بالرؤية والمشاهدة، فإذا كنا في الطبيعة والشاهد، لم نر شيئا حدث إلا من شيء آخر، فإن ذلك لا يخول لنا سحب ذلك على الغائب لعدم استوائهما(11).

ومن نفس المنظور يعتبر ابن حزم الصفات أو ما اعتبر كذلك من قبل المتكلمين أسماء سمى الله بها نفسه، لذا فإن المشاكل العويصة التي تخبط فيها المتكلمون مثل علاقة الصفات بالذات مشاكل مفتعلة لأنها تماثل الغائب بالشاهد، وإذا كان مسلك السلف والصدر الأول هو تحرير الصفات كما جاءت والتسليم بها بلا كيف دون إفراط ولا تفريط في التشبيه أو التنزيه، فما ذلك إلا لإدراكهم أن هذا هو المسلك الديني الحقيقي: تسمية الله بما سمى به نفسه وبما نص عليه في كلامه المنزل. أما لفظ الصفة فهو ابتكار المتكلمين أساسه الخفي إدخال الله في حيز المخلوقات. ذلك أن الصفة والموصوف أمران لا يصلح الحديث عنهما إلا في الشاهد، أي فيما يقبل فعلا أن يوصف وتحمل عليه الصفات والأعراض(12)، والله لا يجوز عليه ذلك، "وإنما اخترع لفظ الصفات المعتزلة(…) وسلك سبيلهم قوم من أصحاب الكلام، سلكوا غير مسلك السلف الصالح"(13).

أما ابن رشد فقد ألف كتابا في نقد علم الكلام ونقد مدارسه عنوانه: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة وتعريف ما وقع فيها بحسب التأويل من الشبه المزيفة والبدع المضلة(14). وهو عنوان مليء بالدلالات. ذلك أن المؤلف حاول في كتابه أن يبرز أن كل المشاكل التي أثارها المتكلمون واختلفوا حولها مشاكل لفظية شكلية مصدرها قياس الغائب على الشاهد.

ويلحظ المطالع لمقدمة ابن خلدون أنه ينحو نفس المنحى تقريبا، فهو يأخذ على المتكلمين إعمالهم العقل والنظر في أمور التوحيد والتي هي أمور سمعية، إن "العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال"(15).

كما يلحظ قارئ تقي الدين ابن تيمية، خصوصا كتاب العقيدة الواسطية أن هذا المفكر يؤكد أن علم أصول الدين وظيفته تقرير العقائد الإيمانية بأدلتها العقلية البرهانية والنقلية الواردة في القرآن والسنة. لكن المتكلمين يعرضون في غمرة ذلك، في اعتقاده، عن ذلك لتيكلموا في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم وكما شابه ذلك. هذا مع الإغراق في التأويل دونما احتكام إلى المعايير التي تضبط التأويل والتي يشترط ورودها في الخطاب نفسه في صورة قرائن تصرفه عن ظاهره، وإلا فالواجب الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، مع الإيمان بأنه تعالى ليس كمثله شيء، وهذا ما ذهب إليه السلف(16).

يسير هذا الموقف الذي عبر عنه ابن تيمية في تقليد حنبلي من علم الكلام ومسائل أصول الدين يمتد من "السلف" مرورا بابن بطة صاحب بيان العقيدة(17). والأجري صاحب كتاب الشريعة والقاضي أبو يعلى صاحب كتاب المعتمد.. إلى أن يتوج بكتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب(1703-1791م)(18)، رائد الحركة السلفية الحديثة التي ترى أنه لن يصلح حال الأمة إلا بما صلح به أولها. والأول في مجال العقيدة يعني السلف، وهذا ما يفسر إلحاح الكتاب على ضرورة الرجوع إلى الدين في أصوله والاستقاء من منبعه الأول. لقد شغلت الكتاب فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك، وفكرة التوحيد في التشريع، فلا مصدر له إلا الكتاب والسنة.

لقد كان محمد بن عبد الوهاب يرى أن ضعف المسلمين اليوم وسقوط نجمهم ليس له من سبب سوى العقيدة. فقد كانت العقيدة الإسلامية في أول عهدها صافية نقية من أي شرك، فكان اتصال العبد بربه من غير واسطة ولا شريك كالوالي والصالح، إلى أن شاع أن هؤلاء يأتون من المعجزات والكرامات ما يجعلهم مؤهلين ليكونوا شفعاء للخلق لدى الله وليتوسل بهم في تحقيق المآرب والأغراض.

لذا لا بد من درء آفة التقليد والتواكل وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور المتكلمين بأساليبهم وطرقهم الموقعة في الاختلاف. والمتصفح لكتاب التوحيد والمنهج المتبع فيه يلمس عن كتب أن محمد بن عبد الوهاب سلك فيه طريقة تقريرية قوامها تقسيم الكتاب إلى أبواب، كل باب يحمل عنوانا تتلوه آية أو آيات من القرآن الكريم وحديث أو عدة أحاديث نبوية، يستنتج منها مسائل تندرج جميعها في المسألة الرئيسية التي عنون بها الباب وتصب فيها، وتتراوح أبواب الكتاب ما بين تبيان فضل التوحيد وذم التبرك بالأشجار والقبور والأولياء والصالحين لأن ذلك شركا وبين النهي عن إنكار القدر.

إن الركيزتين اللتين بنى عليهما محمد بن عبد الوهاب دعوته الإصلاحية هما: محاربة البدع وما تسرب إلى العقيدة من فساد كتقديس الصلحاء والأولياء وزيارة القبور والأضرحة، وذم التقليد والمناداة بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وهما أمران لا يتحققان إلا بالرجوع إلى الإسلام الأول في بساطته الأولى الخالية من الشوائب، وإلى عقيدة السلف المعتمدة على صحيح المنقول.

 

في البحث عن الزمن الضائع: زمن المستقبل

يتبين لنا مما قدم أن تقليدا تبلور في الثقافة العربية الإسلامية يدعو في مجال العقيدة إلى التمسك بعقائد السلف، وقد أدرجنا نماذج من هذا التقليد(19) بهدف الوقوف على الهاجس المشترك الذي يحركها ألا وهو البعد عن الخلاف والفرقة والمذهبية التي طبعت مواقف الخلف.

إلى هذا يعود سر تمسك رموز ذلك التقليد بلفظ التوحيد بدل لفظ الكلام أو علم الكلام.

ينبهنا الشيخ الإمام محمد عبده، منذ الأسطر الأولى إلى أنه "قد سلك في العقائد مسلك السلف". "وبعد عن الخلاف بين المذاهب، بعد ممليه عن أعاصير المشاغب"(20).

كما يقدم في مطلع المقدمات تعريفا لعلم التوحيد حيث يقول: "التوحيد علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات، وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفى عنه، وعن الرسل لإثبات رسالتهم، وما يجب أن يكونوا عليه وما يجوز أن ينسب إليهم وما يمتنع أن يلحق بهم"(21).

أما عن وجه تسمية هذا العلم بعلم التوحيد فيرجعه الشيخ محمد عبده إلى أصل معنى التوحيد أي الاعتقاد" أن الله واحد لا شريك له وسمي هذا العلم به تسمية له بأهم أجزائه، وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد"(22).

فعلم التوحيد، هو علم تقرير العقائد وبيان ما جاء في النبوات كما ورد على لسان عبده(23)، وأن النظر الصحيح، خصوصا في مسألى الصفات التي قد تشترك في الاسم وصفات البشر، لا بد وأنه مؤد إلى الاعتقاد بالله على ما وصف به نفسه بلا غلو التجريد ولا دنو في التحديد اي دون تعطيل أو تمثيل. فبينهما مذهب السلف الوسط، كما جاء في تعليق محمد رشيد رضا على هذه النقطة(24). فالسلف كانوا خلافا لمتكلمي الخلف يأخذون في الصفات الإلهية بمعاني الألفاظ في اللغة مع تنزيه عن مشابهة شيء من خلقه. فكما أن ذاته ليست كغيرها من الذوات، فكذلك صفاته وأفعاله، ولا يطهبون إلى ما وراء ذلك من لوازم ظاهر اللفظ، كالتشبيه والتحديد المأخوذ من إطلاقه في الأصل على المخلوق فإن التنزيه قد جعل المشاركة في اللفظ اسمية لا شخصية.

بدأ الشقاق مع الفتنة الكبرى كما بدأت المغالاة، ويحمل محمد عبده تبعات الغلو في التشيع لعبد الله بن سبأ الذي فعل ما فعل بغضا في الإسلام لا حبا في آل البيت، كما يرى. كما يحمل الخوارج نفس المسؤولية، مسؤولية الفرقة والاختلاف. وإلى جانب هذه الإشارة يعتبر أن محنة خلق القرآن كانت علامة بارزة من علامات احتدام الصراع بين "المتمسكين بمذاهب السلف" المناضلين المعتصمين بقوة اليقين وإن لم يكن لهم عضد من الحاكمين" ويعني بهم الإمام أحمد بن حنبل، وبين من ناصرتهم الدولة العباسية وجعلت مذاهبهم مذهبا الرسمي، "وأهين في ذلك رجال من أهل العلم والتقوى وسفكت فيه دماء بغير حق, وهكذا تعدى القوم الدين باسم الدين"(25).

وتعزو رسالة التوحيد الغموض والإبهام الذي يحيط بطبيعة المذهب الأشعري أهو من مذاهب السلف؟ أم من مذاهب متكلمي الخلف؟ إلى اعتبارات ترجع إلى تحالفه المرحلي مع عقائد السلف ضد خصومهم من الباطنية وغلاة التشيع فانطمست التناقضات "الثانوية" في سبيل التصدي لخصم مشترك دون أن يعني ذلك اتفاق المذهب الأشعري وعقيدة السلف، فهو من مذاهب متكلمي الخلف خصوصا وأن الأشعري "سلك مسلكه المعروف وسطا بين موقف السلف وتطرف من خالفهم وأخذ يقرر العقائد على أصول النظر، وارتاب في أمره الأولون وطعن كثير منهم على عقيدته، وكفره الحنابلة واستباحوا دمه"(26). وظل هو، رغم ذلك، كما ظل أتباعه يعبرون مذهبهم هو مذهب أهل السنة والجماعة(27).

أما عن الفلسفة فالملاحظ أنه في الوقت الذي ينتقد فيه محمد عبده مذاهب متكليم الخلف والمنهج الكلامي عامة يعلي من شأن الفلسفة باعتبارها مبحثا يستمد آراءه "من الفكر المحض" إذ "لم يكن من همّ أهل النظر من الفلاسفة إلا تحصيل العلم، والوفاء بما تندفع إليه رغبة العقل من كشف مجهول أو استكناه معقول"(28).

ويستشهدف في هذا الصدد بآيات وأحاديث تحث على النظر الفلسفي والتأمل في الكون والمخلوقات. غير أن ثمة عائقين حالا في نظره دون ازدهار فكر فلسفي حقيقي على يد الفلاسفة المسلمين:

أولهما: "الإعجاب بما نقل إليهم من فلاسفة اليونان، خصوصا أرسطو وأفلاطون ووجد أن اللذة في تقليدهما لبادئ الأمر".

والثاني: "زجوا بأنفسهم في المنازعات التي كانت قائمة بين أهل النظر في الدين، واصطدموا بعلومهم في قلة عددهم مع ما انطبعت عليه نفوس الكافة فمال حماة العقائد عليهم"(29).

يتبين من هذا السبب الأخير أن محمد عبده يعتبر أن المنحى التوفيقي الذي طبع الفكر الفلسفي في الإسلام كان وبالا على هذا الفكر ذلك أن دمج الفلسفة في الدين والدين في الفلسفة كان أحد العوامل التي جعلت الجمهور وحماة الشريعة يتوجسون خيفة من الفلسفة ويشنون حملات شعواء عليها وعلى متعاطيها ويشيعون عليهم الإشاعات.

ولعل ما زاد الطين بلة، في رأي الشيح الإمام، هو أن المتكلمين، ومتأخريهم على وجه الخصوص، ويذكر بهذا الصدد "الغزالي ومن على طريقته"، أخذوا ما وجدوه لدى الفلاسفة مما يتعلق بالإلهيات وكل ما ظنوا أنه يتعلق بأمور الدين "واشتدوا في نقده وبالغ المتأخرون منهم في تأثرهم حتى كاد يثل السير بهم إلى ما وراء الاعتدال، فسقطت منزلتهم (أي الفلاسفة) من النفوس ونبذتهم العامة، ولم تحفل بهم الخاصة وذهب الزمان بما كان ينتظر العالم الإسلامي"(30).

يضاف إلى هذا أن المتكلمين مزجوا مناهجهم بمناهج الفلسفة بشكل أقرب إلى التقليد منه إلى النظر فصار حالهم كحال صانع يستعمل أدوات في صناعة غير الصناعة الأصلية التي وضعت لها تلك الأدوات.

هكذا، إذن، كان المنحى التوفيقي لدى الفلاسفة وما ترتب عنه من خلط فنهم بالدين والزج بأنفسهم في منازعات دينية تسبب في احتدامها ضيق أفق الجمهور، كما كان المنحنى التلفيفي للمتكلمين وما ترتب عنه من خلط فأصبحت العقائد تقرر على أصول النظر والقياس-عاملا من عوامل جمود الفلسفة وانحباسها في العالم الإسلامي. وفي هذا الصدد سصرح محمد رشيد رضا في تعليقه على هذه النقطة أنه كان من رأي محمد عبده، كما كان يذكر في دروسه، ألا تمزج الفلسفة والعلوم الدنيوية بالمسائل الدينية، فلو لم يحدث ذلك لارتقت علوم فلاسفة الإسلام "وارتقت بها الصناعة واتسع العمران"(31).

يلاحظ قارئ هذه الصفحات من رسالة التوحيد التشابه القوي مع ابن رشد ومع نظرته فيما يخص علاقة الفلسفة بالدين وطبيعة علم الكلام إلى حد يمكن معه القول: إنه ذات الموقف بقضه وقضيضه. إنه الموقف الذي يدعو إلى الفصل بين الحكمة والشريعة ويرفض دمجهما كما يطعن في كون أساليب المتكلمين تصلح لتقرير العقائد.

ومن هذا المنظور فهو موقف يختلف عن موقف ابن خلدون من الفلسفة ويتعارض معه، لقد عنون صاحب المقدمة أحد فصولها كالتالي: في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها، جاء فيه:

"هذا الفصل وما بعده مهم لأن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن وضررها في الدين كثير فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف من المعتقد الحق"(32).

وخلاصة القول، يتمسك محمد عبده في الرسالة بعلم التوحيد مبررا ذلك بأن "الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد، لا دين تفريق القواعد، العقل من أشد أعوانه، والنقل من أقوى أركانه. وما وراء ذلك فنزعات شياطين وشهوات سلاطين"(33).

ذكرنا آنفا أن رسالة التوحيد، من آحر ما ألفه محمد عبده(1897)، لكننا لم نشر إلى أنه اعتمد في تأليفها على الدروس التي كان قد ألقاها ببيروت سنوات منفاه بها، وفي سنة 1885 على وجه الخصوص، وهذا ما يفسر لنا الطابع التعليمي والتلقيني لبعض فقراتها وتخصيصه لصفحات للإصطلاحات الكلامية. فقد اضطر الشيخ الإمام لذلك ظنا منه أن أكثر أهل عصره لا يفهمون تلك الإصطلاحات، حسبما يرويه محمد رشيد رضا.

لقد قسم المعلوم إلى أقسامه الثلاثة: الممكن لذاته، والمستحيل لذاته، كما أبرز حكم هذا الأخير وعرف الماهية والحقيقة كما تحدث عن أحكام الممكن باعتبار وجوده لا يكون إلا حادثا، لا سيما وأن وجوده يقتضي بالضرورة وجود الواجب ضرورة ثم تطرق إلى مفهوم الواجب مبينا أن هذا الأخير لا يكون مركبا ولا قابلا للقسمة والتحليل.

ثم يثبت كيف أن صفة الحياة مقدمة في كمال الوجود وصفاته من خلال إبراز معنى الحياة ووجوبها لواجب الوجود. بعد ذلك يثبت له صفة العلم مقدما على ذلك أدلة تستند إلى دليل النظام والانسجام الكوني والذي يشهد على وجود صانع عليم وحكمة مدبرة. إن لفي بديع الصنعة دليلا على وجود صانع مبدع عليم.

بعدما أثبت لواهب وجود الممكنات صفتي الوجوب والعلم استنتج من ذلك ضرورة الإرادة له لأنه يفعل على حسب علمه دون أن تكون إرادته كإرادة المخلوقين، فإرادة هؤلاء يطبعها النقص المتجلي في التردد والفسخ والتراجع والحيرة. إن الله مريد وقادر على الإيجاد والإعدام أي ذو  سلطة على الفعل، ويرى الشيخ الإمام أن صفات العلم والإرادة والقدرة تستلزم بالضرورة ثبوت الاخاير، فأفعاله لا تصدر عنه كرها أو اضطرارا أو مراعاة لشيء لكنها منزهة عن العبث ويستحيل أن تخلو من الحكمة(34).

ومن آخر الصفات التي يجب الاعتقاد بثبوتها لواجب الوجود وأرشد إليها البرهان وجاءت الشريعة لتأكيدها-يوجب الشيخ الإمام صفة الوحدة ذاتا ووصفا ووجودا وفعلا. فهو غير قابل للتركيب ولا يساويه في صفاته الثابتة موجود، كما أنه تفرد بوجوب الوجود وما يتبعه من إيجاد الممكنات.

تتناول الرسالة بالدرس الصفات السمعية أي الصفات التي جاء ذكرها على لسان الشرع، لكنها مما "لا يحيله العقل إذا حمل على ما يليق بواجب الوجود، ولكن لا يهتدي إليه النظر وحده"(35)، فهي من الصفات التي يجب الاعتقاد باتصافه بها اتباعا وتصديقا.

 

من تلك الصفات:

الكلام: فقد ورد في السمع أن الله كلم بعض أنبيائه وأن القرآن كلام الله. "فمصدر الكلام المسموع عنه سبحانه لا بد أن يكون شأنا من شؤونه قديما بقدمه"(36). والملاحظ هنا أن الشيخ الإمام يلتزم بصراحة مذهب السلف في المسألة، إنه ذات الموقف الذي دافع عنه الإمام أحمد بن حنبل، فقد جاء لسانه: "وقد ذكر الله كلامه في غير موضع من القرآن، فسماه كلاما، ولم يسمه خلقا"(37).

البصر: صفة تثبت بالنقل، ويعين البصر ما به تنكشف المبصرات.

السمع: تثبت ايضا بالسمع، ويعني السمع ما به تنكشف المسموعات.

ومثلما أن علم الله لا يكون بواسطة، كذلك سمعه وبصره لا يتمان بآلات أو وسائل مثلما الشأن في مخلوقاته.

وينبه الشيخ الإمام، بخصوص الصفات إجمالا، واستنادا إلى حديث نبوي، إلى ضرورة التفكر في خلق الله وعدم التفكر في ذاته، ذلك أن العقل البشري محدود بحدود إدراكه لعوارض بعض الكائنات التي تمثل في مجاله الإدراكي الحسي أو العقلي(38). إن التفكير في ذات الخالق ممتنع عن العقل البشري وإلا أدى إلى الخبط في الاعتقاد ذلك أن كل تفكير في الخالق من طرف المخلوق لا بد وأن يتم عبر عملية قياس الخالق على المخلوق أو الغائب على الشاهد، وهو ما يؤدي حتما إلى تحديد ما لا يجوز تحديده وحصر ما لا يصح حصره(39). وفيما يتعلق بالصفات "فيكفينا من العلم بها أن نعلم أنه متصف بها، وأما وراء ذلك فهو مما يستأثر هو بعمله ولا يمكن لعقولنا أن تصل إليه ولهذا لم يأت الكتاب العزيز وما سبقه من الكتب إلا بتوجيه النظر إلى المصنوع لينفذ منه إلى معرفة وجود الصانع وصفاته الكمالية وأما كيفية الاتصاف فليس من شأننا أن نبحث فيها"(40).

يصدق هذا أيضا على أفعال الله التي لا شيء منها واجب الصدور عنه، فلا يجوز التوهم بصددها أنها واجبة عنه لذاته، ومحمد عبد يتجه هنا بالكلام إلى المعتزلة الذين قالوا بالوعد والوعيد ورعاية الصلاح والأصلح، وبالغوا، في رأيه، حتى يظن قارئهم "أنهم عدوه (أي الله) واحدا من المكلفين يفرض عليه أن يجهد للقيام بما عليه من الحقوق وتأدية ما لزمه من الواجبات"(41).

يتجه أيضا بالكلام إلى فرقة أخرى توجد على الطرف النقيض للمعتزلة، نفت كل تعليل وحكمة عن أفعال الله فصار وكأنه "يبرم اليوم ما نقضه بالأمس، ويفعل غدا ما أخبر بنقضه اليوم، أو غافلا لا يشعر بما يستتبعه عمله"(42).

واتجاه هاتين الفرقتين يؤكد أن أفعال الله لا تخلو من حكمة وأنها تتنزه عن العبث، والحكمة هنا هي كل ما يترتب على العمل مما يحفظ نظاما أو يدفع فسادا لو كشف للعقل من أي وجه لعقله وحكم بأن العمل لم يكن عبثا ولعبا. يستحيل أن تكون أفعال الله غير مرادة، لأن في ذلك انتفاء للحكمة وانتفاء الكمال من علمه وإرادته.

وفي نفس السياق، وبخصوص أفعال العباد، يقرر محمد عبد أمرين: أولهما أن العبد يكسب بإرادته وقدرته، ما هو وسيلة لسعادته، والثاني أن قدرة الله هي مرجع لجميع الكائنات، وأن من أثارها ما يحول بين العبد وبين إنفاذ ما يريده وأن لا شيء سوى الله يمكن له أن يمد العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه(43).

وتذهب رسالة التوحيد بخصوص الحسن والقبيح إلى حاجة العقل البشري، في قيادة القوى الإدراكية إلى ما هو خير في الحياتين، إلى معين يستعين به في تحديد أحكام الأعمال وتعيين الوجه في الاعتقاد بصفات الألوهية ومعرفة ما ينبغي أن يعرف من أحوال الآخرة-وهذا المعين هو النبي(44). فالنبوة هي التي تحدد ما ينبغي أن يلحظ في معرفة الله، وهي التي تحدد الأعمال الموصلة لسعادة الدارين(45).

وبعدما أبرز الشيخ الإمام أن الاعتقاد أن الله أرسل رسلا من البشر مبشرين بثوابه ومنذرين بعقابه، واجب على المؤمن التطرق إلى "دلائل النبوة" وإثباتها، فأسهب في الكلام عن المعجزة باعتبارها خرقا للعادة والسير الطبيعي لا بد أن يكون مقرونا بالتحدي عند دعوى النبوة كمؤيد لتلك الدعوى، "فالمعجزة وهي مما لا يقدر عليه البشر(…) ما أظهرها الله إلا تصديقا لمن ظهرت على يده"(46). وأعظم معجزة جاء بها الإسلام كبرهان على نبوة محمد هي القرآن. فقد تحدى العرب به وعجزهم عن معارضته من عصر هو أعلى عصور البلاغة، يضاف إلى هذا أنه احتوى معارف وأخبارا وأنباء بالغيب.

في نهاية الرسالة، وفي سياق الكلام عن الدين الإسلامي يتناول محمد عبده بالنقاش مسألتين كلاميتين كثر التنازع حولهما بين المتكلمين:

تتعلق الأولى برؤية الله بالأبصار يوم القيامة والموقف الذي يتبناه بخصوصها يقوم على التأكيد بأن رؤية الله لا تكون على المعهود والمألوف في مجرى العادة، أي بواسطة العين التي تتلقى أشعة من الجسم المرئي، بل هي رؤية لا كيف فيها ولا تحديد، ومثلها لا يكون إلا ببصر يختص الله به أهل الدار الآخرة، أو تتغير فيه خاصته المعهودة في الحياة الدنيا"(47).

أما المسألة الثانية فتتعلق بإنكار جواز كرامات الأولياء فقد اثبت جوازها جمهور الأشاعرة، ويرى محمد عبده أن المعجزات إنما تظهر مقرونة بدعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى ولا بد أن تكتنفها حوادث تميزها عما سواها(48). وعليه لا يجب الاعتقاد بوقوع كرامة معينة على يد ولي لله معين بعد ظهور الإسلام(49).

 

الفلسفة بين مغريات النظر ومتطلبات العمل:

تمت الإشارة في ما تقدم إلى الاعتبارات التي جعلت الشيخ الأستاذ يصر على جعل رسالته رسالة التوحيد مما جعله يندرج في تقليد معاد لعلم الكلام ويبحث لنفسه عن مرجعية في عقائد السلف ولا يسلك طريقة متكلمي الخلف.

ولا يمكننا فهم هذا الاختيار إلا إذا استحضرنا سياق الدعوة إلى الإصلاح والإطار الذي كان يتحرك ويفكر ضمنه الشيخ الأستاذ: إطار المصلح العامل والذي لم يكن يعنيه بالدرجة الأولى بناء مذهب فلسفي أو كلامي أو إقامة صرح نظري ينشد فيه الاستراحة الفكرية، وإنما كان يعنيه الاهتمام "بما تحته عمل" كما كان يقول مالك بن أنس. ولعل أكثر الأمور استعجالا، بالنسبة له، كانت هي عمل ما لا بد من عمله دون إضاعة للوقت في الخلافات، بما فيها خلافات المتكلمين التي ليس لها ضرورة في العقائد. فحدوث المذاهب والخلافات في الدين كان مجرد حادث سير زادت طينه بلة الخيارات السياسية للدول الحاكمة، كما قواه الزمن وتقلباته. لذا لا بد من العودة إلى عقيدة التوحيد في صفائها الأصلي قبل ظهور الفتن والفرق والمذاهب. يقول الأستاذ محمد عبده: "والذي علينا اعتقاده أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد(50).

وهذا ما جعله يقف المواقف الآنفة الإشارة إليها من الفلسفة دون أن يتخصص فيها. فرغم اطلاعه على دقائقها ومعرفته الجيدة بمذاهبها ومصطلحاتها وإيمانه بها كطريق موصل إلى الحق، إلا أنه اعتبرها علما للخاصة لا للعامة والخاصة هنا أفراد، أما العامة فهي الجماعة بمعناها السني الإسلامي، والتي بها يقوم الاجتماع ويقوم المجتمع، ولا سبيل إلى إصلاح هذا الأخير إلا بوالوجدان الديني، أما البرهان المنطقي فللأفراد. إن حاجة البشر إلى النبوة هي كحاجة الفرد إلى العقل، لذا لا اجتماع بدون نبوة أو وجدان ديني مثلما أنه لا شخص سوي بدون عقل، يقول الشيخ الأستاذ "إن منزلة النبوات من الاجتماع هي منزلة العقل من الشخص أو منزلة العلم المنصوب على الطريق المسلوك"(51).

لقد أعلى محمد عبده من شأن الفلسفة باعتبارها مبحثا يستمد آراءه "من الفكر المحض"، ويسعى إلى تحصيل علم أساسه العقل وإعمال النظر، لكنه علم لا تصل إليه مدارك العامة أو الجمهور، بل هو شأن من شؤون الخاصة أو أفراد بعينهم.. والتجربة التاريخية دلت، في رأيه على ذلك، إذ أن أحد العائقين اللذين ذكرهما كمانعين حالا دون ازدهار فكر فلسفي على يد الفلاسفة المسلمين، كان زجهم بأنفسهم في المنازعات التي كانت قائمة بين أهل النظر في الدين فاصطدموا بما انطبعت عليه أنفس الجمهور في المنازعات الدينية.

أكدنا، بهذا الخصوص أن ثمة تشابها بين هذا الموقف والموقف الرشدي لكنه يظل، رغم كل شيء، تشابها مظهريا لا ينفذ إلى عمق الإشكالية المحددة لموقفيهما: فخلف الموقف الرشدي ثمة قول بالحقيقة المزدوجة: حقيقة الشريعة وحقيقة الحكمة، وقول بتراتب اليقين: اليقين الذي يوصلنا إليه القياس الخطابي، وذلك يوصلنا إليه القياس البرهاني. أما الموقف الذي دافع عنه الشيخ الأستاذ فهو موقف أملته اعتبارات لها صلة بالرغبة في الإصلاح: إصلاح العقول كجزء من الإصلاح الشامل، فميزة المجتمع الإسلامي الأمثل، عند محمد عبده، لا تنحصر في الشريعة، بل تتناول العقل أيضا، فالمسلم الحقيقي هو الذي يستعمل عقله في التفكير في شؤون الدنيا والدين. إن عبده ما يفتأ يؤكد أن الإسلام لم يدع قط إلى تعطيل عمل العقل، بل يؤيد، بالعكس، إعمال النظر العقلي ويقدم لذلك شواهد من القرآن والحديث(52).

لقد تبنى محمد عبده التمييز بين العبادات والمعاملات مؤكدا أن ثمة فرقا جوهريا بين تعاليم الشريعة بخصوص كل واحدة منهما. فالقرآن والسنة حددا قواعد مهينة للعبادات أما المعاملات فلم يحدد لها في الغالب سوى مبادئ عامة، تاركين للناس مهمة تطبيق هذه المبادئ على شتى أحوال الحياة وهذه هي دائرة الاجتهاد المشروعة، دائرة الرأي البشري إذا مورس بمسؤولية ووفقا لمبادئ معينة(53). ضمن دائرة الرأي البشري تدخل تجارب الأمم والنظريات الأوروبية في القانون الطبيعي كما تدخل الفلسفة.

صحيح أن الأستاذ الإمام سلك مسلك الفلسفة والنظر العقلي في إثبات الأقسام الثلاثة العقلية للمعلوم. وحكم المستحيل وتفسير الماهية والحقيقة وأحكام الممكن ثم الواجب، وإثبات صفة الحياة ووجوبها لواجب الوجود، والعلم، إثبات وجوبه له أيضا والأدلة على ذلك، وصفات الإرادة والقدرة والاختيار ثم الوحدة والبراهين العقلية على ذلك، لكن ذلك كله يدخل في عداد ما يجب الاعتقاد بثبوتها لواجب الوجود وما يرشدنا إليه البرهان وجاءت الشريعة الإسلامية وما تقدمها من الشرائع المقدسة لتأييده والدعوة إليه بلسان نبي الإسلام ومن سبقه من الأنبياء(54).

يضاف إلى ذلك، أنه حيثما ظل ابن رشد متمسكا بعلوم الأوائل ممثلة في فلسفة المعلم الأول، "التي أرادها خالية من الشوائب والإضافات وأجهد نفسه من أجل شرحها وتفسيرها بغية رفع "قلق عبارة" صاحبها، بقي الشيخ الإمام منشدا إلى أمل ازدهار فكر فلسفي خال من الإتباع والتقليد. ولقد أشرنا، آنفا، إلى أن أحد العائقين اللذين حالا، في رأيه دون ذلك الازدهار يتمثل في "الإعجاب بما نقل إليهم عن فلاسفة اليونان، خصوصا أرسطو وأفلاطون، ووجدان اللذة في تقليدهما لبادئ الأمر"(55).

فهل كان نبذ الولاء لفلسفة بعينها هو علامة الإبداع المأمول.

نعتقد أن الشيخ الإمام كان معجبا بالفلسفة وعاشقا لها، لكن نظام الأولويات والأسبقيات جعله لا يخوض فيها خوض المتخصص المتفرع. ولو خاض فيها خوض المتفرغ لعلم شيئا عن أهمية المواقع في الفلسفة، بل وعن ضرورتها كجزء من الممارسة الفلسفية.

يتبين لنا هذا بجلاء في السجال الذي دار بينه وبين الأستاذ فرح أنطون حول ابن رشد وفلسفته(56).

فقارئ هذه المناظرة يتجلى له بما لا يدع مجالا للشك، أن الشيخ الإمام كانت تعوزه عدة مراجع ومصادر في الموضوع. وهذا سبب من أسباب اتساع الاختلاف وتباين الهوة بين المتناظرين فيما يخص فلسفة ابن رشد(57) والعديد من مسائل دقيق علم الكلام. وهذه ملاحظة تنطبق على فرح أنطون أيضا والذي كانت تعوزه مراجع الشيخ الإمام الفلسفة الإسلامية، بصفة عامة. يقول الأستاذ في رده على فرح أنطون.

"وأما العقل فليس كما تقول الجامعة فإن العقل الأول جوهر مجرد عن المادة، وهو قول صادر عن الواجب، وقد صدر عنه الفلك التاسع المسمى عندهم بالفلك الأطلسي ونفس لذلك الفلك تدبر حركاته الجزئية، وعقل آخر هو العقل الثاني وعن هذا الثاني صدر الفلك الثامن المسمى عندهم فلك الثوابت ونفسه والعقل الثالث، وهكذا إلى أن صدر عن العقل التاسع فلك القمر ونفسه والعقل العاشر وهو المسمى عندهم بالعقل الفعال أو العقل الفياض وعن هذا العقل صدرت المادة العنصرية وإليه يرجع ما يحدث في عالمها…"(58).

ينسب الأستاذ هذا الرأي إلى "الفلاسفة الإلهيين" معتبرا بالطبع، ابن رشد واحدا منهم. لكن إذا كان هذا الرأي يصح بالنسبة لفلاسفة المشرق من الكندي إلى الفارابي فابن سينا وغيرهم والذين راموا التوفيق بين الدين والفلسفة وبين أرسطو وافلاطون انطلاقا من كتاب منسوب خطأ لأرسطو، وهو في الأصل لافلاطون اي كتاب أتولوجيا، فإنه لا يصح بالنسبة لابن رشد.

لأن ابن رشد عمد إلى شرح مؤلفات أرسطو وفسرها كما هذبها من كل ما علق بها على يد الشراح الأقدميين، وهو ينكر في كتابه تهافت التهافت، وفي مسألة تعدد العقول، أن يوجد لأرسطو ولا لمن اشتهر من المشائين قول بتعدد العقول إلا لفرفور يوس الصوري صاحب كتاب إيساغوجي في المنطق، وهو لا يعتد به لأنه ليس أرسطيا.

ولو طالع الأستاذ الإمام كتاب تهافت التهافت أو نصوصا أخرى غيره لابن رشد لأدرك خطأ ما نسبه لفيلسوف قرطبة. لا يعني هذا بالضرورة أن مناظره فرح أنطون طالع كل نصوص ابن رشد، فجل اعتماده كان على كتاب المستشرق الفرنسي الشهير أرنست رونان: ابن رشد والرشدية وكتاب سالمون مونك امشاج من الفلسفة العربية واليهودية وغيرها(59).

ونعني بذلك أن فرح أنطون رغم مطالعته لكتاب تهافت، بدليل النصوص التي أوردها للاستشهاد بها في الرد على الشيخ الإمام، لم يتوسع في الاطلاع توسع استقصاء والشاهد تصريحه الآنف بمصادره ومارجعه.

لم يتوسع الشيخ الأستاذ في الاطلاع على أدق دقائق علم الكلام، علم الكلام الأشعري على الخصوص، توسع استقصاء وتقص. ففيما يتعلق بموقف المتكلمين الأشاعرة من مسألة السببية، والذي استغله فرح أنطون في المناظرة المعروفة لمقابلته المتكلمين ينكرون السببية ويقولون "بالتجويز" لأنه قول لا يتلاءم وجوهر العقيد الإسلامية التي تقول بارتباط الأسباب بالمسببات، ويفهم من لهجته أنه يبرئ ساحة المتكلمين من التهمة وهو يفعل ذلك عن حسن نية مسقطا قناعاته الشخصية عليهم.

لقد مر معنا أن الشيخ الأستاذ أنكر جواز كرامات الأولياء كما أنكر الخوارق والمعجزات لغير الأنبياء وهو إنكار تسنده خلفية نظرية، جوهرها أن للطبيعة قوانين ثابتة لا تتبدل ولا يمكن أن تخرق إلا من طرف الله ولأنبيائه فقط كدلائل على نبوتهم. كما أشرنا إلى أن المتكلمين الأشاعرة قالوا بجواز كرامات الأولياء. وهم يستندون في ذلك إلى أن الله وحده هو الذي يفعل، أما الطبيعة فلا، وإلا أصبحنا أمام فاعلين، إن الطبيعة عاطلة لأنها جواهر فردة أو أجزاء لا تتجزأ منفصلة لا يؤثر أحدها في الآخر، وما نعتقده من اقتران ضروري بين الأحداث ما هو سوى عادة أو تعود يتكون لدينا بفعل تكرار الأشياء أمامنا.

وقد عبر الغزالي في تهافت الفلاسفة عن ذلك أحسن تعبير في نص شهير أورده فرح أنطون كحجة ضد الأستاذ الإمام(60). وأغلب الظن أن هذا الأخير لم يطالع كتاب الغزالي هذا، كما لم يطالع بعض مؤلفات رؤوس المذهب الأشعري. وينطوي رده على رفض مبدئي قاطع لإنكار السببية لأن "القول ينفي الرابطة بين الأسباب ومسبباتها جدير بأهل دين ورد في كتابه أن الإيمان وحده كاف في أن يكون للمؤمن أن يقول للجبل تحول عن مكانك فيتحول الجبل. يليق بأهل دين يعد الصلاة وحدها إذا أخلص المصلي فيها كافية في إقداره على تغيير سير الكواكب وقلب نظام العالم العنصري. وليس هذا الدين هو دين الإسلام. دين الإسلام هو الذي جاء في كتابه "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا"(61).

ويمكن اعتبار هذا الرد، في الحقيقة، ردا على الأشاعرة وعلى كل من نحا نحوهم في إبطال السببية أكثر مما هو رد على فرح أنطون، إنه رد أملته وجهة نظر محمد عبد المصلح، السلفي، أكثر مما أملته وجهة نظر محمد عبده الفيلسوف أو مؤرخ الفلسفة، إن ما كان يهم، بالنسبة له، وهو يرد على فرح أنطون بهذا الخصوص، هو نقد الخوارق والكرامات ونسف الأساس النظري والفلسفي لها، كطريق لاستنهاض الهمم ونبذ روح التواكل والجمود على الخرافة التي تصد المسلمين عن التقدم وتغيير ما بأنفسهم، وتقعد بهم عن مسايرة ركب النهوض والتأهب للحياة الجديدة ومواجهة الاستعمار والجهل والتأخر.

إن كان يهم الشيخ الأستاذ، بالدرجة الأولى، ليس هو أن يتحول إلى فيلسوف محترف، بل أن يدافع عن قيم الفكر الحر والتسامح والاختلاف، أن يكشف عن الوجه الليبرالي للإسلام ويقدمه كدين غير متحجر ولا يجمد على التقليد. فالدفاع عن الفلسفة من قبله، دفاع عن الفكر الحر، ونضال ضد النبذ والإقصاء.

لقد تجلى هذا واضحا وجليا في حاشيته على شرح الجلال الدواني(62)، بخصوص العديد من القضايا التي تناولها بالتحليل والتعليق والشرح، ومن بينها، على الخصوص، قضية "الفرقة الناجية" فقد اعتمدت كل فرقة على حديث "الفرقة الناجية" لتكفر سائر الفرق الأخرى، كما رأينا. وهو ما نبه إليه الأستاذ الشيخ حينما قال: "أما تعيين أي فرقة هي الفرقة الناجية، أي التي تكون على ما هو عليه النبي وأصحابه فلم يتبين إلى الآن، فإن كل طائفة، ممن يذعن لنبينا بالرسالة تذهب فتجعل نفسها على ما النبي عليه وأصحابه، حتى أن (مير باقر الدماد) برهن على أن جميع الفرق المذكورة في الحديث هي فرق الشيعة، وأن الناجي منهم فرقة الأمامية"(63) ويستخلص الشيخ الأستاذ من ذلك أن كل طائفة تدعي أنها الفرقة الناجية وتقيم على ذلك الدلائل، وهو لا يعني بالطوائف هنا فرق الكلاميين فحسب بل يدخل فيها أيضا الفلاسفة والمتصوفة. "كل يبرهن على أنه الفرقة الناجية المذكورة في الحديث، وكل مطمئن بما لديه، وينادي نداء المحق لما هو عليه. والوقوف على حقيقة الحق في ذلك يكون من فضل الله تعالى، وتوفيقه"(64).

ويطرح الشيخ الإمام، بهذا الخصوص عدة احتمالات: فمن الجائز في ظنه أن تكون الفرقة الناجية المقصودة "قد جاءت وانقرضت، وأن الباقي الآن في غير الناجية". أو أنها إلى الآن ما وجدت، وستوجد". أو أن جميع الفرق ناجية باعتبار أنها كلها مطابقة للشريعة ومتبعة لأصولها المعلومة: كالألوهية والنبوة والمعاد.

ويرجع عبده هذا "التردد" كما يسميه، إلى أن الناظر في جميع الفرق يجد لديها أدلة تعضد موقفها، مقتبسة من الكتاب والسنة والإجماع، ما يشابه ذلك.

كما يؤكد أن كل فرقة محقة في قضية ما، ليس بالضرورة محقة في أخرى، لذا لا يصح التحزب، والتعصب وادعاء الطائفية، بل لا بد أن دور الأمر على الواقع حيث كان، بطريق البرهان(65).

ولعل أهم حجة يقدمها الشيخ عبده هي أن النبي لم يطلع أحدا على دقائق معارفه في مقام الألوهية، وعالم الربوبية، ولا على مراتب عرفانه فكيف يمكن التطلع إلى مثل هذا الأمر الخفي الذي لا يعلمه إلا الله ورسوله، وإن ما وصلنا من شرعه، ما يصرح بثبوت الإلهيات والنبوة والمعاد، بأقاويل مقدسة لكنها حمالة أوجه، كما حملها الناظرون، كل على حسب اعتقاده(66).

لذا ليس من السهل تكفير هذا أو ذاك، هذه الطائفة أو تلك بدعوى أنه أو أنها لم يكن أو لم تكن على ما كان عليه النبي، كما في حديث الفرقة الناجية.

يريد محمد عبده، بهذا الموقف الليبرالي المتسامح، أن يدافع عن مشروعية الاختلاف وعن مشروعية الفكر الحر والنظر العقلي الفلسفي. فهو يعيب على الجلال الدواني، شارح مواقف الإيجي، أنه بخصوص مسألة حشر الأجساد كفر الفلاسفة في شخص ابن سينا، باعتبار أنه لا يمكن الجمع بين القول بقدم العالم وبين الحشر الجسماني. فالقول الأول يلزم عنه لزوما منطقيا في نظر الدواني تعذر حشر الأجساد لأن عددها لا متناه إذ بعدما بين الشيخ الأستاذ عدم صحة التهمة لأن الفلاسفة صرحوا بحشر الأجساد رغم قولهم بقدم العالم والأنواع، يتساءل عن المانع الذي يمنع الفيلسوف من التفكر في معنى الحشر الجسماني. أو أن "يؤمن بحشر جسماني لا تعلم كيفيته ولا يعلم معناه". ذلك هو سبيل الفلاسفة: أن يتخذوا عقلهم طريقا، وإلا لا يكونون فلاسفة أصلا.

إن أكثر من كفروا الفلاسفة هم الأشاعرة، هذا مع أنهم، وعلى الخصوص الأشعري، يعتبرون المقلد في أصول دينه ليس بمستيقين، أي أنه على ريب، أي أنه كافر. "فإن كان التقليد كفرا عندهم،[…] فكيف يصح منهم الإلجاء، إلى قضايا خاصة تواطئوا عليها، وتعارفوها فيما بينهم، ويزعمون أن هذا هو الحق الواقع. كلا بل ذلك تعصب"(67).

هذا نلاحظ أن هدف الشيخ الإمام لم يكن الدفاع عن هاته القضية أو تلك، من القضايا التي خاض فيها الفلاسفة، بل توسيع مجال سماحة الإسلام وانفتاحه خدمة لمصلحة الإسلام والمسلمين أمام تحديات التقدم والمستقبل. فسؤال هذا الأخير، سؤال الغرب الليبرالي هو الذي شكل منطق تفكير الشيخ الإمام.

 

خاتمــة:

انصرف اهتمامنا، في ما تقدم، إلى التأكيد على أن رسالة التوحيد تضمنت الدفاع عن عقيدة ضدا عن مذاهب متكلمي الخلف.

لا يعني هذا، بالضرورة، أن الشيخ الإمام، وهو يتمسك بعقائد السلف، كان ينشد إلى زمنهم. لم يكن سؤال الماضي هو السؤال المحرك لأفكاره واختياراته كما لم يكن الشيخ الإمام في بحث دؤوب عن الزمن الضائع، زمن الماضي، لم يكن ذلك شغله الشاغل، على نحو ما نشهد ذلك لدى النزعات الحنبلية أو الحنبلية الجديدة أو ما شابهها، لم تكن السلفية لديه حنينا إلى لحظة كانت في الماضي، كما لا تمثل لديه كلمة مرادفة للجيل الأول من صحابة النبي والتابعين ومن تبعهم، بل إنها تعني لديه استنهاضا للحاضر ودعوة إلى إصلاحه.

ما كان يعنيه من عقيدة التوحيد، ومن الدفاع عنها، ليس معارضة مذهب بآخر أو أسلوب بأسلوب أو اتجاه بآخر، ليست المساجلة والمناظرة همه ودافعه، بل المصلحة والعمل، إثبات أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد مقاومة روح التواكل التي أذكاها الإيمان بكرامات الأولياء وقدرة المشايخ على خرق الطبائع والنواميس، استنهاض الهمم للتغيير، تغيير حال الأمة وتوحيدها، فهي أمة تعاني سلبيات نتيجة معاناتها من الانحطاط…

لا يمكننا، إذن، البحث عن خلفية نظرية ما أو نسق مرجعي نظري يكون بمثابة المستند المذهبي أو النظري لاختيرات الشيخ الإمام وللأفكار الواردة في رسالة التوحيد أو في غيرها ذلك أن تلك الاختيارات والأفكار كانت تأتي جوابا لأسئلة يطرحها الحاضر والمستقبل، وبإلحاح من مطلب التقدم وراهنيته.

إن المنطق الثاوي خلف رسالة التوحيد، رغم طابعها الكلامي النظري المظهري، منطق كان مفروضا على الشيخ الإمام، أملته لحظة المواجهة مع الغرب الليبرالي، والمهام المستعجلة التي أصبحت منوطة بالأمة كي تستوعب مكتسبات التقدم والحداثة والليبرالية. إنه لم يكن منطقا ثقافيا بالمعنى القوي للعبارة: فقد أشرنا إلى أن الشيخ الإمام لم يكن يطرح أفكاره واختياراته بدافع ذاتي من الرغبة في التفلسف ونشدان الاستراحة الفكرية داخل نسق ما، بل بدافع من سؤال التقدم، سؤال المستقبل.

لم يكن غرض محمد عبده معارضة أو مساندة الغزالي أو ابن سينا أو متكلمي الاشاعرة والمعتزلة.." بل تمثل هدفه في هدم الأساس النظري الكلامي لمسائل أنكروها أو دافعوا عنها لها انعكاس على الواقع العملي، فهم مناسبة وليسوا في حد ذاتهم هدفا.

فسياق رسالة التوحيد، هو سياق الإصلاح والدعوة الإصلاحية، لا علم الكلام ومذاهب أصحابه ونطق الإصلاح أو يغلب عليه طابع الوظيفية والذرائعية وليس منطقا نظريا مذهبياn

 

الهوامش:

1 ـ عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، بيروت 1977.

2 ـ أبو المظفر الأسفرايني، التبصير في الدين، بيروت 1983.

3 ـ أبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، القاهرة، 1397، نشر محب الدين الخطيب ص3.

4 ـ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، نشر محيي الدين عبد الحميد، القاهرة 1950.

5 ـ ابن الجوزي، تلبيس ابليس، القاهرة، (د.ت) ص23.

6 ـ انظر الأشعري، رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام، منشورة ضمن: عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، ج1، بيروت 1978.

7 ـ انظر مواضع مختلفة من: الموطأ لمالك بن أنس مع شرح الجلال السيوطي، بيروت (د.ت) وكذلك، القاضي عياض، ترتيب المدارك، ج2، الرباط 1966.

8 ـ انظر ابن أبي زيد القيرواني، الرسالة، ضمن الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني للنفزاوي المالكي، بيروت (د.ت) الدباغـ معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، تونس، 1320هـ، ج3، ص140.

9 ـ فيما يخص مالك، انظر الراعي الأدلسي، انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب مالك، تحقيق أبو الأجفان، بيروت، 1981 وفيما يخص ابن حنبل، أبو داود السجستاني، مسائل الإمام أحمد، بيروت 1353هـ.

10 ـ ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، بيروت، 1975.

11 ـ نفس المصدر، ج1، ص9-134.

12 - نفس المصدر، ج2، ص122-124.

13 - نفس المصدر، ج2، ص121.

14 ـ تحقيق محمود قاسم، القاهرة، ط2، 1964.

15 ـ ابن خلدون، المقدمة، القاهرة (د.ت) ص460.

16 ـ ابن تميمية، العقيدة الواسطية، ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، القاهرة، 1322، ح1، ص196.

17 ـ حققه هنري لاووست.

18 ـ محمد بن عبد الوهاب، كتاب التوحيد، ضمن مجموعة التوحيد، بيروت 1991، أيضا:321، 1977.

19 ـ للمزيد من الاطلاع يمكن الرجوع إلى ع.سامي النشار وعمار الطالبي، عقائد السلف، الإسكندرية، 1971.

20 ـ الشيخ محمد عبده، رسالة التوحيد، القاهرة 1960، ص4.

21 ـ نفس المصدر، ص5.

22 ـ نفس المصدر، ص5.

23 ـ نفس المصدر، ص6.

24 ـ نفس المصدر، هامش ص10.

25 ـ نفس المصدر، ص17

26 ـ نفس المصدر،ص18-19.

27 ـ نفس المصدر،ص19

28 ـ نفس المصدر،ص20

29 ـ نفس المصدر،ص21

30 ـ نفس المصدر،ص21-22.

31 ـ نفس المصدر،هامش ص21.

32 ـ ابن خلدون، المقدمة، ص514.

33 ـ محمد عبده، رسالة التوحيد، ص24.

34 ـ نفس المصدر،ص42

35 ـ نفس المصدر،ص45.

36 ـ نفس المصدر،ص45-46.

37 ـ أحمد بن حنبل، الرد على الزنادقة، ضمن عقائد السلف، ص37-78.

38 ـ نفس المصدر،ص51

39 ـ نفس المصدر،ص52

40 ـ نفس المصدر،ص53

41 ـ نفس المصدر،ص55

42 ـ نفس المصدر،ص55

43 ـ نفس المصدر،ص63

44 ـ نفس المصدر،ص67-80

45 ـ نفس المصدر،ص81-83

46 ـ نفس المصدر،ص86-87

47 ـ نفس المصدر،ص204

48 ـ نفس المصدر،ص206

49 ـ نفس المصدر،ص207

50 ـ نفس المصدر،ص24

51 ـ نفس المصدر،ص128

52 ـ نفس المصدر،ص20-21

53 ـ ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة كريم عزقول، بيروت 1986، ص182-183.

54 ـ رسالة التوحيد، ص25-45.

55 ـ نفس المصدر،ص21.

56 ـ فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته، بيروت 1981.

57 ـ عباس محمود العقاد، محمد عبده، القاهرة (د.ت)، ص245.

58 ـ فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته، ص102.

59 ـ فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته، ص114.

60 ـ نفس المصدر،ص107

61 ـ نفس المصدر، ص101.

62 ـ نشر وتحقيق سليمان دنيا بعنوان الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والكلاميين، القاهرة، 1958، ج2.

63 ـ نفس المصدر، ج1، ص8

64 ـ نفس المصدر، ج1، ص16

65 ـ نفس المصدر، ج1، ص17-20

66 ـ نفس المصدر، ج1، ص20

67 ـ نفس المصدر،ج1، ص23-24.